تقارير

الجزائر تراجع مواقفها في تونس..لماذا؟!

الإباء / متابعة

يدور حديث في الفترة الأخيرة عن بروز مؤشرات فتور لافت غير معلن في العلاقات الجزائرية التونسية، يعبّر في شقه السياسي عن قلق جزائري من المسارات التي ينتهجها الرئيس التونسي قيس سعيّد، وبشكل أكبر من تحالفاته الإقليمية التي تنظر إليها الجزائر بعين الريبة.

وبدت معطيات عدم فتح الجزائر حدودها البرية مع تونس، ورفض الجزائر منح تونس إمدادات إضافية من الغاز، كجزء من رسائل سياسية تعبّر عن القلق الجزائري.

وتتطابق الكثير من المعلومات من مصادر عدة عن قيام الجزائر “بإعادة تقدير الموقف” و”إجراء مراجعة سياسية” بشأن التطورات في تونس، بسبب العلاقة بالأطراف الإقليمية المتدخلة والضاغطة في مسار هذه التطورات، وإزاء المآلات التي قد ينتهي إليها مسار الإصلاحات الذي يقوده سعيّد، خصوصاً في ظل معطيات داخلية ضاغطة، بسبب رفض جبهة واسعة من القوى السياسية والمدنية والنقابية المركزية في تونس لما تعتبره “خيارات إقصائية” ورفضاً للحوار الداخلي.

هذه القوى كانت على وفاق سياسي كبير مع السلطة في الجزائر، خصوصاً حركة النهضة والأحزاب التقدمية المناوئة لقرارات 25 يوليو/تموز الماضي في تونس.

كما برزت معطيات إقليمية شعرت معها الجزائر بوجود تدخلات وهندسة أطراف إقليمية للمشهد في تونس، ما قد يجر الأخيرة إلى محاور تنظر إليها الجزائر بريبة بالغة، وتعتبر الجزائر أن تمركزها في تونس يهدد أمنها الحيوي.

وتوحي الكثير من المعطيات أن الحماس الجزائري لسياسات سعيّد، الذي برز في الفترة الأولى لقرارات 25 يوليو في تونس وكان مرده أساساً رغبة الجزائر في استعادة تونس النظام الرئاسي المركزي بديلاً عن النظام البرلماني، قد خَفَت بشكل كبير في الفترة الأخيرة.

ويبدو واضحاً بالنسبة لكثير من المراقبين تطور العلاقات الجزائرية التونسية أن هناك قلقاً جزائرياً واضحاً من التطورات في تونس، مرتبطاً بشكل أكبر باستشعار الجزائر وجود تدخّلات أجنبية واضحة في هندسة الخيارات الداخلية لتونس، واستدراجها إلى اصطفافات ومحاور مقلقة بالنسبة للجزائر.

وهو ما كان عبّر عنه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أكثر من مرة، مشدّداً على رفض الجزائر أي تدخلات أجنبية في تونس، واستعداد بلاده لدعم تونس ضد هذه التدخلات.

وهي رسالة سياسية واضحة كانت موجهة إلى سعيّد أولاً، ومفادها أن الجزائر ترفض أي تعاط تونسي مع أطراف خارجية، وإلى أطراف أخرى ثانياً، بأن تونس مسألة حيوية بالنسبة للجزائر.

ويعتبر الباحث المتخصص في العلاقات الجزائرية التونسية عمار سيغة أنه تمكن ملاحظة وجود فتور طفيف وغير معلن في العلاقات الجزائرية التونسية.

ويقول في حديث مع “العربي الجديد” إن “الفتور الملاحظ في العلاقات الجزائرية التونسية، والذي طبع علاقات البلدين في الآونة الأخيرة، يمكن أن نجد له تفسيراً في التقارب والتنسيق الحاصل بين النظام التونسي وكل من فرنسا ومصر والإمارات”.

ويضيف: “هذا كافٍ بالنسبة للطرف الجزائري ليحرك التوجس، خصوصاً أن الجزائر ظلت تحذر دوماً من أي تدخل لقوى أجنبية في الشؤون الداخلية لدول الجوار وتونس تحديداً، والجزائر متوجسة من أي تقارب تونسي مع المحور المصري الفرنسي الإماراتي”.

ويوضح أن “القلق الجزائري من تونس قد يكون مرده رمادية الدبلوماسية التونسية التي بقيت تتأرجح بين مواقف مصر من الصراع الدائر في ليبيا، خصوصاً أن الملف الليبي يشكل حجر الزاوية في الدائرة الأمنية الجزائرية”.

وعلى الرغم من غياب التصريحات الرسمية التي تعطي إشارات عن وجود فتور في العلاقات، أو تلميحات سياسية من الجانب الجزائري بشأن القلق من الخيارات السياسية القائمة في تونس والتحالفات التي تقيمها سلطة سعيّد، إلا أن ثلاثة مؤشرات رئيسية تطرح في السياق يمكن أن تفسر الحديث عن فتور سياسي.

فالجزائر لم توفد أي مسؤول رفيع إلى تونس منذ زيارة تبون منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، ومنذ مشاركة رئيس الحكومة أيمن عبد الرحمن في إحياء ذكرى أحداث ساقية سيدي يوسف (بلدة على الحدود بين البلدين) في فبراير/شباط الماضي.

في المقابل، كانت زيارات وزير الخارجية رمطان لعمامرة (زار تونس ثلاث مرات في أغسطس/آب الماضي) ووزراء آخرين متتالية إلى تونس قبل ذلك.

المعطى الثاني يخص تأخير الجزائر قرار فتح حدودها البرية مع تونس، فيما الأخيرة، ولدواع اقتصادية خاصة، تعول في كل موسم سياحي على الوافدين الجزائريين لإنقاذ السياحة التونسية، والذين يبلغ عددهم أكثر من مليوني سائح سنوياً.

وعلى الرغم من تصريحات السفير الجزائري في تونس عزوز بعلال، التي تؤكد أن الدواعي الصحية هي التي تقف وراء عدم اتخاذ الجزائر قرار فتح الحدود البرية، إلا أن انتفاء المبررات الصحية وانتهاء أزمة كورونا في البلدين يجعلان هذا التصريح غير مقنع.

ويؤشر إبقاء الحدود مغلقة إلى وجود اعتبارات سياسية أخرى وراء الموقف الجزائري، كرسالة موجهة إلى السلطة في تونس، حتى وإن كانت الجزائر ليست في وارد أن تستخدم ملف الحدود ورقةً ضاغطةً باتجاه تونس تحديداً لاعتبارات تاريخية ومجتمعية.

علي اللافي: موقف تونس في الملف الليبي أزعج الجزائر

ويبرز في المقام الثالث إعلان تونسي عن تخلف الجزائر عن الاستجابة لطلب بزيادة إمدادات الغاز إلى تونس، واعتذارها عن تزويد تونس بكميات إضافية من الغاز الجزائري، فيما ستكتفي بالإيفاء بالتزاماتها التعاقدية مع تونس وفقاً للاتفاقات المبرمة (تستفيد تونس من سعر تفاضلي ومن كميات أخرى كحقوق عبور أنبوب الغاز إلى إيطاليا).

وعلى الرغم من المبررات التقنية، فإن القرار الجزائري نفسه لا يخلو من إشارات سياسية موجهة إلى قصر قرطاج، خصوصاً أن الجزائر كانت وافقت على مد إيطاليا بما يقارب 40 في المائة إضافية من الغاز قبل شهرين.

قلق جزائري بشأن تونس

ويقول مدير مركز الدراسات المغاربية علي اللافي، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إن هناك مؤشرات واضحة واستشعاراً كبيراً في تونس حول قلق جزائري بشأن تونس، وغياب المسؤولين الجزائريين عن زيارة تونس منذ أشهر يؤكد بوضوح هذا القلق.

ويضيف أن الجزائر كانت تسند سعيّد بشكل مؤقت إلى حين اتضاح الأمور، لكنها وجدت أن المعطيات والأدوات التي يشتغل بها سعيّد، كالنقابات الأمنية والتيارات القومية الإقصائية، هي نفس الأدوات المصرية، والجزائر ترفض النموذج المصري، لأنه ليس في صالح التونسيين ولا الجزائريين، لاعتبارات إقليمية، كما أن الطلب الجزائري من سعيّد إجراء حوار داخلي لم يجد له صدى لدى هذا الأخير.

ويشير اللافي إلى أن موقف تونس من التطورات الأخيرة في ليبيا واستقبالها المليشيات الموالية لرئيس الحكومة المكلف من مجلس النواب الليبي فتحي باشاغا، وتوفير أرضية لوجستية لتحالفاته، مزعجة بالنسبة للجزائريين وتضع الموقف التونسي في مقابل الموقف الجزائري الذي يرفض وجود باشاغا.

وهو ما يعني أن ملف فتح الحدود والسياحة وقضية إمدادات الغاز تبقى أدوات بيد السلطة الجزائرية ورسائل واضحة، وتضع سعيّد في موقف حرج بين قوة الحضور الجزائري في تونس، وبين التزامات مع الطرف المصري.

بيد أن قراءات سياسية أخرى تعتبر أن الموقف الجزائري حيال تونس يظل في حدود معقولة، ولن يظهر أي ملامح لوجود توتر أو سوء تفاهم مهما كانت طبيعته مع سعيّد.

وتبدي الجزائر حذراً كبيراً في تعاطيها مع تونس لأسباب تاريخية واستراتيجية، وهو ما يفسر سعي الجزائر في الفترات السالفة لتوفير أقصى دعم سياسي واقتصادي ممكن لتونس في ظروف أكثر حرجاً، وتمكينها من عوامل مقاومة الضغوط الأجنبية.

كما تتلافى الجزائر ممارسة أي ضغوط مباشرة على تونس، لكنها لا تتوقف عن توجيه الرسائل السياسية لحاكم قرطاج، للتذكير بالالتزامات الحيوية للبلدين، وهو ما قد يحمله وزير المالية الجزائري عبد الرحمن راوية خلال زيارته إلى تونس يوم الأربعاء المقبل، للمشاركة في خمسينية معهد الاقتصاد المغاربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى