مقالات

العراق يجرّم التطبيع مع “إسرائيل”.. أيّ دلالات؟

شرحبيل الغريب

أقر مجلس النواب العراقي بالأغلبية مشروع قانون يحظر التطبيع مع “إسرائيل” ويجرّمه، ونصّ على منع إقامة العلاقات الدبلوماسية أو السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية، أو أيّ علاقات من أي نوع آخر، كما نص على عقوبات السَّجن المؤبد أو الموقت لأي عراقي يشجع على التطبيع، مع رفع أيّ حصانة سياسية أو برلمانية أو قضائية عن المطبعين.

قراءة المشهد إزاء هذه الخطوة البرلمانية العراقية، في مثل هذا التوقيت البالغ الأهمية، لم تأتِ من فراغ، وإنما تبعث رسائل، في حين أنها جاءت بعد حدثين مهمين: الأول عقد مؤتمر في أربيل في أيلول/سبتمبر الماضي، دعت فيه شخصيات عشائرية وأكاديمية إلى التطبيع مع “إسرائيل”. والثاني بعد استهداف الحرس الثوري الإيراني مقرَّ الموساد الإسرائيلي في أربيل مؤخراً.

يشكل قانون تجريم التطبيع وحظره مع “إسرائيل” لَجماً لكل الأصوات التي حاولت ترويج فكرة التطبيع، وسداً منيعاً لأي محاولات إسرائيلية من أجل التغلغل في العراق لتحقيق أهدافها ومآربها، كما حدث في عدد من دول خليجية وأخرى عربية، ضمن مسار خطير، سلكته “إسرائيل” منذ عام 2020 في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ونجحت في اختراق عدد من العواصم العربية.

يرى البعض هذا الأمر خطوة عادية، بينما المشهد مغاير تماماً لذلك، فإقرار مثل هذا القانون له من الدلالات الاستراتيجية ما يستوجب أن نتوقف عندها، فأيّ دلالات يمكن قراءتها إزاء إقرار البرلمان العراقي قانون تجريم التطبيع مع “إسرائيل”:

– يُعَدّ هذا القانون أحد أهم أشكال المقاومة البرلمانية في تبني خيار الديمقراطية، وسيعيد نبض القضية الفلسطينية إلى أصل جذورها العربية والإسلامية، كما يعكس إرادة الشعب العراقي في اختيار ممثليه في الحكم، الذين يحبون فلسطين ويدعمون قضيتها من جهة، وفي نبذ فكرة التعايش مع “إسرائيل” ورفضها، من جهة أخرى.

– صحيح أن العراق لا يقيم أي علاقات مباشرة بـ”إسرائيل”، وترفض أغلبية القوى السياسية خيار التطبيع، لكن إقرار هذا القانون حسم حالة الجدل في المشهد العراقي بشأن قضية التطبيع، وأوصد الباب أمام أي ضغوط خارجية، كما أكد أن العراق عصيّ على أي محاولات اختراق من أي جهة كانت، سواء محلية أو إقليمية أو دولية.

– يؤكد قانون تجريم التطبيع وحظره وحدة الشعوب الحرة. والعراق هنا نموذج عربي يُحتذى به في مواجهة “إسرائيل” التي تمارس كل أشكال الإجرام بحق الشعب الفلسطيني، كما يعكس الموقف العراقي كجُزء لا يتجزأ من العمقين العربي والإسلامي في حماية القدس المحتلة، وإفشال مشاريع التهويد وتدنيس المقدسات داخل الأقصى المبارك.

– يأتي هذا القانون ردّاً برلمانياً عراقياً عملياً، يمثّل طيفاً من التشكيلات السياسية العراقية، في مختلف توجهاتها، رفضاً للعدوان الإسرائيلي المستمر والمتواصل على الشعب الفلسطيني ومقدساته، وعلى رأسها المسجد الأقصى.

– تصويت مجلس النواب العراقي على قانون تجريم التطبيع مع “إسرائيل”، في وقت تسابقت فيه دول بعينها إلى توقيع اتفاقيات التطبيع، وأمام ما يتعرض له العراق من ضغوط غير مسبوقة، يُعَدّ قراراً شجاعاً يستحق الثناء، ويشكل فرصة للبرلمانات العربية والإسلامية في حذو مثل هذه الخطوة، وخصوصاً التي لم تتورط في اتفاقيات تطبيع مع “إسرائيل”، حفاظاً على مبادئها وتحقيقاً لإرادة شعوبها التي ترفض كل أوجه التطبيع مع “إسرائيل”.

– يشكل القانون صفعة قوية لأميركا، وضربة لـ”إسرائيل”، وفشلاً كبيراً لمخططاتهما، التي لطالما استُخدمت ضد العراق على مدى أعوام طويلة، من خلال سياسات التجويع والحصار ونشر الإرهاب والفكر الداعشي في العراق، بهدف تفتيته والسيطرة عليه وسلبه قراره وإرادته في نصرة قضايا الأمة وفلسطين، وإخضاعه للوصول إلى مرحلة التطبيع مع “إسرائيل”.

– نجح العراق، عبر إقراره قانون تجريم التطبيع، وبما تمثّله من خطوة جريئة، في تعرية دول عربية وخليجية وقّعت اتفاقيات تطبيع مع “إسرائيل” من جهة، وإحراج دول أخرى، مثل المملكة العربية السعودية، التي تمهّد الطريق للوصول إلى اتفاق تطبيع علني رسمي مع “إسرائيل”، من جهة أخرى.

– ينسجم إقرار العراق هذا القانون مع المواقف السياسية الخارجية الواضحة لإيران ودول محور المقاومة وحركاتها، الرافضة كلَّ أشكال العلاقة بـ”إسرائيل” أو التطبيع معها، باعتبارهما خطأً استراتيجياً كبيراً يضرّ بها أولاً، ويمهّد الطريق أمام أطماع “إسرائيل” في المنطقة.

– يمثّل هذا القانون خريطة طريق جديدة للعراق في علاقاته بالدول الخليجية المجاورة، وكذلك الدول الإقليمية، من خلال وضوح موقفه تجاه قضية التطبيع مع “إسرائيل”، أو حتى في الحديث عن أي من أشكال العلاقة بها.

من بلاد الرافدين يسجّل العراق يوماً تاريخياً نصرةً لفلسطين والقدس، والصورة الجامعة لأكثر من 270 برلمانياً عراقياً، والتي خرجت من تحت قبة البرلمان، وصوّتت لمصلحة قانون تجريم التطبيع مع “إسرائيل”، هي صورة انتصار للعراق أولاً، ثم لفلسطين والقدس ثانياً. كما أنها تبعث رسالة إلى الشعب الفلسطيني، مُفادها أن العراق يرفض أن تباع فلسطين بثمن بخس، وسيبقى جنباً إلى جنب مع فلسطين داعماً لحقوق شعبها، مجرّماً أيَّ شكل من أشكال العلاقة بـ”إسرائيل”، في كل وقت وحين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى