مقالات

عقبات الإصلاح في البحرين.. مبادرة الغريفي نموذجاً

عباس الجمري

يسعى عالم الدين الكبير العلامة السيد عبد الله الغريفي دائماً لفتح فجوة في جدار الجمود السياسي في البحرين، فالسلطة منذ أن فتحت النار على العملية السياسية في العام 2011، لم تقف عند هذا الحد، ووصلت إلى سنّ قانون العزل السياسي القاضي بتجميد نشاط الأفراد الَّذين انضموا سابقاً إلى جمعيات سياسية منحلّة، حتى لو كان نشاطهم اللاحق اجتماعياً صرفاً، كالترشح إلى مجالس إدارة الجمعيات الخيرية.

ورغم قسوة السلطة تجاه أيّ مظهر من مظاهر العمل السياسي الجاد، فإن الغريفي يحاول عبر زيارات موسمية لشخصيات الحكم دقّ الباب الموصد في وجه الانفراجة السياسية، إذ يجترح الرجل الثاني على مستوى الرمزية الشعبية أسلوباً في الفكر والمنهج يشبه إلى حد كبير أسلوب وفكر رئيس المجلس الشيعي الأعلى السابق في لبنان، آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الذي ترك مقاربات مكتوبة (يمكن مراجعة كتابه “الوصايا”)، وعبر المحاضرات، مفادها حثّ شيعة الخليج على التقارب مع دوائر الحكم والاستفادة من إيجابيات المهادنة.

وقد قام الراحل شمس الدين بمبادرات شملت البحرين والسعودية لتقريب وجهات النظر بين المعارضين والسلطات في كلا البلدين في العام 1999. هذا النهج لا يتفق بالضرورة مع نهج غالبية المعارضة السياسية في البحرين، والتي ترفع شعار الإصلاح. وقد رسمت المعارضة الخطوط العامّة للإصلاح السياسيّ المنشود، عبر تصور مكتوب أصدرته الجمعيات السياسية في تشرين الأول/أكتوبر 2011 باسم “وثيقة المنامة”.

السيد الغريفي، وفي تباينه مع المعارضة، لا يضع نفسه كبديل من مشروعها؛ ففي الوقت الذي كان الطريق مفتوحاً أمام العمل السياسي، لم يبادر الغريفي إلى التقدم بمقترحات علنية. إذاً، أول سبب لتحرك عالم الدين المعروف بنشاطه الفكري والثقافي هو الجمود السياسي الذي يجعل المعتقلين كالمعلقين بين الأرض والسماء.

لكن هل تمثل زيارة السيد عبد الله الغريفي للملك في 17 نيسان/أبريل، ضمن الزيارات الرمضانية، بوابة للحل السياسي، علماً أنه زار رئيس الوزراء السابق خليفة بن سلمان في أيار/مايو 2019، وتسببت زيارته بسيل من التكهنات الممزوجة بالانتقادات حيناً، والأمل في الفرج حيناً آخر، كما زار الملك حمد مرتين، إحداهما في كانون الأول/ديسمبر من العام 2020، والتي صاحبها أيضاً عدد من التوقعات والتنبؤات، والأخرى في نيسان/أبريل 2021.

ما الجديد في الزيارة الأخيرة، باستثناء أن الغريفي تحدث عنها، وقال إنه طلب من الملك أن يجعل الناس تفرح في عيد الفطر بإطلاق المعتقلين؟

يمكن تقسيم فهم الزيارة إلى 3 أقسام:

الأوّل: أنَّ الزيارة جاءت بطلب من الملك الَّذي هيأ الأرضية للانفراجة السياسية، وأراد أن يخرجها عبر بوابة مبادرة السيد الغريفي. هذا الفهم، لو صحَّ، فسيكون حتماً منتجاً ومثمراً، على الأقلّ بقياس أنّه سيكسر الجمود السياسي، إلا أنَّ هذا التصور مستبعد جداً، فلو كانت الزيارة في هذا الإطار، لكان هناك العديد من الإرهاصات التي تدلّ عليه، مثل تغير لهجة الإعلام، وحصول علم عند الرموز المعتقلة، والتي ستمرر الخبر بدورها إلى خارج السجن. وحيث لا إرهاصات تُذكر لأي انفراجة سياسية، فمن المستبعد أن تكون الزيارة مهيأة من قبل الملك لتمهيد الأرضية للإصلاح.

الثاني: هناك فهم يرى أن الزيارة حملت تصوراً واضحاً وبديلاً من المطروح، يكون نواة لانفراجة سياسية. يدل على هذا الفهم القول إن السيد الغريفي أعلن في معرض حديثه عن الزيارة أنَّه قدم للملك رسالة مكتوبة، تتضمن خلاصة الأفكار والهموم والمطالب التي يستطيع الملك من خلالها أن يجعل الناس تفرح.

هذا التصوّر قد لا يكون دقيقاً، ذلك أنَّ السيد الغريفي يركز على المعتقلين. وقد أُفرج عن آخر معتقلة في سجون البحرين بعد زيارته قبل الأخيرة للملك (الزيارة المشار إليها أعلاه في نيسان/أبريل 2021)، إذ خرجت المعتقلة زكية البربوري بعد 24 ساعة من اللقاء، ما فتح شهية الكثير من الناشطين على نسج سيناريوهات حالمة للإصلاح.

وقد صرّح السيد الغريفي أكثر من مرة أنه ليس بديلاً من الجهات السياسية، وهو يعرف أن أيّ طرح مباين للجهات العاملة في الحقل السياسي، قد يسبّب بلبلة  – البحرينيون بغنى عنها – وخصوصاً أن هذا التباين قد لا ينفع كثيراً في ظلّ تشدد السلطة على موقفها، كما سنبين في سياق هذا المقال.

الثالث: التصوّر الثالث، وهو الأقرب كما أعتقد، أنَّ السيد عبد الله الغريفي يبادر إلى الإفراج عن المعتقلين لغاية اجتماعية عميقة، وهي التئام العوائل وإدخال الفرح إلى قلوبهم، وحفظ النظم الاجتماعي في وجود ركن العائلة (رب الأسرة) أو وجود فلذات الكبد (الأبناء).

هذا البعد يلاحظه السيد الغريفي أكثر من غيره من السياسيين، لأنه منخرط بشكل كبير في العمل الاجتماعي، ويتلقى الكثير من المشاكل التي يقوم وطاقم مكتبه بحلها، ويرى أن طرق الباب مرة تلو الأخرى في هذه المجال بالتحديد دون سواه، سيحل الكثير من المشاكل العالقة في المجتمع، وسيمهد الطريق لتفاهمات سياسية لاحقة، إن حضر الجميع في جو أمني مريح بعيد عن التشنجات، سواء الأمنية أو تلك التي يسبّبها اللسان السليط للإعلام الرسمي، فإذا تحقق الجو الأمني المريح والإعلام المنضبط، مع وجود السياسيين خارج السجن، يكون ممكناً فتح قنوات تواصل وتفاهم قد ترقى إلى حوار سياسي، من ثم ترقى إلى صيغ حلول متفق عليها.

لكن مهما كان اختلاف تفسيرات الزيارة وتضارب أفهامها، فإنَّ الثابت أن الغريفي أراد في الحد الأدنى إطلاق سراح المعتقلين، والسؤال: هل هناك أي عقبات تحول دون تحقيق هذه المبادرة، وإن كان واقعها هو الحد الأدنى من التوقع؟

هناك 3 عقبات تقف حالياً في وجه الانفراجة، ولو بحدّها الأدنى:

العقبة الأولى: الفيتو السعودي، إذ تعتبر الرياض أن تعليق المعارضة بخيط الجمود السياسي هو أحد مسببات الألم لإيران، لأن أغلبية المعارضة البحرينية من الطائفة الشيعية، وتعتمد المنامة على الكثير من الدعم السعودي الذي يجعل قرارها معقوداً بقرار الرياض.

نعم، تجري حالياً الجولة الخامسة للمحادثات السعودية الإيرانية في العاصمة العراقية بغداد. وقد انتشر كلام عن أن المحادثات تمضي قدماً بشكل إيجابي، إذ رُفعت من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي، لكن لا يمكن أن تعطي هذه المحادثات نتائج سريعة في الداخل البحريني، حتى لو نجحت، فالأمر يحتاج إلى وقت.

العقبة الثانية: المعتقلون، وهم المعنيون الأساسيون بزيارة الغريفي، إذ يعتبرون ورقة مهمة في يد السلطة لا تريد التفريط فيها إلا إذا تخلت المعارضة عن مطالبها الكبيرة. وتستطيع السّلطة أن تستخدم هذه الورقة في أكثر من موطن، فهي ورقة مشاغلة للشارع، وهي ورقة ابتزاز ومراهنة للقوى السياسية، كما أنها ورقة مبادلة فيما لو طلبت أميركا أو بريطانيا من البحرين حلحلة الأمور بشكل جاد.

إنها ورقة ثقيلة يمكن أن تكون جزءاً من الانفراجة المفروضة والمفترضة، مع مكملات سياسية شكلية، كإعطاء بعض الوجوه المعارضة حقائب وزارية. على هذا الفرض، لن تُلقى هذه الورقة على رقعة اللعبة السياسية بسبب زيارة، بل ستكون في لعبة بازار سياسي يكون أحد أطرافه دولاً وازنة.

العقبة الثالثة: لا ينبغي تبسيط حدث 2011 وقراءته كأيِّ انتفاضة مرت على البحرين، تكون نهايتها مصالحة كلاسيكية؛ ففي عام “الربيع العربي” المليء بالدم، تولّدت عقيدة أمنية لدى العائلة الحاكمة في البلاد. هذه العقيدة تشعبت على أكثر من زاوية، وتولّدت منها سلوكيات لا يمكن الرجوع عنها في ليلة وضحاها.

هذه العقبة تحتاج إلى قرارات شجاعة، ليس من بيت الحكم فحسب، بل من الأطراف الموالية والمعارضة أيضاً، فالتعقيد الذي أنتجه العام 2011، لا ينحصر بسفك الدم واستباحة المقدسات فحسب، بل يصل إلى نمذجة التفكير وشطر المجتمع. هذا الشطر، وإن خفت أعراضه لوجود طبيعة طيبة عند الشيعة والسنة في البلاد، ولكن لا يمكن إغفال آثاره.

طبعاً، لم أدرج التطبيع ضمن العقبات، لأنَّه أكثر من مستوى عقبة. هو كارثة ستدخل في الكثير من مناحي الحياة، ومنها الإصلاح السياسي ودرجته في البلاد.

البعض يعلق الأمل على كلام الملك. ولأنَّ هذا الأمر يتكرّر، فلا بدَّ من معالجته معالجة مفاهيمية، فكلام السياسيين لا ينبئ عن أفعالهم. هذا عرف مشهور في عالم السياسة، فهل نحتاج إلى أن نقرأ كتاب “الأمير” لمكيافيلّي عدة مرات لنحفظ الدرس؟ تعليق الأمل على كلام السياسيين بدعوى أن نكون متفائلين هو عملة لا تجد لها صرافاً سياسياً يقبلها، ولا توجد بضاعة في سوق الأمن والعسكر والدبلوماسية يمكن أن تشترى.

إنَّ إطلاق سراح عشرات المعتقلين أو بضع مئات منهم هو أمر مفرح، لكنه بالتأكيد ليس الإصلاح المنشود أو الانفراجة المرتقبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى