مقالات

تركيا بين روسيا والغرب.. لعب على حافة الهاوية

وسام إسماعيل

استطاعت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أن تكرس في الوعي الجماعي العالمي حتمية البحث في تعديل الثوابت الَّتي حكمت سلوك القوى الدولية والإقليمية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، بحيث إنها أظهرت ضرورة البحث عن مرتكزات جديدة لسياساتها الخارجية.

وإذا كانت التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط ترتكز على مفهوم مراعاة المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية في الدرجة الأولى، وإمكانية إهمال رؤى القوى الدولية الأخرى، مثل روسيا والصين أو الاتحاد الأوروبي، أو القوى الإقليمية، فإن الواقع المتمثل بالجرأة الروسية على استعمال القوة العسكرية خارج إطار التوافق الدولي أفرز تعقيدات تفرض ضرورة تقدير المزايا والمخاطر، انطلاقاً من واقع دولي تتعدّد فيه مراكز القوى ومصادر التهديد وتتعارض.

وإذا كانت الأزمة في أوكرانيا أرخت بظلالها الثقيلة، الاقتصادية على الأقل، على العالم، ومنه الشرق الأوسط، بما يمكّننا من تقديم تصنيف يضمّ أكثر الدول الموجودة في خانة البحث عن حصانة تقيها التأثيرات السلبية لهذه الأزمة، فإنَّ عدداً من الدول، ومنها تركيا، استطاع أن يحجز موقعاً يؤهله للمساهمة في إرساء قواعد التوازن الدولي الذي يشهد مخاض عالم ما بعد العملية العسكرية الروسية.

الموقع الاستراتيجي القريب من روسيا وأوكرانيا وأوروبا، معطوفاً على التحكم في المضائق الحيوية لروسيا والعلاقات الوثيقة مع الدولة الروسية وأوكرانيا، إضافةً إلى عضويتها في خلف شمال الأطلسي والعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، يفترض كله ضرورة إيلاء سياساتها ومواقفها اهتماماً خاصاً، لما لهذه السياسات والمواقف من تأثير في الواقع التركي والإقليمي على حدّ سواء.

لقد استطاعت الدولة التركية، منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أن تحجز لنفسها موقعاً حيوياً، إذ نجحت بكسب ثقة الطرفين كوسيط لتسهيل عملية التفاوض بينهما. ومن خلال رؤية دقيقة لواقع هذه الأزمة وتأثيراتها، لم تنجرّ الإدارة التركية وراء الصراخ الغربي، إذ إنَّها، وعلى الرغم من إغلاقها مضائق البوسفور والدردنيل أمام القطع العسكرية، لم تنضمّ إلى جوقات العقوبات المتتالية على الدولة الروسية، لتقديرها أن خيار العقوبات سيساهم سلباً في حلِّ الأزمة، كما أنه لا يشكل رادعاً عملياً في مواجهة قوة كبرى كروسيا، إضافة إلى أنه قد يدفع إلى تصعيد روسي ينسف أي أفق لحل الأزمة.

وفي هذا الإطار، ومن خلال رؤية مبسطة لما كان بإمكان الدولة التركية أن تساوم عليه، فإن الالتزام بالتوجهات الأوروبية كان سيشكل ورقة قوية تساعد على تسهيل القبول بانضمام الدولة التركية إلى الاتحاد الأوروبي.

إضافة إلى ذلك، كان ممكناً لمس التمايز التركي عن خيارات حلف شمال الأطلسي؛ فبدلاً من الدخول في مشروع الحلف الهادف إلى إغراق الدولة الروسية في مستنقع شبيه بمستنقع أفغانستان ومحاولة عزلها، من خلال منظومة تفترض ضرورة محاصرة روسيا وخنقها من أجل دفعها إلى التراجع عن مشروعها وإظهارها في موقع العاجز عن تحقيق أهدافها، عمدت إلى إدارة موقفها من خلال سياسة متوازنة تهدف إلى مراعاة ضرورات المحافظة على علاقاتها مع كلا الطرفين.

إنَّ استقراء السياسات الخارجية للدولة التركية منذ نشأتها لا يدلّ على التزامها بأطر الأمن الجماعي وقواعد القانون الدولي كوسيلة لمقاربة علاقاتها الدولية؛ فمشروع السياسة الخارجية للدولة التركية، المرتكز على العلاقة العضوية مع الغرب وحلف شمال الأطلسي، والباحث عن موقع إقليمي يمكن من خلاله التأثير في توازن القوى الدولي، موصوف بالبراغماتية الساعية إلى تحقيق المصلحة القومية بمسمياتها الإقليمية.

إنَّ البحث عن مجال حيوي خارج عن حدود الدولة التركية المثبتة بحوالى 783 ألف كيلومتر مربع، ومرتكز على نفوذ واقعي، عبر احتلال جزء من الأراضي السورية والعراقية، إضافة إلى طموح بعلاقات متجذرة مع بعض الدول، وفق مرتكزات تاريخية أو عرقية، كما في ليبيا وأذربيجان ودول الجنوب الروسي، يجعل من الطبيعي قراءة الموقف التركي وفق لغة المصالح الاستراتيجية.

من خلال تحليل خلفيات الموقف التركي، يمكن القول إن فرضية الالتزام بالموقف الأوروبي من الأزمة في أوكرانيا لن تقدم الفائدة المرجوة للدولة التركية؛ فمساهمة الدولة التركية في التخفيف من أعباء اللجوء السوري إلى أوروبا، وتحمّلها أكثر من 6 ملايين لاجئ يسعى للوصول إلى أوروبا، لم يسهّلا عملية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. كما أنَّ العمليات العسكرية التركية في سوريا لم تحظَ بقبول أطلسي وأميركي.

وإذا أضفنا إلى ذلك انعدام الثقة الذي أرخى بثقله على العلاقة بين الحلف الأطلسي، بأطرافه الأوروبية والأميركية، وتركيا، بعد أزمة صواريخ “S-400” والعلاقة المستجدة مع الدولة الروسية في سوريا، يمكن فهم تمايز الدولة التركية في تعاطيها مع أطراف الأزمة.

بالنسبة إلى روسيا، لم تقدم الدولة التركية تسهيلات يمكن تصنيفها في إطار الدعم الذي سيساهم في تسهيل تحقيق الأهداف الروسية من العملية العسكرية في أوكرانيا؛ فإغلاق المضائق التركية في وجه السفن الحربية، على اختلاف جنسياتها، استهدف بتأثيراته القوات البحرية الروسية على وجه الخصوص، وعبّر عن توجهات حلف شمال الأطلسي في الدرجة الأولى.

لذلك، على الرغم من تسلح الدولة التركية بموقفها الحيادي وحقّها بتطبيق بنود “مونترو”، فإنَّ خلفية القرار بإغلاق المضائق لا تنفصل عن محاولة استرضاء الغرب الباحث عن كيفية خنق الدولة الروسية ودفعها إلى وقف عمليتها العسكرية.

وفي إطار البراغماتية الحاكمة للسياسة التركية نفسها، يمكن تصنيف قرار إغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الروسية التي تنقل قوات من روسيا إلى سوريا؛ فانعدام الأفق لظهور بوادر حل، نتيجة إصرار الدولة الروسية على تحقيق الأهداف التي رسمتها عند بداية العملية، وعدم التجاوب مع المبادرة التركية خارج حدود هذه الأهداف، دفع الدولة التركية إلى محاولة تحريك الجمود الدبلوماسي، عبر محاولة فرض هذا القرار الذي يتخطى في تأثيراته حدود التقييد اللوجستي للقوات الروسية في سوريا، إذ يمكن قراءته كإرضاء للدول الغربية المرتابة من موقف تركيا، إضافة إلى إمكانية ترجمته كرد على عدم مراعاة الوجود التركي في شمال سوريا، وتكثيف الغارات الجوية الروسية في أرياف حماه وإدلب.

وبناءً عليه، يمكن التقدير أنَّ الدور التركي في الأزمة بين روسيا من جهة، وأوكرانيا والدول الغربية من جهة أخرى، يتخطّى إطار الحياد الضروري لإنجاح وساطة تنهي عمليات روسيا العسكرية في أوكرانيا، ليحقّق أهدافاً ترتبط بمشروع خارجي تركي، أساسه مجال حيوي يضمن للدولة التركية موقعاً متقدماً في النظام الدولي، وأدواته هي علاقات متشابكة مع أطراف الأزمة.

ولذلك، إنَّ أي اختلال في الموازين الحاكمة لعملية صنع القرار التركي وتفسيراتها لدى الدول المعنية سيؤدي إلى تأثيرات سلبية تحول الموقع التركي من وسيط حيوي إلى مستَهدَف قد يخسر، بفعل سياسة حافة الهاوية التي يمارسها، علاقاته بالدولة الروسية من جهة، وموقعه في حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى