مقالات

قبرص بشطرَيْها.. عمق استراتيجي ومعنى توراتي لليهود

حسني محلي

كتب الزميل عباس إسماعيل مقالاً تحدث فيه عن المناورات التي يقوم بها “جيش” الاحتلال الإسرائيلي من 9  أيار/ مايو وحتى 2 حزيران / يونيو جواً وبراً وبحراً، جزءٌ منها في جنوب قبرص حيث تضاريسها شبيهة بتضاريس لبنان.

ومع التذكير بالأهمية التي توليها “تل أبيب” لقبرص شمالاً وجنوباً، لا بد من الإشارة إلى اتفاقيات التعاون العسكري الاستراتيجي التي وقعت عليها “تل أبيب” مع كل من نيقوسيا وأثينا خلال الزيارات المتكررة التي قام بها نتانياهو إلى العاصمتين المذكورتين، ورد عليها زعماء البلدين أكثر من مرة حيث قامت الأطراف الثلاثة بالعديد من التدريبات المشتركة منذ 2018 (11 تدريباً).

وحتى يتسنى لنا فهم خفايا الاهتمام الإسرائيلي بقبرص وأسراره وأبعاده، علينا أن نعود قليلاً إلى التاريخ بدءاً من عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي أقنعته والدته وزوجته اليهوديتان، بتوظيف عدد كبير من اليهود في القصر السلطاني ومن بينهم مستشاره المالي يوسف ناسّي . ويقال إنه اشترى عام 1553 من السلطان سليمان قطعة أرض قرب طبريا، وأسكن فيها عائلات يهودية من بريطانيا وهولندا والبندقية. ولم يهمل ناسي اهتمامه المستمر  بقبرص بسبب قربها من بلاد الشام ومصر، وكان يرى فيها نقطة انطلاق مهمة إلى فلسطين. وفي العام 1570 عندما دخل الجيش العثماني قبرص، كاد ناسّي أن يحقق حلمه لولا تراجع السلطان سليم في آخر لحظة عن وعده له بتعيينه ملكاً على قبرص، وذلك بناءً على توجيهات من والدته اليهودية.

واستمر الاهتمام اليهودي بقبرص طيلة فترة الحكم العثماني للجزيرة إلى أن قام السلطان عبد  الحميد بتأجيرها لبريطانيا عام 1878، مقابل أن تقوم لندن بحمايته ضد روسيا، وكان اليهودي بنيامين إسرائيلي رئيساً لوزراء بريطانيا آنذاك.

وفي عصرنا الحديث، استمر الاهتمام اليهودي بقبرص إذ كتب هرتزل في تموز/يوليو 1902  لرجل الأعمال اليهودي روتشيلد رسالة قال فيها:

“علينا أن نهتم بقبرص ونرتب أمورها الداخلية، وعبرها يجب أن نكثف اهتمامنا بفلسطين، ولا بد لنا أن نحتلها. فإذا استطعنا أن نهجر المسلمين من الجزيرة حينها يتسنى لنا أن نشتري قبرص من اليونانيين، ونقنعهم بالهجرة إلى أثينا أو جزيرة كريت. ويجب أن لا ننسى أن مساحة فلسطين قليلة بالنسبة لليهود، ولا بد لنا من مكان قريب من فلسطين لإسكان اليهود فيه، وقبرص مكان مثالي لذلك، لأنها قريبة من أرض الميعاد”.

بهذا المنطق أولى اليهود اهتماماً كبيراً بالجزيرة، إذ قامت منظمة المستعمرات اليهودية JCA بنقل 33 عائلة يهودية روسية إلى الجزيرة في العام 1897. وقام العديد من الأثرياء اليهود بالتبرع بالملايين من الجنيهات للعائلات التي وافقت على الهجرة إلى قبرص، وأقامت  المزارع والمعامل لها مع مساعدات مالية مباشرة لهذه العائلات بسبب الظروف المعيشية الصعبة في الجزيرة، خاصة صيفاً مع شح المياه وتفشي الأوبئة التي تحملها اليهود وهم في انتظار الهجرة إلى “أرض الميعاد”!

سياسياً، ومع استمرار الاهتمام اليهودي الصهيوني بقبرص، وازدياد حركات الهجرة اليهودية من مختلف دول العالم إلى فلسطين، بعد الانتداب البريطاني لفلسطين عام 1917، تحولت الجزيرة إلى هدف استراتيجي لحسابات الصهاينة. وكتب زعماء المنظمات اليهودية البريطانية في 11 آذار/مارس 1939 رسائل إلى كل من رئيس الوزراء تشامبرلين ووزير المستعمرات أنطوني ايدن وتشرشل الذي أصبح رئيساً للوزراء في آذار/مارس 1940 ، واقترحوا عليهم خطة خاصة بقبرص تهدف إلى “تهجير عدد من القبارصة اليونانيين إلى اليونان، ونقل المئات من اليهود من مدينة سالونيكي اليونانية إلى قبرص ليدعموا  الجالية اليهودية في الجزيرة بعد أن هاجر إليها عدد كبير من يهود أوروبا اعتباراً من العام 1933″، أي بعد صعود التيار القومي النازي في ألمانيا. وأنشأت بريطانيا من 1946 إلى 1948 مخيمات ومعسكرات لليهود الذين جاؤوا إلى الجزيرة، وتم نقلهم إلى فلسطين بعد اتخاذ التدابير الأمنية عند شواطئها.  ويقال إن 50 ألفاً من اليهود قد وصلوا فلسطين من قبرص التي استمر اهتمام اليهود بها حتى بعد قيام الكيان الصهيوني في فلسطين، وكانت قبرص مستعمرة بريطانية، وما زالت تحتضن قاعدتين بريطانيتين مهمتين جداً وهما “اغراتور” و”ديكيليا” ومهمتهما حماية الكيان المحتل.

بعد استقلال الجزيرة عام 1960 وانتخاب الأسقف مكاريوس رئيساً لها، اتجهت نيقوسيا صوب الدول العربية، وبشكل خاص مصر، بعد أن وقف الرئيس الراحل عبد الناصر إلى جانب القبارصة في حربهم ضد المحتل البريطاني. واتخذ مكاريوس مواقف متضامنة مع القضايا العربية وأهمها فلسطين وتحرير الجزائر، وهو ما كان سبباً في إطاحته في حزيران/يونيو 1974 بانقلاب مدبّر من المخابرات الأميركية التي كانت ترى في “الأرثوذكسي” مكاريوس حليفاً للسوفيات أيضاً.

وجاء التدخل التركي في قبرص في تموز/ يوليو 1974 ليساعد اليهود على تطبيق مشاريعهم ومخططاتهم في الجزيرة، وهذه المرة بشطرَيْها الشمالي التركي والجنوبي اليوناني المعترف به دولياً. ولعب اليهود في أميركا وأوروبا دوراً مهماً في ضم الجنوب إلى الاتحاد الأوروبي بعد أن قدمت نيقوسيا الكثير من التسهيلات لرجال الأعمال اليهود الإسرائيليين والروس، بل وحتى الأتراك الذين سبق لهم أن هاجروا إلى “إسرائيل” بعد قيامها عام 1948.

ويتحدث الإعلام القبرصي التركي منه واليوناني بين الحين والحين عن نشاط واسع للموساد في طرفي الجزيرة وعبر رجال الأعمال المذكورين، الذين اشتروا خلال السنوات الأخيرة ( خاصة بعد 2011) مساحات واسعة من الأراضي في الجنوب والشمال، وأنشأوا فيها مجمعات سكنية لليهود الإسرائيليين والأميركيين والبريطانيين. كما أنشأت شركة إسرائيلية مرفأ لليخوت السياحية شرق الجزيرة وقبالة الشواطئ السورية – اللبنانية قرب منطقة فاماغوستا في شمال شرق قبرص التركية، ويسمى هذا المرفأ بالبوابة (GATE).

 وقد وردت هذه الكلمة في النصوص التوراتية باعتبارها بوابة لليهود إلى فلسطين وبالعكس، أي عندما تتعرض “إسرائيل” لهجوم خارجي (وفق نظرية الأنجيليين الجدد في أميركا المستندة إلى نصوص توراتية) ستكون قبرص بوابتهم للهرب من بطش الأعداء!

ويتحدث القبارصة الأتراك عن مهمات سرية وخطيرة لهذا المرفأ في إطار مراقبة كل التحركات في المنطقة وخاصة سوريا ولبنان. ويقال إن الطائرة التركية التي أسقطتها وسائل الدفاع الجوي السورية في 22 حزيران /يونيو 2012 كانت قد حلقت من فوق هذا المرفأ باتجاه الساحل السوري. ويتحدث هذا الإعلام أيضاً عن مساعي “تل أبيب” لعرقلة الحل النهائي للجزيرة حتى يتسنى لها استغلال الوضع الحالي في شطريْها.

ويفسر ذلك أن مندوبَي الرئيس ريغان  للشؤون  القبرصية  ريتشار هاس و نلسون لديسكي  ومن بعدهما مندوبَي الرؤساء الآخرين معظمهم من اليهود، ومنهم كلارك كليفورد و جورج هاريس و آلان ليبسون و ريتشارد هولبروك وآخرون.

وقبل أن نتحدث عن التنسيق والتعاون القبرصي – الإسرائيلي في موضوع الغاز الطبيعي، وهو ما دفع بايدن عندما كان نائباً للرئيس أوباما لزيارة قبرص في 22 أيار/ مايو 2014 حيث التقى رئيس جمهورية قبرص التركية درويش أر أوغلو في مكتبه في الشطر الشمالي التركي (أول مرة يدخل مسؤول أميركي بهذا المستوى الشطر الشمالي التركي)، لا بد لنا أن نذكّر بمساعي الرئيس الراحل تورغوت أوزال (1987-1988) لمد أنابيب تنقل المياه من تركيا إلى سوريا ولبنان والأردن ومنها إلى “إسرائيل”. وعندما  رفض الرئيس الراحل حافظ الأسد هذا المشروع خلال لقائه أوزال في دمشق، قامت أنقرة لاحقاً بمدّ الأنابيب من البحر لنقل المياه إلى القبارصة الأتراك على أن يتم إيصال هذه المياه لاحقاً إلى الشطر الجنوبي ومنها إلى “إسرائيل”، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

ويعرف الجميع أن الغاز والمياه من أهم عناصر ومبررات الانفتاح التركي على “إسرائيل” (بينيت سيزور تركيا قريباً وإردوغان سيزور تل أبيب) إذ يخطط إردوغان لنقل الغاز الإسرائيلي والقبرصي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا بعد الاتفاق مع “تل أبيب” على فقرات التعاون الأشمل، بما في ذلك التوقيع على اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية مع “إسرائيل”، ولاحقاً مع مصر ثم  قبرص كما فعلت ذلك حكومة فايز السراج في ليبيا  في تشرين الثاني/نوفمبر 2019.

وأخيراً، لا بد لنا أن نذكّر بدهاء قيادات  الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تأسس في بيروت عام 1932 إذ نادوا “بوحدة الأمة والجغرافيا السورية الطبيعية وسمّوها آنذاك بـ”الهلال الخصيب ونجمته قبرص”.

وانتبه معاوية بن أبي سفيان عندما كان والياً على الشام إلى أهميتها بالنسبة إلى بلاد الشام ومصر، فكتب إلى الخليفة عثمان بن عفان( رضي الله عنه) يستأذنه في غزو الجزيرة، وانطلق الأسطول الإسلامي من سواحل بلاد الشام بقيادة عبد الله بن قيس باتجاه قبرص، وانطلق إليها أيضاً أسطول آخر من مصر بقيادة عبد الله بن سعد وذلك عام 28 هجري فتم طرد البيزنطيين منها وحكمها العرب المسلمون حوالى ٥٠٠ عام، ويبدو أن اليهود يريدون أن يمحوا آثارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى