مقالات

المصالحات الوطنية في سوريا: جبهة موازية في ميدان الحرب

جو غانم

بعد أسابيع قليلة على بدء الأزمة في سوريا، وتحديداً في نيسان/أبريل 2011، بادرت القيادة السورية إلى التواصل مع الوجهاء والفعاليات الاجتماعيّة في المناطق التي شهدت تظاهرات تحريضية ضد الدولة، واستقبل الرئيس بشار الأسد وفوداً من مختلف تلك المناطق، وجرى نقاش إيجابيّ وشفاف، بحسب العديد من الشخصيات التي شاركت في تلك اللقاءات، وتمّت الاستجابة للكثير من المطالب التي قدّمها هؤلاء باسم المتظاهرين.

وقد اعتمدت السّلطات السوريّة عدداً من هؤلاء الوجهاء والشخصيات الفاعلة ليكونوا وسطاء بين الدولة والمتظاهرين أو المتمردين من أهل المناطق. وكانت هذه الآليّة التي اعتمدتها الدولة السورية مبكراً حينذاك أولى بوادر ما صار يُعرف لاحقاً بملفّ “المصالحات الوطنية”، التي أفضت إلى استحداث “وزارة المصالحة الوطنية” في الحكومة التي شُكّلت بمرسوم رئاسيّ يوم السبت 25 حزيران/يونيو 2012. وقد جرى تشكيل “لجنة مصالحة وطنية” داخل مجلس الشعب السوريّ.

أُعطيت وزارة المصالحة الوطنية منذ اليوم الأول صلاحيات واسعة للتواصل مع جميع أبناء الوطن من دون استثناءات أو قيود، لكنّ عمل كوادر الوزارة لم يكن سهلاً على الإطلاق منذ البداية، وذلك بسبب حجم الضخّ الإعلامي العربي والدولي المعادي للدولة السورية، وكثرة الأموال والأسلحة التي وصلت إلى أيدي العديد من المجموعات والأشخاص الذين بدأوا باستخدام أساليب الترهيب والترغيب ضد الناس، وتخوين كل من يتواصل مع مؤسسات الدولة أو يدعو إلى التهدئة والعودة إلى الحوار، إضافة إلى الوعود العربية والدولية المتلاحقة التي كانت تتحدّث على مدار الساعة عن قرب سقوط الدولة في سوريا.

بعد العسكرة السريعة للأزمة السورية، وبدء العمليات القتالية بين المجموعات المناوئة للدولة من جانب، مع من انضمّ إليها من المقاتلين العرب والأجانب الذين وجدوا كل التسهيلات والمغريات للوصول إلى الميدان السوريّ، والجيش السوري والقوى الأمنية من جانب آخر، لجأت الدولة السورية إلى مسارين متوازيين في التعامل مع الحدث، فعمدت إلى تفعيل التواصل مع الفعاليات الاجتماعية وتكثيفه، بهدف الوصول إلى مصالحات وتفاهمات، بالتوازي مع مواجهة المجموعات المسلحة عسكريّاً، وفتح باب التسويات مع المقاتلين أثناء المواجهات العسكرية، أو بعد انتهاء كل معركة وهزيمة المجموعات المشاركة فيها، وغالباً ما كان الأمر ينتهي بتوقيع تعهّدات بعدم المشاركة مجدّداً بأيّة نشاطات عسكرية أو أمنية معادية للدولة السورية، مع إعادة دمج هؤلاء المقاتلين في مؤسسات الدولة.

وكانت مدينة الضّمير في القلمون الشرقي أول مدينة تدخل نظام المصالحات الوطني في كانون الأول/ديسمبر من العام 2013، إذ استطاعت لجنة المصالحة الوطنية في المنطقة، بالتعاون مع الأهالي وبدعم من الدولة، الضغط على الفصائل المسلحة لتوقيع اتفاق يقضي بإعادة أسلحة منهوبة من مستودعات تابعة للجيش العربي السوريّ، وضمان أمن المدينة، وعودة مؤسسات الدولة فيها إلى العمل.

وقد جُدّد هذا الاتفاق بشكل أوسع في المنطقة في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وتم توقيع اتفاق هدنة بين الدولة السورية والفصائل المسلحة، قضى بخروج الموقوفين في السجون، وتخفيف القيود على الحواجز الأمنية، وضمان أمن الطريق الدولي الذي يعبر المنطقة.

وكان اتفاق مماثل وُقّع مع الفصائل المسلحة في مدينة الرحيبة في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، أفضى إلى إعادة الحياة إلى طبيعتها في المدينة وجوارها. وتضمنت بنود هذه الاتفاقات إدخال المواد الإغاثية والمساعدات إلى تلك المناطق، وتسهيل عمل كوادر منظمة الهلال الأحمر السوري، ومعالجة أوضاع شبّان تلك المناطق، سواء من تورّط منعهم في أعمال عسكرية وتخريبية، أو من تخلّف عن خدمة العلم.

وبدا حرص السلطات السورية واضحاً في مسألة استيعاب هؤلاء الشباب وإعادة دمجهم في مؤسسات الدولة والمجتمع. وقد حقّقت المصالحات في القلمون نجاحات كبيرة ساعدت على إقناع قوى وفعاليات وفصائل عاملة في المنطقة المجاورة بجدوى هذا المسار.

بعد وصول القوات الجوية الروسية إلى البلاد في نهاية أيلول/سبتمبر من العام 2015، وتوقيع الدولة السورية اتفاقيات ومعاهدات مع الحليف الروسيّ، أدت إلى إقامة قاعدة “حميميم” العسكريّة، انتقل الجهد الأكبر من ملف المصالحات الوطنية إلى القاعدة الروسية في الساحل السوريّ، وذلك بعد تأسيس “مركز حميميم للمصالحات الوطنية” في شباط/فبراير من العام 2016، إذ بدأ التعاون الحثيث مع وزارة المصالحة الوطنية السورية، ليتحول المركز إلى مكان للاجتماع بين ممثلي الفصائل والفعاليات في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية وممثلي الدولة السورية، وذلك بحضور الطرف الروسي الذي أصبح وسيطاً ضامناً في أغلب عمليات المصالحة التي جرت بعد ذلك التاريخ.

وقد أدى النشاط السوريّ – الروسيّ على هذا المستوى الناجح إلى إقرار تعديلات على برامج عمل وزارة المصالحة الوطنية السورية؛ ففي آذار/مارس من العام 2017، ألغت الوزارة جميع لجان المصالحة الوطنية العاملة في المناطق، وأعادت تنظيم آليات العمل على هذا المستوى، بحيث لا يتمّ اعتماد الأشخاص المخولين بالتواصل مع الأطراف في مناطق النزاع إلّا بعد دراسات تؤكّد قدرتهم الحقيقية على العمل والتأثير والإنجاز، استناداً إلى حيثياتهم الاجتماعية وشفافيتهم وصدقهم في مثل هذه المساعي الوطنية، وذلك بعد أنْ شاب عمل تلك اللجان الكثير من السلبيات والعمل المصلحيّ الخاص.

لم تجرِ المصالحات بمسار أو شكل واحد طوال السنوات الماضية، بل تباينت واختلفت بحسب الأوضاع والتطورات والأحداث في كل منطقة، فهناك مصالحات جرت بضغط من الأهالي على الفصائل المسلحة، بعد أنْ هدم عمل تلك الفصائل كلّ مقومات الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك المناطق، ما حدا بالأهالي إلى التواصل مع وزارة المصالحة ومؤسسات الدولة ومركز “حميميم” للمساعدة على إنهاء تلك الحالات، عن طريق تسهيلات كبيرة تقدمها الدولة، وفي مقدمتها إصدار قوانين عفو عن المتورطين في أعمال تخريبية معادية للدولة السورية، وإشراك بعض هؤلاء في مجموعات ضامنة للأمن تحت مظلّة الجيش السوري والقوى الأمنية.

وقد ساهم هذا النوع من المصالحات في استتباب الأمن وعودة المؤسسات والمصانع والدوائر الحكومية إلى العمل. وتجلّى هذا النوع من المصالحات في مناطق عديدة من مساحة البلاد، وخصوصاً في حزام مدينة دمشق ومدن منطقة القلمون وبلداتها وقراها، وفي بعض المناطق في أرياف دمشق وحماه وحلب.

من جهة أخرى، هناك مصالحات جرت تحت النار، إذ أفضت المعارك التي خاضها الجيش السوري والحلفاء إلى هزائم عسكرية فادحة للفصائل المسلحة. وتحت هذا الضغط، رضخت الفصائل للتفاوض، بعد تواصل الفعاليات الاجتماعية مع وزارة المصالحة الوطنية ومركز “حميميم”، وجرى نقل عدد من قادة تلك الفصائل إلى القاعدة العسكرية الروسية للتوقيع على بنود هذه المصالحات، وتأمين إخراج الأفراد والمجموعات التي ترفض المصالحة إلى مناطق في الشمال السوري بالسلاح الفرديّ.

وبينما التزمت الدولة السورية بتعهّداتها على هذا المستوى، حدثت خروقات كثيرة من جانب المجموعات التي تعهدت بتسليم السلاح الثقيل والمتوسط والخروج نحو الشمال، إذ قامت تلك المجموعات بارتكاب جرائم ضد المدنيين وقتل الأسرى قبل خروجها مباشرة، أو أثناء تنظيم عملية الخروج بالحافلات الخضر التي باتت علامةً فارقة ذات مؤشرات عديدة في المخيال السوري المتعلق بالحرب.

وأفضى هذا النوع من المصالحات إلى دخول الشرطة العسكرية الروسية إلى بعض المناطق، كضامن للأمن ولاستمرار المصالحة، مع عودة دوائر الدولة إلى العمل بشكل طبيعيّ. وقد تجلّى هذا الشكل من المصالحات في مناطق عديدة من البلاد، وخصوصاً ريف دمشق ودرعا وحلب وحمص ودير الزور وأريافها.

اعتمدت الدولة السورية نظام المصالحات الوطنية بمساعدة فاعلة من الحليف الروسي، وبمشاركة مؤثرة من الحليف الإيراني أيضاً في بعض المناطق (ريف إدلب خصوصاً وبعض مناطق القلمون)، بل إنّ الأمم المتحدة نفسها انخرطت في هذا المسار في بعض الحالات بالتوافق مع الدولة السورية (رعاية الأمم المتحدة اتفاق الهدنة وبدء مسار المصالحة في حيّ الوعر في مدينة حمص في 5 كانون الأول/ديسمبر 2015).

وقد دخلت مصر على هذا المسار أيضاً، وساهمت في التوصّل إلى اتفاق هدنة في الغوطة الشرقية وريف دمشق الجنوبيّ في تموز/يوليو، ثم في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2017، أدى إلى خروج الفصائل غير الراغبة في الدخول في مسار المصالحة الوطنية.

 وفي الوقت الذي اعتمدت دمشق هذا النظام المهم، أرادت القيادة السياسية والعسكرية في البلاد تقليل الخسائر على كل المستويات إلى أقلّ حدّ ممكن وإعادة فرض الأمن وعمل المؤسسات. لذلك، قدمت الدولة السورية كل أشكال الدعم والتسهيلات في هذا الشأن، بل إنّ بعض تلك الأثمان التي قدّمتها الدولة أدّت إلى غضب اجتماعي في البيئة الموالية لها في بعض الحالات، إذ اعتبرت شرائح اجتماعية سورية أنّ العفو عن مجرمين نكّلوا بالدولة والمجتمع، وارتكبوا مذابح وعمليات تخريب كبيرة أضرّت بالمصالح العامة والخاصة، يحمل استفزازاً لكل أسر الضحايا والمتضررين من هذه الأعمال، وأنّ الثقة بهؤلاء الأفراد والمجموعات بلا جدوى، وخصوصاً بعد أنْ نكثت العديد من المجموعات المسلحة وقياداتها بالاتفاقيات والعهود، واستغلّت التسهيلات والضمانات التي قدمتها الدولة في تلك المناطق، فعادت إلى القيام بعمليات عسكرية وتخريبية وارتكبت جرائم اغتيال بحق فعاليات اجتماعية، كما بحقّ عسكريين وضباط سوريين.

ولعلّ ما جرى غير مرة في ريف درعا على سبيل المثال، كان مثالاً صارخاً على هذا الأمر، إذ أفضت المصالحات التي رعاها الجانب الروسي إلى تأجيل العديد من المعارك مع تلك المجموعات، فقد أعادت تلك الفصائل تنظيم صفوفها بعد الهزائم التي تلقتها، وعادت إلى نقطة الصفر في عدائها للدولة السورية والمجتمع، لكنّ دمشق تصرفت بمنطق الدولة على هذا المستوى، وأصرّت على اعتماد سياسة المصالحات، رغم حدوث انتكاسات أليمة.

وكان للأطراف الخارجية الداعمة للفصائل السورية دور كبير في تلك الانتكاسات، إذ أعادت التحريض والتسليح وضخّ الأموال وتحريك أدواتها في تلك المناطق، لكنّ النتيجة كانت دائماً هزائم جديدة لتلك الفصائل وفرض شروط جديدة في المصالحات، أبرزها الإصرار على خروج المتورطين في خرق التفاهمات إلى الشمال السوريّ، أو تسليم الأفراد الَّذي أقدموا على خرق الاتفاقيات والهدن من خلال القيام بعمليات إجرامية للسلطات السورية لمحاكمتهم.

لقد أبدت القوى الخارجية الداعمة لأدوات الحرب في سوريا انزعاجاً كبيراً من نظام المصالحات الذي اعتمدته الدولة السورية، واعتبرت أنّ دمشق استطاعت تحقيق انتصارات مضاعفة من خلال هذا المسار، فقد أثبتت أنها ضنينة على تحقيق الإنجازات المدنية والمجتمعية، من خلال إثبات مسؤوليتها كدولة قادرة وحريصة على سلامة مجتمعها وأمنه، كما من خلال الحرب والعمليات العسكرية ضد العابثين بأمن المجتمع وسلامته.

من جهة أخرى، سبّبت الجهود الروسيّة الحثيثة في ملفّ المصالحات إزعاجاً كبيراً للقوى الغربيّة، فقد بدا أنّ روسيا بدورها، قادرة، إلى جانب حضورها العسكريّ المؤثّر، على الحضور كوسيط ضامن وفاعل لتحقيق الاستقرار في المجتمع السوري، بما يعنيه ذلك من تقوية نفوذها الإيجابيّ في أوساط المجتمع. وقد سبّبت إيران من جهتها قدراً كبيراً من الإزعاج على هذا الصعيد أيضاً.

لهذا، سعت تلك القوى بكلِّ ما أوتيت من جهد إلى إفشال المصالحات وضرب مصداقية دمشق وحلفائها في هذا المسار. لذلك، لقي ملفّ المصالحات الوطنية في سوريا اهتماماً وتركيزاً إعلاميّاً كبيراً على الشاشات والمواقع الإلكترونية التابعة للحلف المعادي لدمشق، وجرى ضخّ أكبر قدر من الأكاذيب والحملات التضليلية التي تتّهم دمشق بالانتقام لاحقاً من الداخلين في نظام المصالحة.

لكنّ كل تلك الحملات لم تأتِ بنتائج تُذكَر، إذ عكسَ الاستقرار في غالبية المناطق التي دخلت في نظام المصالحة الوطنية صورة مخالفة تماماً لما حاولت تلك القوى ترويجه، الأمر الذي ساعد على السير قدماً على هذا الصعيد.

ولعلّ ما يجري منذ أكثر من سنة حتى اللحظة في مدينة دير الزور وريفها تحديداً، يُشكّل دليلاً على نجاح دمشق وحلفائها في ملف التصالح الوطنيّ وخفض التصعيد وعودة الدولة ومظاهرها بشكل كامل إلى كل المناطق التي دخلت في هذا المسار، فقد شهدت مدينة دير الزور في الأشهر الأخيرة عمليات مصالحة واسعة حضرها ورعاها مسؤولون كبار في الدولة السورية.

وتُشكّل ثقة المواطن بالدولة واختياره العودة إلى كنفها في تلك المناطق التي ما تزال القوى المعادية للدولة السورية تسيطر على أجزاء مهمة منها دليلاً على نجاح دمشق على هذا الصعيد، وفشل القوى المعادية في استمالة المواطن السوري والاستمرار باستخدامه ضد وطنه ومؤسسات بلاده.

كما أنّ لنجاح هذا المسار واستمراريته في الشرق السوريّ دلالات مهمة تؤشّر إلى مستقبل الوضع في المنطقة المحتلة هناك، إذ لم يتوقف الأمر عند المصالحة الوطنية بين شرائح اجتماعية وسلطات رسمية شرعية، وهو يسير باتّجاه انخراط بعض تلك الشرائح في عمليات مقاومة شعبية ضد قوى الاحتلال ووكلائها في المنطقة هناك، الأمر الذي بدأنا نلمسه عمليّاً من خلال العمليات المتصاعدة ضد قواعد المحتل الأميركيّ، وعلى النقاط التابعة لميليشيا “قسد”، التي يستخدمها المحتلّ كذراع وغطاء لعملية الاحتلال والنهب المتواصل لخيرات الدولة والمجتمع في الشرق السوري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى