مقالات

عوامل انهيار “إسرائيل” وسيناريو تدخّل محور المقاومة

أيمن الرفاتي
يعدّ العقدان الأخيران الأكثر صعوبة على “جيش” العدو الصهيوني؛ فمرحلة التفوق وتحقيق الانتصارات باتت من الماضي، وجميع الخطط التي يخترعها مفكّروه الأمنيون والعسكريون لم تعد مجدية في مواجهة التغيرات الاستراتيجية التي مرت بها المنطقة، لينعكس الأمر سلباً على صورته الداخلية لدى المجتمع الصهيوني الذي مرّ بدوره بجملة متغيرات جعلته أقلّ حافزية للتضحية والقتال، فيما باتت صورة السيناريوهات التي رسمتها العملية الروسية في أوكرانيا حاضرة ومفسرة لتحرير فلسطين.
تعدّ المتغيرات الاستراتيجية التي يواجهها العدو أحد أبرز المخاطر التي تظهر عجزه على المستويين الداخلي والخارجي، إذ إنَّ السياسات السابقة التي استخدمها بهدف خفض الصراع، والقتال على جبهة واحدة فقط، وتحقيق النصر السريع فيها، وتحقيق معادلات ردع طويلة الأمد، لم تعد قادرة على تحقيق المطلوب، وخصوصاً بعد حرب تموز في لبنان في العام 2006، وصولاً إلى 4 معارك شرسة مع قطاع غزة.
وقد مثّل خطر اشتعال عدة جبهات في وجه الاحتلال متغيراً خطراً كان يخشاه على الدوام. وقد برزت بوادر هذا الخطر خلال معركة “سيف القدس” العام الماضي، عندما وجد هذا “الجيش” نفسه أمام سيناريو خطر يمثل تطبيقاً أولياً لتفجر عدة جبهات في آن واحد، فغزة واللد والقدس والضفة وجنوب لبنان مثّلت كلها جبهات لا يسهل التعامل معها، ولا يمكن تحقيق صورة نصر فيها، ولا يمكن تحمل تبعاتها في حال دخول جبهات أخرى.
العجز الذي ترافق بشواهد عدة خلال المعركة الأخيرة مع غزة انعكس على صورة “جيش” الاحتلال، إذ أظهرت المعطيات تراجع ثقة المجتمع الصهيوني به بشكل غير مسبوق، وبدأ جمهور العدو يبدي قلقاً حيال قدرة “جيشه” على توفير الحماية الكاملة له، إضافة إلى شكوك في الإدارة الاقتصادية في “الجيش” ومعاملة الجنود.
وعلى غير العادة، ظهرت مؤخراً انتقادات علنية قوية لـ”الجيش” بشكل صريح وكبير لأوَّل مرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، بلغت ذروتها بعد مقتل القناص برئيل شموئيلي عند حدود قطاع غزة، فيما كشفت استطلاعات للرأي من داخل الكيان عن عوامل داخلية وأخرى خارجية تدفع شباب العدو إلى العزوف عن الخدمة العسكرية، بعد تراجع سمعة “الجيش” وسلسلة هزائمه في حروب العقود الثلاثة الأخيرة.
ثقة الصهاينة بـ”دولتهم وجيشهم” ما فتئت تتراجع خلال السنوات الماضية، إلى درجة أن أحدث استطلاع للرأي كشف أن قرابة 47% من الصهاينة يخشون أن تحل بهم كارثة تهدد وجودهم في المنطقة، في ضوء الأخطار التي تحدق بهم وتهدد بقاءهم.
ووفق الاستطلاع الذي أجرته حركة “بنيما” وأورده موقع “إسرائيل اليوم”، فإن تهديدات إيران بإبادة الكيان ومشروعها النووي ترفع الخوف في أوساط الكثير من الصهاينة، إذ يظهر الاستطلاع أنَّ الخوف الوجودي يبرز أكثر لدى اليهود الحريديم “المتدينين”، إذ إنَّ 23% ممن عرفوا أنفسهم بكونهم “حريديماً” أشاروا إلى أنهم يخافون جداً من حدوث كارثة ثانية، مقابل 11% في أوساط العلمانيين.
وتُثار شكوك حول مستقبل الكيان المؤقت في المنطقة، بسبب تراجع تماسكه الداخلي، وتزعزع نظامه السياسي، وحالة التشظّي والانقسامات التي يعانيها، فضلاً عن التهديدات الخارجية، وامتلاك أعدائه مقدرات عسكرية خطرة، إلى جانب تدهور صورته عالمياً بوصفه “دولة فصل عنصري”.
بالمناسبة، شكّلت ثقة جمهور الكيان المؤقت بـ”جيشه” عنصراً أساسياً في قوته طيلة السنوات الماضية، لكونها تسمح له بإظهار دعم الجمهور من أجل تعزيز ميزانيته وتجنيد أفضل الشبان في صفوفه واستخدامهم في مهام يمكن أن تشكل خطراً على حياتهم. وطيلة العقود الماضية، كان دعم الإسرائيليين لـ”الجيش” ينبع من العلاقة الإدراكية التي تعزز الخوف الوجودي على الكيان بسبب المخاطر المحيطة به.
العوامل السابقة جعلت لدى “الجيش” حساسية عالية تجاه نقد الصهاينة له، وهو ما يؤثر في سلوكه الفعلي. وقد انعكس هذا الأمر على قادته الذين يخشون على مستقبلهم السياسي بعد الخدمة، ولا يريدون أن يظهروا أي فشل أمام المجتمع الصهيوني أثناء قيادتهم، كي يستطيعوا دخول الحلبة السياسية كما فعل الكثير من قادة العدو، وآخرهم بيني غانتس وزير الأمن الحالي وزعيم حزب “أزرق أبيض”.
أمام المعطيات السابقة والتطورات السياسية الدولية حالياً، تعالت الأصوات في كيان الاحتلال خوفاً وهلعاً مما جرى خلال الأزمة الأوكرانية، وذلك خشية حرب متعددة الجبهات لا يستطيع الاحتلال خلالها تغطية مختلف الجبهات، وتتمكَّن أطراف محور المقاومة من توجيه ضربة كبيرة تدمر الترسانة العسكرية بصواريخ دقيقة، وخصوصاً المطارات العسكرية وسلاح المدرعات ومنظومات الدفاع الجوي.
وفي ضوء الأحداث الأخيرة خلال شهر رمضان 2022، وتحرك الفلسطينيين بشكل أوسع، ودخول العدو في حال استنفار واستنزاف لمواجهة 5 محاور فلسطينية في غزة والضفة والقدس واللد وبئر السبع، باتت سيناريوهات تدخّل محور المقاومة ضمن معركة تحرير فلسطين أمراً لا يحتاج إلى تعقيدات في الحسابات السياسية والعسكرية.
من وجهة النظر الفلسطينية، ربما سيكون شلّ سلاح الطيران لدى الاحتلال الشرارة التي يمكنها أن تفجر حرب تحرير فلسطين، انطلاقاً من قطاع غزة والضفة الغربية وفلسطين الـ48 المحتلة، من دون الحاجة إلى تحرك ميداني لقوات محور المقاومة، التي ربما يكتفي منها الفلسطينيون بالدعم العسكري وتوجيه الضربات المركزة إلى القواعد والقدرات العسكرية لـ”جيش” العدو، وأهمها سلاح الطيران.
سيناريو التحرير عبر المقاومة الفلسطينية، ومعه عصا محور المقاومة الطويلة (الصواريخ الدقيقة)، ربما يحول دون تدخّل الغرب للوقوف في جانب الاحتلال، فالصورة ستكون بأنَّ الشعب الفلسطيني تحرك لتحرير أرضه والتخلّص من الاحتلال، الأمر الذي سيجعل تدخل دول أخرى في الحرب غير مبرر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى