مقالات

الكيان الصهيوني يدافع عن مشروعه في أوكرانيا

رشاد أبو شاور

نعم، لا أستغرب قتالهم في أوكرانيا ضد روسيا الاتحادية، فهم رغم قلة أعدادهم هناك، يضعون أيديهم على مواقع مهمة جداً، منها رئاسة الدولة منذ الانقلاب في العام 2014، وهم باعترافاتهم يحملون الجنسية (الإسرائيلية)، وتحديداً 11 مسؤولاً كبيراً، ما يعني أنهم يمسكون بمفاصل الدولة الأوكرانية.

شخصياً، زرتُ أوكرانيا لمدة قصيرة، ولفتت انتباهي جدران جامعة كييف المطليّة باللون الأحمر، وحين سألتُ مستفسراً كان الجواب: هذا لون دماء طلاب الجامعة الذين ثاروا على نظام الحكم الرجعي، وبهذا اللون نُذكّر بدمائهم التي يجب أن لا تُنسى.

بجوار الجامعة في كييف، يوجد متحف صغير للشخصية الأدبية والفكرية الأهم لدى الأوكرانيين، إنه المفكر والكاتب الذي يتباهون به، ويعتبرونه بقيمة لينين لدى الروس… إنه شيفشنكا.

شخصياً، ما زلتُ أحتفظ بمجلّد أعماله المختارة الضخم. وهم يقدّرونه في أوكرانيا لأنه خرج من أوساط الشعب الأوكراني، وعبّر عن تطلعاته، وكان صاحب رؤية إنسانية.

في تلك الزيارة علمتُ أن اللغتين الروسية والأوكرانية شقيقتان، وأنّ من يتكلم إحداهما يفهم الآخر عندما يتكلم بلغته، وأن الفروقات قليلة، والتفاهم سببه أن 80% من اللغتين مفرداتهما مشتركة.

ولقد علمتُ بأن الأرثوذكسية تجمع الأكثرية، مع وجود مَن يعتنقون الكاثوليكية، ولعلّ هذا واحد من الأسباب التي تجمع الروس والأوكرانيين، وتعمّق العلاقة بينهم، فثقافتهم واحدة تقريباً، فضلاً عن مسيحيتهم الأرثوذكسية.

وأنا في القطار السريع، كنتُ أتأمل السهول التي تنتج القمح و… النفط، وأستعيد في ذاكرتي سبب اندفاع جيوش هتلر إلى احتلال أوكرانيا، فهو يحتاج إليهما لمواصلة الحرب وتغذية المحاربين ودباباتهم السريعة المندفعة لحسم الحرب مع روسيا الحمراء. وهتلر، للتذكير، كان يكره الشيوعيين الحُمر ويراهم جميعاً يهوداً. في أوكرانيا، وُجد مَن حاربوا معه، ولعلّ النازيين الحاليين في أوكرانيا يمثّلون امتداداً لأسلافهم الذين انخرطوا في الحرب العالمية الثانية وانحازوا إلى النازيين الألمان!

في كييف، استقبلنا كتّاب، هم ضباط كبار، صدورهم كانت مغطّاة بالأوسمة الرفيعة، وأدّوا لنا التحية، لأننا فلسطينيون نقاتل الاحتلال الصهيوني لبلادنا، وشرحوا لنا عن معارك تحرير أوكرانيا من الاحتلال النازي، وأنهم لا ينسون تلك الأيام المجيدة للجيش الأحمر، الذي قدّم التضحيات الهائلة لتحرير أوروبا والعالم من شرور النازية.

حالياً، يقاتل الجيش الروسي، وريث الجيش الأحمر السوفياتي، دفاعاً عن روسيا، ويخوض الحرب في مواجهة ورَثة النازية، أما الصهاينة فقد أسفروا عن وجوههم في الحرب ضد روسيا وجيشها وأمنها، بتوجيه وتخطيط قادة الإمبراطورية الأميركية.

لقد صوّت الكيان الصهيوني مع طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان، وباعتراف وزير (الأمن) الصهيوني بيني غانتس، تمّ تزويد أوكرانيا بالخوذ العسكرية والدروع الواقية من الرصاص، وهذا يمهّد لتزويد الجيش الأوكراني بأسلحة من تصنيع الكيان الصهيوني، ولا ننسى تصريحات وزير خارجية الكيان الصهيوني العدائية لروسيا كبلدٍ وكدولة، والتي تنّم عن اعترافه بالمشاركة في الحرب على روسيا الوطن والأمة، لا على بوتين كشخص… فبوتين يقود بلده من موقعه كرئيس وقائد أعلى للجيش والقوات المسلحة.

منذ البداية انكشف دور الصهاينة في أوكرانيا، رغم أننا تردّدنا في اتهامهم بالمشاركة في الحرب على روسيا، التي قدّمت لهم الكثير أيام الاتحاد السوفياتي، الذي كان في مقدّمة الدول التي اعترفت بالكيان الصهيوني، وقد غيّر موقفه من رفض التقسيم إلى الموافقة عليه، وشجّع الشيوعيين العرب على تبديل موقفهم، ومن ضمنهم الشيوعيون الفلسطينيون.

لقد انصاع الشيوعيون العرب، ومنهم الفلسطينيون، لتوجيهات (الكومنترن)، فانقلب موقفهم من رفض التقسيم إلى الترويج له، رغم رفض كثير من الشيوعيين قرار التقسيم والتعبئة ضده…

انعكس الموقف السوفياتي من لفظيٍ إلى عمليٍ تجاه الكيان الصهيوني، فكانت  صفقة الأسلحة التشيكية، ومنها طائرات ألمانية مُستحوَذ عليها إبّان الحرب العالمية الثانية التي كانت قد انتهت قبل حوالى ثلاث سنوات، وقد حسمت تلك الصفقة ميزان الحرب لصالح الكيان الصهيوني… طبعاً مع عوامل أخرى لا تقلّ خطورة.

ذات يوم سألتُ الصديق الكاتب والباحث الدكتور فايز رشيد، الذي درس الطب في بيلاروسيا، عن سر التحول الستاليني، فأخبرني بأنّ كتاباً صدر بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكّكه، روى أن السر يكمن في تلهف ستالين إلى امتلاك سّر القنبلة الذرية، وأن الصهاينة ساعدوه في الوصول إلى السر مقابل الاعتراف. لقد طلبتُ من صديقي فايز أن يترجم الكتاب وتحمّس للفكرة، ولكنه للأسف تعرّض لمتاعب صحية، وما زال يعاني شفاه الله.

تساءلتُ وأنا أتابع الحرب التي، منذ البداية، لم تكن حرباً روسية أوكرانية، عن دور الصهاينة وما يريدونه من هدف تدمير روسيا، ومع اتضاح أبعاد الحرب التي هي من جهة روسيا حرب دفاعية استباقية، وحرب عدوانية تدميرية تديرها الإمبراطورية الأميركية كانت تعّدها لإنهاء روسيا بهزيمتها وتفكيكها بعد استعادة قوتها وتجاوزها لحقبة يلتسين وغورباتشوف.

 روسيا استبقت شروع الغرب، بقيادة أميركا، في تحريك أوكرانيا ضدها لجرّها إلى حرب تستنفد قدراتها، وتهدف إلى تمزيق نسيجها ووحدتها. وهكذا تتخلّص الإمبراطورية الأميركية من روسيا حليفة الصين، وأثناء ذلك تُكرّس هيمنتها كقطب وحيد وتستفرد بالصين التي ستبقى وحيدة في المواجهة…

ماذا يستفيد الصهاينة؟

يمسكون تماماً بأوكرانيا، وينتقلون بالمشروع الصهيوني من حالة الخطر الدائمة إلى الاستناد إلى أوكرانيا (الصهيونية)، البلد الأكبر مساحة والأكثر غنى بثرواته في أوروبا، وبهذا تصير (لهم) دولة كبرى هي أوكرانيا، ويكرّسون أوكرانيا (الصهيونية) كشريك لا يمكن تهديده على المدى المنظور، وتنتهي الأخطار المحدقة بالكيان الصهيوني، ليس بالتطبيع الذي سيبقى قلقاً، ومع انتصار أميركا القطب الواحد رغم بقاء الصين، التي ستبقى ضعيفة في حال هُزمت روسيا… يكون الكيان الصهيوني قد تكرّس وامتلك دولة (كبرى) ستكون نووية وشريكة للإمبراطورية الأميركية في مشروع هيمنة القطب الواحد.

هذا المخطط بات مفضوحاً أمام كل متابع، ونحن العرب، أقصد الشعوب العربية، معنيّون بمعرفة موقعنا وما يدور حولنا من تحولات، وهذا يعني أن ننحاز إلى كل من يحارب الهيمنة الأميركية الصهيونية التي تستفرد بعرب فلسطين، وتقتلهم أمام كل أنظار العالم بانحياز أميركي فاجر… وتنهب ثروات العرب بخنوع حكامهم، وتنصّب عليهم حُكاماً مستتبعين.

التصريحات الروسية بلسان وزير الخارجية لافروف عن حقوق شعب فلسطين، والاتصالات بقيادات فصائل فلسطينية، تدلل على أن القيادة الروسية بدأت تدرك تماماً أن الصهيونية حاقدة عليها، وأنها لا تريد لها إلاّ الضعف والهوان والاستتباع، وأنها في هذه الحرب منحازة مع كذب وافتضاح ادّعاءاتها بالحياد.

لقد زرتُ الاتحاد السوفياتي كثيراً، وكنتُ ألمس تفشّي النفوذ اليهودي الصهيوني في مواقع الإعلام، والهيمنة على مؤسسة السينما، والمسرح، ومراكز الأبحاث والدراسات، وكان هناك يهود ينبّهوننا قبل الذهاب للقاءات في مراكز الأبحاث والدراسات، ويحذّروننا من البوح بأي معلومات عن أوضاعنا الفلسطينية، وكنا عندئذ نتنبّه لوجود صهاينة في اللقاءات، وهذا كان يسهّل علينا معرفتهم، والحذر من طروحاتهم الملغومة.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي (هجم) التجّار والسماسرة اليهود، ووضعوا أيديهم على أهم ما بناه العمّال الروس، فاشتروا المصانع بأثمان بخسة، ووضعوا أيديهم على إنتاج النفط، واستتبعوا الإعلام لهم، وكان يلتسين وغورباتشوف (متسامحَين) جداً معهم في تنفيذ أهدافهم الافتراسية لكل ما بناه الروس في الزمن السوفياتي.

الكيان الصهيوني والحركة الصهيونية يعرفان أن موقعهما ودورهما مرتبطان تماماً بالإمبراطورية الأميركية، ودائماً كان دور الصهاينة ضد ثورات الشعوب، وفي خدمة أعداء الشعوب (أُذكّر بدور الكيان الصهيوني المنحاز للنظام العنصري في جنوب أفريقيا ضد الجنوب أفريقيين أصحاب البلاد الشرعيين بقيادة نيلسون مانديلا).

نتمنى أن تكون القيادة الروسية قد أدركت أن الكيان الصهيوني لن يكون إلّا في الطرف المعادي لروسيا القوية، وأن الكيان الصهيوني المزروع في فلسطين، في قلب الوطن العربي، خطر على روسيا… ولن يكون إلّا كذلك… وأن الانحياز إلى الكيان الصهيوني لم يغيّر من طبيعته العدوانية… ومن انحيازه إلى الهيمنة الرأسمالية وعدوانيتها وحروبها على الشعوب المتطلّعة إلى الحرية والسيادة على مصائرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى