مقالات

حزمة العقوبات الأوروبية السادسة ضد روسيا.. نقطة اللاعودة إلى الدبلوماسية

وسام إسماعيل

لم يسعَ الاتحاد الأوروبي للبحث جدياً في إمكانية إيجاد أساليب جديدة تساعده على تقديم مقاربة فاعلة تمكنه من معالجة الأزمة التي سببتها العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، فسلاح العقوبات الأحادية، إضافة إلى بعض الدعم العسكري المحدود الذي لن يؤثر في المسار العام للأحداث، إنما قد يساهم في تعزيز القدرة الأوكرانية على الصمود، لن يؤديا إلا إلى عرقلة الوصول إلى حل يجنب الاتحاد الأوروبي مساوئ عدم استقرار لا يمكن التنبؤ بتأثيراته أو مداه الزمني.

وإذا كانت هذه العقوبات قد شكّلت باكورة ابتكار العقل البشري الساعي لتجنب اللجوء إلى الحرب العسكرية المباشرة لحسم النزاعات مع القوى الأخرى أو معاقبة القوى التي تخرج عن طوعه، فإن اعتمادها كأداة رئيسية للرد على العملية العسكرية الروسية لم يكن يهدف إلا إلى توجيه رسالة اعتراض شديدة عما تقوم به الدولة الروسية، فالسعي إلى محاولة إضعافها بغية الانقضاض عليها في مرحلة لاحقة، كما حصل مع العراق في العام 2003، أو محاولة تطويعها وإلزامها بالإحجام عن القيام بما يُعتبر خارجاً عن الشرعية، لا يعبر عن سلوك واقعي تجاه قوة كبرى ذات مقدرات اقتصادية وعسكرية معقدة.

ولذلك، إن ظروف العلاقة والموقع والإمكانات التي تتمتع بها كل من الدولة الروسية والقوى الأوروبية، تفرض نفسها بطريقة تجعل من الضروري مقاربة أي خيار مطروح بشيء من الدقة، بغية تجنب الانزلاق إلى ما يمكن أن يغرق القارة الأوروبية في أتون أزمة أو حرب لا يمكن التنبؤ بنتيجتها.

ومن خلال تحليل حيثيات الأزمة الأوكرانية، يظهر أن الإصرار الروسي على تحقيق الأهداف المقررة من العملية، المصنفة مصيرية بالنسبة إلى الأمن الاستراتيجي الروسي، سيجعل من إمكانية البحث عن حلول وسطية أمراً مستحيلاً.

وبناء عليه، فإنها تضع الجانب الأوروبي في موقع معقد لناحية اتخاذ قرار أو تبني ردّ فعل. لقد كان واضحاً من رد الفعل الروسي، البارد نسبياً من حيث الشكل، على حزمات العقوبات الأوروبية المتتالية، أنَّ القرار الروسي أخذ بعين الاعتبار ردود الفعل السلبية المتوقَعة، نتيجة الموقف الأوروبي الرافض بوضوح أي عمل عسكري.

ولذلك، فإنه أهمل عمداً أيّ محاولة لملاقاة هذا الموقف بتنازلات أو تطمينات. وإذا كانت الرؤية النمطية للاتحاد الأوروبي تفترض قدرة على إيجاد حلول مناسبة تجنبه أي تهديد لأمنه، فإن السلوك المتبع أظهر صورة مكررة عن التفاعلات النمطية للولايات المتحدة الأميركية مع هذه الأزمة.

ولأنَّ الاتحاد الأوروبي هو المعني الأول بنتائج تلك العملية، فإنَّ المنطق يفترض البحث عن حلول تضمن مصلحته في المقام الأول، فالتجاور الجغرافي، إضافة إلى التداخل الأمني والاقتصادي، وحتى الاجتماعي، سيحوّل أيّ نتيجة مفترضة لهذه الأزمة إلى متغير مستقل يرخي بثقله على واقع الاتحاد، وبطريقة تجعل من الصعب تخطي مفاعيله.

وعلى الرغم من خطورة العمل العسكري الروسي في أوكرانيا على الأمن الجماعي الأوروبي، فإنَّ مصلحة الاتحاد كانت، وما زالت، تكمن في البحث عن حل دبلوماسي يقدم ضمانات أمنية تعتبرها روسيا حقاً تاريخياً مقابل تعهد روسي بالحفاظ على أمن واستقرار إقليميين يشكلان جوهر بقاء الوحدة الأوروبية.

 وبالنظر إلى أنَّ السلوك الأوكراني كان محَفزاً من الجانب الأميركي، فإنَّ المسؤولية الملقاة على كاهل الطرف الأوروبي كانت مزدوجة. من جهة، لم ينجح الاتحاد الأوروبي بتحقيق استقلال أمني واستراتيجي عن الولايات المتحدة، إذ افتقد أي مشروع أو استراتيجية تلزم دول أوروبا الشرقية بضرورة الالتزام بمعايير الأمن الجماعي الأوروبي، عبر عدم إثارة القلاقل مع الجار الروسي الممتعض من عسكرة الناتو لدول الجوار، إضافة إلى فشله في تكريس موقعه كمحايد في ساحة التجاذبات الأميركية الروسية، مع الإشارة إلى ما كان بإمكان هذا الموقع الحيادي أن يقدم مزايا يحتاجها الاتحاد من أجل الحفاظ على استقراره، وبالتالي بقائه.

وبما أنَّ فلسفة الاتحاد الأوروبي ترتكز بالدرجة الأولى على الاستقرار والتكامل، فإن معضلة فرضت نفسها في سياسة فرض العقوبات التي وصلت إلى 6، فإذا كان التقدير الأوروبي أن فرض حزمات متتالية من العقوبات قد يدفع الجانب الروسي إلى إعادة التفكير في جدوى عمليته العسكرية في أوكرانيا، كما لو أنَّها ترجمة لترف توسعي، أو نتيجة سلوك متطرف للرئيس فلاديمير بوتين، كما سوّق الغرب في الأيام الأولى للعملية، فإن خللاً يعتري الآلية الأوروبية المعنية بتقدير السياسات الخارجية للاتحاد ورسمها.

الرد الروسي على العقوبات، وإن كان بارداً من حيث الشكل، تُرجم بتصعيد، إذ تم العمل في المرحلة الأولى على تصنيف الدول صديقة وغير صديقة، ثم أعقبه تهديدات بتصعيد يمكن أن يلامس التهديد النووي، ولم يتوقف مع إلزام الدول غير الصديقة بدفع ثمن النفط بالروبل الروسي، وقطع إمداد بعض الدول، مثل بولونيا وبلغاريا، بالغاز.

وبناء عليه، أظهر الجانب الروسي إصراراً على التصعيد عند كل توجُّه اعتبره معادياً. وإذا كان قد قرأ في الحزمات الأولى للعقوبات رداً معنوياً على عملية عسكرية اعتبرها الاتحاد الأوروبي غير متوافقة من حيث الشكل مع معايير الشرعية الدولية، ومتعارضة مع مفهوم الاتحاد الأوروبي النظري لكيفية حل المنازعات بين الدول بالطرق السلمية، وحيث إنها كانت تتم بالتوازي مع بعض الجهود الفرنسية والألمانية التي دأبت في التواصل مع الرئيس الروسي من أجل البحث عن أرضية مشتركة لحل الأزمة، مع إرسال إشارات المتكررة إلى خطورة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، فإنَّ التحول الذي طال موقف الاتحاد في الفترة الأخيرة، إذ تصاعد مستوى الدعم العسكري لأوكرانيا، ووصلت حزمات العقوبات إلى مستوى يوحي بمحاولة خنق الدولة الروسية وعزلها، ساعد على تأكيد تطابق الخطوات الأوروبية مع الأجندة الأطلسية الساعية إلى إعادة تطبيق نموذج العراق وكوريا.

إذاً، بين خيار تقليدي يتمثل بتصعيد الموقف في وجه روسيا، عبر حزمات عقوبات متتالية ودعم عسكري لأوكرانيا، وخيار ابتكاري لا يتمثل بتفّهم الهواجس الأمنية الروسية فقط، إنما يؤسس لأرضية تساعد في تعزيز الأمن الجماعي في أوروبا، عبر تدعيم خيار التكامل والاندماج، وبناء فضاء إقليمي يراعي في توجهاته التوجسات الأمنية التي سببتها المحاولات الأميركية لعسكرة شرق أوروبا، كسبيل للحفاظ على النظام الأحادي العالمي، وتكريس التبعية الأمنية الأوروبية للولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي، لم ينجح الاتحاد الأوروبي بأن يؤسس لمشروع استقلال قراره الأمني وتقديم قراءته الخاصة لواقع علاقاته الدولية، واستمر بتبني سلاح العقوبات بطريقة توحي بفقدانه وسائل أخرى قد تشكل أداة أنجع في حل الأزمة على حدوده الشرقية.

وبالنظر إلى ما تحتويه الحزمة السادسة من العقوبات الأوروبية على روسيا، من حيث محاولة إنهاء الاعتماد الأوروبي على النفط الروسي، وفصل “سبيربنك”، أكبر مصارف روسيا، عن نظام “سويفت”، إضافة إلى قطع بث بعض القنوات الروسية وفرض عقوبات على بعض الرتب العسكرية، يمكن القول إنَّ هذه الحزمة ستشكّل نهاية لأيِّ أمل بحل دبلوماسي وأداة لتعزيز فرص تصعيد الأزمة الحالية، بحيث قد تخرج عن إطارها المحدود في أوكرانيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى