مقالات

من التطبيع الثقافي إلى التطبيع الرياضي.. “إسرائيل” تلعب على الحبلين

خالد البوهالي

حسناً فعلت جمعية هيئات المحامين، ومعها هيئة المحامين في مراكش، بقرارها مقاطعة مباريات كأس العالم لكرة القدم الخاصة بالمحامين، والتي ستجرى فعاليتها في الفترة الممتدة بين 7 و15 من أيار/مايو من الشهر الحالي في مدينة مراكش، بسبب مشاركة فريق المحامين الصهيوني لكرة القدم، كما جاء في وسائل الإعلام المغربية.

وقد جاء في بيان جمعية هيئات المحامين الذي نشرته العديد من وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية، أنَّ البطولة منظمة من طرف شركةٍ ربحيةٍ لا صلة لها بالهيئات المهنية للمحامين المغاربة، مضيفة أنها تعلن للرأي العام الوطني والحقوقي والمهني أنها غير معنية بتنظيم هذه التظاهرة، كما تعلن رفضها المشاركة فيها، نظراً إلى محتواها التطبيعي مع الكيان الصهيوني المحتل، مطالبة الجسم المهني للمحامين بأن يبقى ثابتاً على موقفه الحقوقي الكوني للقضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وداعية إلى عدم المشاركة في هذه التظاهرة تحت أيّ اعتبار، وهو الموقف نفسه الذي اتخذته فيدرالية جمعيات المحامين الشباب المغربية.

وتعتزم الجمعية المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع تنظيم قافلة جهوية في اتجاه مدينة مراكش بمناسبة هذه المسابقة تحت شعار “نضال مستمر من أجل إسقاط التطبيع الرياضي وكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني المجرم”.

ويبدو أنَّ القرار بعدم المشاركة سيشكل صفعةً على خَدِّ الكيان الصهيوني، الذي ربما يبدو أنّه كان يمني النفس بالمشاركة في هذه التظاهرة الرياضية على أمل التقرب من هذه الجمعية التي تضم العديد من المحامين المنتمين إلى كل هيئات المحامين في المغرب، وسيكون رداً على كلّ من يدعي زوراً أن كل المغاربة يؤيدون مسألة التطبيع مع العدو الصهيوني.

ربما غاب عن ذهن الكيان الصهيوني أنّ جمعيات هيئات المحامين المغربية تضمّ بين منتسبيها العديد من المحامين الذين يتحدّرون من تيارات سياسية وأيديولوجيا مختلفة تنهل من انتماءاتها إلى القوى الحية في البلاد، وكانت منذ الأزل، إلى جانب الشعب المغربي، من الطلائع المؤيدة لكفاح الشعب الفلسطيني أمام الهمجية الصهيونية من أجل تحرير أرضه وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، من خلال القيام بوقفاتٍ احتجاجيةٍ، سواء داخل ردهات المحاكم أو على أبوابها نصرة للحق الفلسطيني، فكان موقفها بذلك ناصحاً وضاءً مشرفاً لكل خَيِّرٍ.

عندما كنا نقول إنَّ ما يهم الكيان الصهيوني هو التطبيع مع الشعوب، لم يكن ذلك اعتباطاً، بل كان نابعاً من تتبّعنا سلوكيات الكيان الصهيوني ومساراته في تعامله مع شعوب العالم الإسلامي والعربي، لأنّ التطبيع السياسي يتم بين القيادات السياسية وفقاً لرؤى تمليها المصالح السياسية والاستراتيجية، لكن التطبيع مع الشعوب في المجالات التي تعرف زخماً شعبياً وحضوراً جماهيرياً، مثل الثقافة والرياضة، هو الهدف الرئيس الَّذي يمكّن الصّهاينة من التغلغل داخل المجتمعات.

يحاول الكيان الصهيوني في كلّ مناسبة تتاح له استعمال كلّ الوسائل الممكنة لمحاولة التقرب من الشعب المغربي، منها القطاع الرياضي، فقد سبق له أن أجرى في ملعب “حي الجريفات” في آذار/مارس الماضي مباراة في كرة القدم بين جمعيةٍ صهيونيةٍ قادمةٍ من الكيان الصهيوني، وفريق من قدماء لاعبي مدينة أسفي الأبية، التي تعد إحدى قلاع الصمود والمقاومة ضد الاستعمار الذي يشهد التاريخ على عظمة هذه المدينة العريقة.

وبحسب موقع “أسفي بريس”، رحبت فعاليات كروية في مدينة أسفي بلعب المباراة الحبية ضد فريق قيل لها في وقت سابق إنه يضمّ لاعبين قدماء من مدينة الدار البيضاء، ومن جنسيات أوروبية وعربية، قبل أن تتفاجأ عند دخولها إلى الملعب بالفريق الزائر يرتدي ملابس تحمل علم الكيان الصهيوني، الأمر الذي خلف موجة من الغضب في صفوف الرياضيين الذين تم توريطهم في المباراة، ما حدا بالحزب الاشتراكي الموحد، فرع مدينة أسفي، إلى طرد أحد أعضائه المشاركين في المباراة.

وقد قالت الأمينة العامة للحزب الدكتورة نبيلة منيب: “إن ما قام به العضو ذاته يتنافى مع قيم الحزب ومبادئه، ومع خطه النضالي ومشروعه السياسي الداعم للقضية الفلسطينية”.

ويبدو جلياً أنَّ الخطوة المقبلة التي سيتخذها الكيان الصهيوني في محاولته التغلغل داخل المجتمع المغربي بعد المجال الثقافي هو الميدان الرياضي، وذلك لعدة اعتبارات، أهمها أنَّ الرياضة تستقطب عدداً هائلاً من الجماهير الرياضية.

لذا، لجأ الكيان الصّهيوني في مرحلة أولى إلى عقد اتفاقيات شراكة مع بعض الاتحادات الرياضية المغربية، كجامعة الكراطي وكرة السلة، تحت ذريعة تبادل الخبرات والتكوينات، رغم أنَّ هذه الرياضات لا تستقطب إلا عدداً محدوداً من الجماهير، ربما يتطلع البعض إلى أن تتهيأ الظروف لعقد شراكات مع فرق كرة القدم الوطنية، وخصوصاً تلك التي تلعب في قسم الصفوة، وإقامة مباريات ودية تجمع بين الفريق الوطني لكرة القدم ومنتخب الكيان الصهيوني، رغم أن هذا الأمر يبقى مستبعداً جداً.

أيضاً، من المستبعد جداً أن يلجأ أي فريق كروي مغربي – في المستقبل القريب أو البعيد – وخصوصاً الأندية ذات التاريخ الكروي المجيد، كفريقي الرجاء والوداد البيضاويين، إلى عقد أي اتفاقيات من هذا القبيل مع فرق من الكيان الصهيوني، لأنَّ غالبية الجماهير الرياضية المغربية، منها على سبيل المثال مشجعو فريقي الرجاء البيضاوي لكرة القدم، يرفعون خلال مباريات فريقهم على مدرجات شعارات مساندة للحق الفلسطيني، من قبيل “الحبيبة فلسطين”، ما قد يفقد أي فريق مغربي أنصاره ومحبيه، في حال أقدم على ذلك.

يدرك الصّهاينة أنّهم منبوذون شعبياً حيثما حَلُّوا وارتحلوا في البلدان الإسلامية والعربية. ومع ذلك، لا يخجلون من تكرار محاولة التطبيع مع الشعوب بكلِّ الوسائل، فحقّ عليهم قول الشاعر: “إذا قلَّ ماء الوجه قل حياؤه، فلا خير في وجه إذا قل ماؤه”.

ختاماً، إن قرار جمعية المحامين المغاربة بمقاطعة هذه التظاهرة أمرٌ محمودٌ ومشرفٌ، ويستحقّ التنويه والإشادة، حتى يفهم الكيان الصهيوني أنه سيظل منبوذاً في أوساط شعوب الأمة الاسلامية والعربية، مهما فعل، لأنه لا مكان له بينها، وهو الَّذي يقترف كلّ يوم أبشع الجرائم وأشنعها في حق شعبٍ أعزل يتطلع إلى الحرية والاستقلال وبناء دولته التي ينشدها كلّ مسلم وعربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى