مقالات

إردوغان.. الغاية تبرّر الوسيلة

حسني محلي

“الغاية تبرّر الوسيلة”. هذا ما قاله المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي ميكيافيلي، في كتابه الشهير “الأمير”، والذي نشره في القرن السادس عشر، وكان يعتقد “أن صاحب الهدف في استطاعته أن يستخدم الوسيلة التي يشاؤها، أياً تكُن، وكيفما كانت، من دون قيود أو شروط”. وتحوّلت هذه القاعدة إلى نقطة الانطلاق، التي ينطلق منها كل سياسي ديكتاتوري، لتبرر له الاستبداد وممارسة الطغيان والفساد، في كل الأشكال، كما تبرر مغامراته في الخارج. ويرى ميكيافيلي أن “استخدام العنف والقوة من جانب القائد السياسي ضرورة ملحّة، لأن ذلك يولّد الخوف، والخوف أساسي من أجل السيطرة على الشعوب. ومن لا يفعل ذلك فهو ليس بقائد سياسي”، بحسب رأيه.

كلام ميكيافيلي هذا له علاقة مباشرة بأساليب الحكم التي يستخدمها الحكّام في عدد كبير من دول العالم، ومنهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وخصوصاً بعد أن سيطر على جميع أجهزة الدولة ومرافقها ومؤسساتها، عندما قام بتغيير النظام من برلماني إلى رئاسي في نيسان/أبريل 2017. ونجح إردوغان بعد ذلك التاريخ في فرض أجنداته الداخلية والخارجية على الشعب التركي، بعد أن أرهبه، سياسياً وأمنياً وقضائياً، وأخيراً نفسياً، بحيث نجح في إسكات أي صوت معارض له، إعلامياً كان أو سياسياً، بل حتى شعبياً. وكانت الشعارات والمقولات القومية والدينية سلاحَ إردوغان الأهم في مجمل تصرفاته الداخلية والخارجية، ونجح من خلالها في شحن مشاعر أتباعه وأنصاره، الذين يصفّقون له مهما قال، حتى لو تناقض بينه وبين نفسه في الخطاب نفسه.

ويفسّر ذلك تأييد أتباعه وأنصاره له ولسياسته في المصالحة مع الإمارات والسعودية ومصر و”إسرائيل” من دون أن يخطر في بال هؤلاء أنهم هم الذين صفّقوا له تصفيقاً حارّاً عندما كان يهاجم زعماء هذه الدول ويتوعّدهم ويهدّدهم، باسم الدين والقومية التركية، وتعنيان معاً بالنسبة إلى إردوغان “العظمة العثمانية”.

إردوغان، الذي انطلق من مقولات ميكيافيلي، الذي قال أيضاً إن “الدين ضروري للحكومات، لا من أجل الفضيلة، لكن من أجل السيطرة على الناس”، وأضاف “من أراد أن يطاع فعليه أن يعرف كيف يأمر”، لن يترك أيّ مجال لأنصاره وأتباعه للتفكير في تناقضاته بعد أن نجح (بفضل سيطرته على 95% من الإعلام الخاص والإعلام الحكومي)، في التأثير فيهم عبر أحاديثه اليومية، وفيها دائماً كثير من التناقضات. والأغرب من كل ذلك أن أتباعه وأنصاره لم يعودوا يبالون بهذه التناقضات، ما داموا مستفيدين من حُكم إردوغان بصورة أو بأخرى، ولا يهمهم ما تشكّله هذه الاستفادة من عبء على الدولة والأمة التركيتين. وأثبتت كل استطلاعات الرأي أن أغلبية أبناء هذه الأمة لم تعد تصدّق إردوغان، كما لم تعد تُخْفي انزعاجها واعتراضها على سياساته المتناقضة، والتي يرى فيها كثيرون (على الأقل 65%) أنها “تحطّ من سمعة الأمة والدولة التركيتين وكرامتهما وشرفهما”.

فهؤلاء يذكّرون إردوغان باستمرار بكل ما قاله عن محمد بن زايد ومحمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي وحكّام “إسرائيل”، ويتّهمونه الآن بالتوسل إلى هؤلاء كي يصالحوه، من دون أن يقول للشعب التركي ما هي “الغاية” من كل ما يفعله. وهو، بدوره، يرى ضمناً أن “الغاية تبرر الوسيلة”؛ أي الأسلوب الذي يتعامل به خلال معالجته أزمات تركيا، داخلياً وخارجياً، وحتى لو أثبتت فشلها.

فعلى سبيل المثال، قد يرى المواطن في مصالحة إردوغان مع السعودية والإمارات “غايةً” معقولة ومقبولة بالنسبة إلى إردوغان، الذي “يعبد المال الموجود في البلدين المذكورين، وهو في حاجة إليه من أجل معالجة الأزمة المالية الخطيرة، وضمان بقائه في السلطة”. في المقابل، لا يرى المواطن أيّ مبرّر منطقي ومعقول في مساعي إردوغان للمصالحة مع “إسرائيل”، “العدو الديني والسياسي والثقافي والاجتماعي لتركيا، حكومةً ودولةً وشعباً”.

أولاً، إن “إسرائيل”، في سياساتها الأخيرة، بعد أن قتلت عشرة من المواطنين الأتراك على متن سفينة مرمرة، نهاية أيار/مايو 2010، أهانت تركيا والأتراك في أكثر من موقف، وآخرها عندما تبرّعت بعشرين مليون دولار لعائلات الضحايا في مقابل أن يلغي إردوغان كل الدعاوى التي أقامتها عائلات الضحايا ضد “جيش” الاحتلال الإسرائيلي في المحاكم التركية والدولية. والغريب في الموضوع أن إردوغان نسيَ عنصر الدين المؤثّر (يبدو أنه سطحي) لدى أتباعه وأنصاره، ونسي أو تناسى أن “إسرائيل” عدو الإسلام والمسلمين، وتقتل الفلسطينيين كل يوم، وتقتحم ساحات المسجد الأقصى، لكن لا حياة لمن تنادي.

إردوغان، بدوره، بعد أن نجح في إقناع أتباعه وأنصاره بـ”أن الغاية تبرر الوسيلة”، لم يتردّد في التودّد إلى حكام “تل أبيب”، ليُقنعهم بضرورة المصالحة، ثم التنسيق والتعاون، وأخيراً التحالف معه، ما دام هذا التحالف سيضمن له ودّ منظمات اللوبي اليهودي. وبالتالي، سيضع “إسرائيل” في الخندق التركي، وليس في خندق الدول العربية؛ أي مصر والسعودية والإمارات، ويجعل أنقرة الأكثرَ أهمية في حسابات المرحلة المقبلة، بالنسبة إلى الرئيس بايدن.

لهذه “الغاية” يستعجل إردوغان في مساعيه لمصالحة “تل أبيب”، وتقديم كل التنازلات إليها، من أجل أن يكسبها إلى جانبه للوصول إلى غاياته، بعد أن استباح كل الوسائل من أجل ذلك. فإردوغان يريد لهذا التحالف أن يساعده على تعزيز الأوراق، التي يمتلكها في سوريا والعراق وليبيا، في حال تعرُّضه لضغوط عربية خلال المرحلة المقبلة، التي سيسعى خلالها لإثبات مزيد من “رغبته الصادقة” في التحالف مع “تل أبيب”. ويفسّر ذلك اتصالاته المتكررة بهرتسوغ وبينيت، في كل مناسبة، وإرساله وزيري الخارجية والدفاع إلى “تل أبيب”، بعد أن أمر أجهزته الاستخبارية بمزيد من التنسيق والتعاون مع مثيلاتها في “إسرائيل”. وازداد إردوغان حماسةً لزيارة “تل أبيب” واستقبال بينيت في أنقرة على الرغم من اعتراض أغلبية المواطنين الأتراك على ذلك، فهم لا حول لهم ولا قوة، بعد أن أثقل الواقع، سياسياً وأمنياً ومالياً ونفسياً، كواهلهم تماماً.

هذا الأمر يستغلّه إردوغان للاستعجال في تحقيق غاياته في التحالف مع “إسرائيل”، ويعرف أنه في حاجة إليها في مجمل حساباته الخاصة، إقليمياً ودولياً. وهو يعرف أن الأنظمة العربية أكثر تحمساً منه للغرام مع “إسرائيل”، ووسائلها أكثر قوة وتأثيراً من وسائله، التي يريد لها أن تُثبت قوتها وجدارتها، ما دامت تركيا “ليست بلداً عربياً، وعلاقاتها باليهود و”إسرائيل” تاريخية، وتستطيع أن توازن دور إيران في المنطقة، وخصوصاً في سوريا ولبنان والعراق”.

وقد ترى “تل أبيب”، بدورها، في “وسائل” إردوغان ما يخدم مصالحها أكثر من الآخرين. أولاً، لأن تركيا تجاور كلاً من سوريا والعراق وإيران، وثانياً لأن إردوغان يستطيع أن يفرض أجندته على الدولة والشعب التركيَّين من دون أيّ اعتراض، حتى لو كان ذلك على حساب العقيدة الإسلامية، التي تريد لها “تل أبيب” أن تكون هي أيضا في خدمتها، كما هي الحال في تصرفات أنظمة التطبيع معها، ليس الآن فقط، بل منذ فترة طويلة. فالحديث عن “حوار الأديان”، الذي تبنّته هذه الأنظمة، كالسعودية والإمارات والبحرين، منذ فترة، وانضمّت إليها لاحقاً مصر والمغرب، بالتنسيق مع واشنطن والعواصم الغربية، ليس إلّا محاولة جادة وخبيثة لتفريغ جوهر النضال، فلسطينياً وعربياً، ضد “إسرائيل” والصهيونية واليهود، من معانيه الحقيقية. وكان ذلك “غاية” مشروع “تحالف الحضارات”، الذي تبنّاه الرئيس إردوغان مع إسبانيا (ذبحت العرب المسلمين خلال سقوط دولة الأندلس، وهجّرت اليهود إلى الدولة العثمانية) في عام 2004، وموَّلته قطر، ولاحقاً السعودية والإمارات. والكل في خدمة “إسرائيل” كـ”دولة”، وخدمة اليهود كمشروع صهيوني تاريخي ديني، وكل “الوسائل” مباحة، داخلياً وخارجياً، ما دامت تبرّر الوسيلة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى