مقالات

الظروف التي سبقت الانتخابات النيابية اللبنانية حدّدت مآلها

هدى رزق

تقودنا قراءة نتائج الانتخابات البرلمانية اللبنانية في الـ 15 من أيار/ مايو 2022 بشكل تلقائي إلى البحث في ما كان يؤمل منها، بعد صراع قاده أطراف إقليميون ودوليون بواسطة قوى سياسية محلية لمدة عامين ونصف عام، 2019 -2022، هدف إلى إسقاط المقاومة وسلاحها تحت شعار إسقاط الأغلبية الحاكمة بسبب فسادها، وتحميل حزب الله مسؤولية تغطية فساد الطبقة الحاكمة التي قادت البلاد 30 عاماً، وأوصلتها إلى أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة.

لا يمكن إغفال عوامل عديدة أدت إلى هذه الأزمة، فالأسباب متعددة، منها عدم كفاءة الطبقة الحاكمة، والفساد المستشري، والأزمة السورية التي أغلقت بوابة دمشق التجارية على لبنان، ونزوح أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ سوري إلى الأراضي اللبنانية، وأطماع القطاع المصرفي، وهندسات حاكم مصرف لبنان المالية التي عملت على إنقاذ مصارف كبرى توسعت خارج البلاد بعد خسارتها، والأهم عدم اعتماد رؤية جديدة للاقتصاد، وتحديد دور لبنان بعد حرب دامت خمسة عشر عاماً، بل الذهاب إلى اقتصاد ريعي جرى تحديده في دستور 1943 من دون إعادة النظر في المتغيرات الاقتصادية الدولية والإقليمية، فضلاً عن اعتماد الارتجال قاعدة اقتصادية اتّكأت على المساعدات الخارجية، في ظل رهان على سلام عربي – إسرائيلي أفشلته “إسرائيل” ورفضت مقايضة السلام بالأرض عام 1995.

وإذا كان مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن دايفيد شنكر قد أكد في تصريح له مساهمة الولايات المتحدة في التعجيل في أحداث الأزمة في لبنان، فلقد تزامنت تظاهرات الـ 17 من تشرين الأول/أكتوبر 2019 في بيروت مع تظاهرات العراق، في توقيت مريب مهّد لمحاولة إضعاف تحالفات حزب الله الداخلية عبر دعوة رئيس الجمهورية إلى الاستقالة، والعمل على انفكاك التيار الوطني الحر كقوة مسيحية عن الحزب وعزله، وتجند الإعلام لحملة ضد رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر، وتم توزيع بيانات عن حجم ثروة رئيس حركة أمل نبيه بري منذ تولّيه رئاسة المجلس النيابي إلى اليوم، من دون غيره من السياسيين الذين شاركوا في حكم البلاد، واتهام حزب الله بتغطية فساد حلفائه، من أجل إحداث شرخ بينه وبين حركة أمل، ومحاولة تأليب جمهور الحزب عليه. وتولّى القيادة زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي ورث علاقات حزب الكتائب، ومتّن العلاقة مع السعودية، وعمل كسند للسياسة الأميركية، بعد فشل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وسعد الحريري في قيادة فريق 14 آذار نحو صراع مع الحزب.

فاستقال وزراء جعجع من الحكومة، ووضع نفسه في خانة المعارضة باعتباره كان في السجن بعيداً عن المحاصصة في فترة رئاسة الرئيس الياس الهراوي، لكنه في الواقع أصبح شريكاً وجزءاً من الحكم في الفترة نفسها مع التيار الوطني الحر بعد العام 2005.

رفع قائد القوات اللبنانية شعار تغيير الطبقة الحاكمة، في محاولة لإسقاط العهد، متّهماً إياه بالفساد، وعمل بالتشارك مع منظمات المجتمع المدني، ومنها من كان جزءاً من يافعي 14 آذار الذين فقدوا أملهم بتغيير وجه لبنان وإصلاح الإدارة، ووقفوا ضد التسوية التي حصلت في العام 2008 في الدوحة، ونادوا بحياد لبنان وتطبيق القرار 1559.

كذلك سعت المملكة العربية السعودية، بعد اعتكاف طويل، إلى رفع الغطاء السياسي عن سعد الحريري، ودعم رئيس القوات اللبنانية في تصدّيه لحزب الله وحليفه التيار الوطني الحر، عبر لمّ شمل قوى سياسية مختلفة ضمن تجمّع واسع يضمّ وليد جنبلاط وجميع رؤساء الوزراء السنّة السابقين، وأعضاء من كتلة تيار المستقبل، وربما شخصيات سياسية تحت شعار رفض سيطرة إيران، وادّعاء أنها “تعزل لبنان عن محيطه العربي”، فيما اعتبر هذا الادعاء إدانة للموقف السياسي السنّي بعد اتفاق الطائف، ووضع الشخصيات السنية في قفص الاتهام، وجعلها في خدمة التحالف مع القوات اللبنانية التي تلتزم بالسياسة السعودية.
في هذه الأجواء السياسية جرت الانتخابات النيابية التي لا يمكن قراءة نتائجها بمعزل عن الظروف التي أحاطت بها، وأدّت إلى محاولة إيهام الرأي العام بأن تغييرات كبيرة حصلت في تركيبة المجلس يمكنها أن تقلب موازين القوى، وتتيح تغيير رئيس المجلس النيابي، حتى لو رشّحته طائفته. بدت تصريحات بعض النواب كأنها استكمال للتجمع الذي علّق مجسّمات للرئيس بري وللأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بعد انفجار المرفأ، للإيحاء بمسؤوليّتهما عنه، قبل إجراء أي تحقيق.
وبدا واضحاً أن العجز عن إحداث اختراق في بنية التمثيل الشيعي وخلق حالة شبيهة بالعراق، أحدث نكسة للمشروع الأميركي، وهو مشروع وضع على روزنامة الإدارة الأميركية منذ العام 2004 على يد السفير الأميركي جيفري فلتمان.
يحاكي طرح موضوع سلاح المقاومة وتطبيق القرار 1559 محاولة نقل الصراع إلى مجلس النواب في الوقت الذي اعتبر فيه أن أولوية الانتخابات النيابية هي العمل على الإصلاح وضبط الموضوع المالي والحاجة إلى رؤية اقتصادية ومشروع تنموي وإعادة النظر في القوانين المرعيّة الإجراء من أجل البدء بالتعافي.

لا شك في أن طرح موضوع السلاح في هذا الوقت بالذات هو أولوية الأميركي الذي يسعى إلى عقد مؤتمر للبلدان العربية، مصر والأردن والإمارات والسعودية، من أجل تثبيت التطبيع مع “إسرائيل”، ودعوة السعودية إلى اتفاقات علنية معها.

على الرغم من فقدان حزب الله الأكثرية النيابية بعد خسارة بعض حلفائه، وهذا كان متوقعاً في ظل إعادة خلط الأوراق منذ 2019، واستفحال الأزمة الاقتصادية، ونشر الشكوك حول تحقيقات انفجار المرفأ، وفشل الحلفاء في تنظيم خلافاتهم التي أفادت خصومهم، إضافة إلى الخلافات والانشقاقات في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحسم وليد جنبلاط أولوياته عبر الاستنفار للحفاظ على زعامة آل جنبلاط من أجل تركيز الأصوات لابنه تيمور ولمروان حماده، ولا سيّما مع دخول عنصر المجتمع المدني إلى نسيج الموحّدين الدروز، فتناسى مقعد أرسلان وجيّش ضد وئام وهّاب. أما تراجع عدد مقاعد التيار الوطني الحر فكان متوقّعاً ولم يمثّل خسارة، إلا أنه حافظ على عدد يؤهّله للاستمرار كقوة وازنة في الساحة المسيحية.

تؤكد النتائج أن الأكثرية لم تعد في يد أي من الأفرقاء، بل في يد التحالفات التي يمكن أن تُعقد انطلاقاً من المشاريع أو المواقف التي يمكن أن تناقش في المجلس، هذا إذا ما تم الاتفاق على تفعيل حركة المجلس لا تعطيلها وتعطيل البلاد بانتظار قرارات الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى