مقالات

هل تستطيع السعودية إعادة بناء “حلف التأزيم”؟

عباس الجمري

التقارب التركي – السعودي فتح باب التكهنات على السيناريوهات المتوقعة التي سيفرزها هذا التقارب، فلا علاقة سياسية من دون مصالح مشتركة، خصوصاً أن العلاقة بين قطر والسعودية تحسنت منذ قمة العلا في كانون الثاني/يناير 2021، ما يثير تخوفات من التئام حلف “التأزيم” الذي حوّل المنطقة إلى كرة من النار في 2011، خصوصاً في الأزمة السورية، التي شارك فيها الثلاثي بشكل واضح ومباشر، وساهم بدعمه الجماعات الإرهابية في سفك الدم السوري بطريقة غير مسبوقة. وتالياً، شارك الثلاثي في أزمة اليمن، قبل أن يختلفوا وينفضّوا.

استغلت تركيا مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2018، ووصل الأمر إلى حدّ القطيعة بين البلدين. لم يتوقع متابعو الشأن التركي أن ملف الصحافي المغدور به يطوى بهذه السرعة، وخصوصاً أن الجثة لا تزال مفقودة، بحسب ادعاء القضاء التركي.

لكن ما قارب بين البلدين هو حاجة الاثنين إلى ردم الفشل الحاصل عند كلا الطرفين، فالرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد يواجه صعوبة في كسب الانتخابات المقبلة في حزيران/يونيو 2023، إذ من المقرر أن يترشح لولاية رئاسية ثالثة تستمر 5 سنوات أخرى، إلا أن الاستطلاعات المحلية تؤشر إلى انخفاض كبير في شعبيته، وخصوصاً في هذا العام (2022)، إذ اتبع إردوغان سياسة اقتصادية لا تخلو من المغامرة والمقامرة، حين أصر على خفض نسبة الفائدة على الليرة، رغم تحذير مصرفيين كبار له.

 وقد فقدت الليرة أكثر من 50% من قيمتها السوقية، ما رفع معدل التضخم. يأتي هذا الإجراء بعد تضييق أميركي على الاقتصاد التركي جراء عدد من السياسات التي اتخذتها أنقرة من دون رضا واشنطن، منها شراء صواريخ الدفاع الجوي “S400” من روسيا.

كما استنزفت تدخلات تركيا في كل من سوريا وليبيا وأذربيجان والعمليات العسكرية في العراق جزءاً وازناً من ميزانيتها، الأمر الذي دفع مشككين من داخل تركيا إلى المطالبة في مراجعة السياسات الخارجية، وقياس مدى فائدتها للأمن القومي التركي أولاً، ولاقتصاد البلاد ثانياً.

يعاضد الفشل التركي نظيره السعودي، الذي غرق أيضاً في عدد من الملفات، ويحتاج إلى الترميم، لكن أصعب تلك الملفات على قلب محمد بن سلمان هو شعوره بالعزلة، فمنذ اغتيال جمال خاشقجي، لم يستقبله مسؤول حكومي غربي رفيع إلا مؤخراً، حين زار بوريس جونسون السعودية والإمارات في آذار/مارس زيارة يتيمة تختص برفع زيادة تصدير النفط لا غير.

 تلك الزيارة اليتيمة لم تغير من وضع المملكة الذي يشبه الحالة “البرزخية” في موقفها من الحرب في أوكرانيا، إذ تحجم المملكة عن الإفصاح الواضح عن موقفها من الحرب، أهي مع روسيا أم أوكرانيا، وخصوصاً في جزئية زيادة كميات تصدير النفط، وهو طلب أميركي لخفض سعر الطاقة في العالم، بعد مقاطعة واشنطن للنفط والغاز الروسيين، وحث أوروبا على تقليل اعتمادها تدريجياً على مشتقات الطاقة المستوردة من روسيا.

أيضاً، لا تزال السعودية تعاني من حربها على اليمن، والتي لم تسفر عن أي فائدة استراتيجية، وأغرقت المملكة حتى أذنيها في استنزاف اقتصادي وعسكري.

السؤال المطروح هنا: هل هذا التقارب سيعيد التئام الحلف السابق الذي أزّم المنطقة؟ 

يجب التدقيق أولاً في إمكانية عودة ذلك الحلف من منظورين: الأول الأهداف المحتملة التي يمكن أن تصب في صالح كل الأطراف، والثاني: إمكانية تحقيق ذلك.

الأهـــداف المحتملة بين الإرادة والقدرة

لا تزال هناك مطامع لكل الأطراف في سوريا واليمن، كما أن إضعاف القضية الفلسطينية بوصفها القضية المركزية للعرب والمسلمين هدفٌ يجمع تلك الأطراف، وإن اختلف أسلوب كل طرف ومستوى انخراطه ومدى تطرفه، إلا أنَّ اجتماعهم على استراتيجية مشتركة للوصول إلى تلك المطامع أمر مستبعد، لعدة أسباب:

الأول: الفشل الذي مُني به حلفهم السابق والمتشكل مطلع الأزمة السورية صنع عوائق عديدة، منها عدم قدرتهم على المناورة بشأن الجماعات التكفيرية، إلا بشكل محدود ومكشوف ويمكن علاجه سريعاً من قبل محور المقاومة، وهذا ما حاولت السعودية افتعاله في لبنان والعراق بدعم إماراتي وغطاء أميركي. ولا تزال المحاولات في العراق قائمة لتنشيط خلايا إرهابية، لكن الفشل يسبق نموهم وسيطرتهم.

الثاني: المشاكل الداخلية والفرعية التي أصابت كل دولة من دول التحالف شتتت أولوياتهم، فالسعودية لا يمكنها الانخراط بكل ثقلها في سوريا أو العراق، فيما ملف اليمن واهتمام ولي العهد محمد بن سلمان للوصول إلى العرش صنعا العديد من الكوابح للرياض، ما يمنعها من تنفيذ استراتيجيات ذات أثر في دول أخرى. نعم، السعودية تدعم بعض المؤزمين في لبنان والعراق، لكن يبقى ذلك الدعم محدوداً وغير بنيوي على مستوى الصراع.

الثالث: أولويات قطر تغيرت كلياً بعد الحصار الذي أطبق عليها من قبل السعودية والإمارات والبحرين في حزيران/يونيو 2017، والذي استمر 3 سنوات، إذ خلق ذلك الحصار شيئاً من النضج في السياسات الخارجية للدوحة، وعملت على اتخاذ أساليب متوازنة مع جيرانها ومع أزمات المنطقة، وإن كان الإعلام الذي تدعمه لا يزال يهرول في الفلك الأميركي، إلا أن انخراطها كدولة في صناعة الموت انخفض بأكثر من 95%.

الرابع: التحديات التي تواجه تركيا كبيرة ومعقدة ومختلفة عن 2011، والتحديات التي تواجه شخص الرئيس إردوغان أكثر تعقيداً، وهو الطامح للوصول إلى الرئاسة في 2023. وتركيا بدأت في سياسة عشواء بعد الانخراط في أكثر من بلد والتورط في ملفات كبيرة تفوق حجمها، بحسب اعتقادي.

ربما لو اتخذت تركيا السياسات نفسها، لكن بإيقاع أبطأ ونفس أطول وبال أوسع، لكانت قد نجحت في مراميها، لكن الاستعجال الذي يفتعله الرئيس التركي ربط الملفين السياسي والاقتصادي معاً، وعقّد العلاقات مع العديد من الدول.

الخامس: لا يوجد من دول التحالف المتبقية من سيتحمّل تبعات استراتيجيات خطرة وغير مضمونه، إذ كل دولة منه تتخبط في مشاكلها، فالبحرين، وهي مملكة صغيرة ومحدودة الموارد، غارقة في الدين العام، ومصر تعاني من مشاكل داخلية، والإمارات اتخذت سياسات خاصة تباينت عن حليفتها السعودية في أكثر من ملف، كالملف اليمني والعلاقة مع إيران والأطماع في أفريقيا وسواها.

لكل ذلك، أعتقد أن مهمة إعادة بناء حلف التأزيم صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً، بل أعتقد أن أصحابه لا يفكرون فيه حالياً بعد سلسلة الأخطاء الكبيرة التي وقعوا فيها، والفشل الذي أحاط بهم، ولا تزال تداعياته، إلى الآن، لم تداوَ.

وإذا كانت السعودية، وهي رأس الحربة، تقاد بشكل غير ناضج في كل الملفات، فإن الاستمرار على هذا النهج يعني مزيداً من النكوص والتراجع، والجميع يترقب كيف سيكون شكل المملكة بعد رحيل الملك سلمان، هل ستزداد قبضة الرجل الواحد، وهو هنا محمد بن سلمان، تجاه الجميع بمن فيهم عائلته، التي لم تشهد هذا النهج في السابق، وكانت التوافقات سائدة في عُرف العائلة المالكة، أم أن تصدعاً سيجري عند أبناء عمومته وأعمامه ممن تضرروا بشكل مباشر بسبب عزله لهم وتهميشهم؟ وإلى أي مدى ستحافظ واشنطن على وجوده مع وجود البدائل من العائلة نفسها، وهم أكثر نضجاً وأكثر ولاءً للسياسيات الأميركية؟

في مقابل كل ذلك، إن محور المقاومة مع ثقل العقوبات الأميركية والتحديات الأمنية يتوسع ويقوى ويتقدم في التصنيع العسكري كمّاً وكيفاً. والأهم من كل ذلك أن المحور ينضج استراتيجيته على مرجل الخبرات ونار التحديات، ويحسّن منها بالكثير من التصويبات هنا وهناك، لتتسق بعدها الرؤية السياسية مع العمل العسكري ولا تتعارض كثيراً مع الطموحات الاقتصادية، وهنا لبّ النجاح الذي يبنيه المحور، رغم العوارض الجانبية الصعبة التي تصيب جمهوره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى