مقالات

يوم القدس العالمي بين بغداد والقدس وطهران

عادل الجبوري

في أكثر من منطقة في العاصمة العراقية بغداد، ارتفعت منذ وقت مبكر لافتات كبيرة تحمل شعار وتصميم يوم القدس العالمي للعام الحالي 2022 “القدس_هي _المحور”، استعداداً لإحياء هذا اليوم الذي يصادف آخر جمعة من شهر رمضان من كلِّ عام، مثلما حدده مفجر الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني قبل أكثر من 40 عاماً، وتحديداً في 13 رمضان 1399هـ/ 7 آب/أغسطس 1979م.

اللافتة الأكبر ارتفعت في ساحة الفردوس وسط العاصمة، التي كان يتوسطها في يوم من الأيام تمثال كبير لرئيس النظام السابق صدام حسين، قبل أن يتحول إلى ركام في اللحظات التي انهار فيها ذلك النظام، واختفى رئيسه، وتشرَّد كبار أركان حكمه في ربيع العام 2003.

لا شكّ في أن الاستعدادات والتحضيرات العراقية المبكرة لإحياء يوم القدس العالمي تنطوي على رسائل مهمة وعميقة، ولا سيما أنها تأتي في خضم ظروف وأوضاع زاخرة بالكثير من المخاطر والتحديات التي تواجه العراق خصوصاً، ودول المنطقة على وجه العموم.

أحد أبرز تلك المخاطر والتحديات هو مشاريع التطبيع مع “إسرائيل”، التي راحت خلال الأعوام القلائل الماضية تتحرك بزخم أكبر، وبوتيرة أسرع، رغم أن معادلات الصراع والقوة لا يتجه أغلبها لمصلحة “تل أبيب” وعواصم دعاة التطبيع ومروجي مشاريعه.

وحين نتحدَّث عن يوم القدس العالمي من زاوية عراقية، فلا بدَّ من التوقف عند بعدين أساسيين، للإحاطة بطبيعة العلاقة بين هذه المناسبة السنوية من جهة، والعراق كمنظومة اجتماعية متنوعة من جهة أخرى، ومغزى أن تجد تلك المناسبة صدى واضحاً وحضوراً كبيراً عند العراقيين.

يتمثل البعد الأول بأنَّ العراق كشعب ارتبط بالقضية الفلسطينية ارتباطاً حميماً وعضوياً في كل مراحلها ومنعطفاتها، بدءاً من يوم الاغتصاب الرسمي لفلسطين في 15 أيار/مايو 1948، مروراً بحروب 1956 و1967 و1973، وما تخللها وتبعها من وقائع وأحداث في العقود اللاحقة، وليس انتهاء بالانتهاكات والتجاوزات والمجازر الدموية التي يرتكبها الكيان الصهيوني هذه الأيام بحق أبناء الشعب الفلسطيني ورموزه ومقدساته الدينية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

لم يكن العراق غائباً أو منزوياً وبعيداً في كل تلك المحطات، بل كان دوماً في المقدمة. وحين نقول العراق، فليس المقصود هنا النظام السياسي والسلطة الحاكمة حصراً، إنما الزعامات الدينية والنخب السياسية والثقافية والفكرية والشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة.

ربما تكون السلطة الحاكمة قد تهاونت أو تخاذلت أو ساومت، ولم تسجل المواقف المشرفة المطلوبة في بعض الأحيان، بيد أن الآخرين سجلوا مثل تلك المواقف لدعم الشعب الفلسطيني ومساندته.

يكفي أن نستحضر هنا الفتوى التاريخية الشهيرة للسيد محسن الحكيم في العام 1967، والتي أجاز فيها دفع الحقوق الشرعية للمقاومة الفلسطينية لمساعدتها على التصدي للكيان الصهيوني. وكان لتلك الفتوى أثر معنوي ومادي كبير في تعزيز جبهة المقاومة.

وإلى جانب المشاركة العسكرية العراقية في المعارك ضد الصهاينة، كان العراق من بين أكثر الدول التي ساهمت في احتضان الفلسطينيين ورعايتهم ومساندتهم سياسياً وإعلامياً، بصرف النظر عن السياسات الخاطئة لنظام الحكم البعثي في العراق خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والتي أضرت كثيراً بالقضية الفلسطينية وأضعفتها، ووفرت المناخات والأجواء الملائمة للكيان الصهيوني ليعزز هيمنته ونفوذه ويتمادى في سياساته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني. وقد ساندته في ذلك قوى إقليمية ودولية، لعل أبرزها نظام الشاه محمد رضا بهلوي في إيران، الذي أطاحته ثورة شعبية قادها الإمام الراحل الخميني في العام 1979.

أما البعد الآخر، فقد تمثّل بخصوصية العلاقة بين صاحب مبادرة يوم القدس العالمي الراحل الإمام الخميني والشعب العراقي، فالإمام عاش في العراق ما يقارب 15 عاماً، ترك خلالها بصمات واضحة على الصعد الدينية والفكرية والثقافية والسياسية، وخلّف أثراً طيباً لدى كل من تعامل معه وعرفه وسمع عنه.

لم يكن الإمام الخميني مجرد باحث عن مأوى وملاذ آمن هرباً من بطش نظام الشاه في طهران حينذاك، بل كان صاحب مشروع عالمي للإصلاح والتغيير، وكانت الساحة العراقية إحدى الساحات التي تحتاج إلى إصلاح وتغيير حقيقيين، إذ برزت أسماء لامعة تصدت لتلك المهمة، لعل في مقدمتها الشهيد السيد محمد باقر الصدر، ومعه ثلة من تلامذته ومريديه ورفاقه في الحوزة العلمية والحركة الإسلامية.

في ظلِّ هذه الأجواء والمناخات، عكف الإمام الراحل على مواصلة مشروعه الإصلاحي التغييري الشامل، الذي يخطئ من يتصوَّر أنه كان يستهدف إطاحة نظام الشاه والاستحواذ على السلطة فحسب. هذا الأمر مثَّل مفردة واحدة من بين مفردات كثيرة في المشروع العالمي الّذي مثلت القضية الفلسطينية أحد أبرز محاوره وأهمها.

ولذلك، لم يكن غريباً أن نجد أنّ إحدى أولى الخطوات التي اتخذها الامام الخميني بعد انتصار الثورة الإسلامية، هي إغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران وجعلها سفارة لدولة فلسطين. وقد ترافقت معها مبادرة يوم القدس العالمي في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك من كل عام، لإظهار أقصى أشكال ومظاهر الدعم والإسناد للشعب الفلسطيني.

وجاءت المرحلة الأخرى في مسيرة العلاقة بين الإمام الخميني والشعب العراقي بعد انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979، وهجرة وتهجير أعداد كبيرة من العراقيين إلى الجمهورية الإسلامية، بسبب السياسات الطائفية والعدوانية الظالمة لنظام حزب البعث حينذاك.

خلال تلك المرحلة، تعمّقت العلاقة وترسّخت إلى حد كبير، عبر الرعاية والاهتمام البالغين اللذين أبداهما الإمام الراحل بالعراقيين المهاجرين والمهجّرين، وتبني قضيتهم وإسنادها بشتى الأساليب والأدوات والوسائل، في الوقت الذي وجد العراقيون في الثورة الإسلامية أملاً كبيراً في إحداث التغيير المنشود في بلدهم. وهنا، شكّلت القضية الفلسطينية أحد أهم وأبرز القواسم المشتركة في علاقة العراقيين مع الإمام الخميني والثورة الإسلامية.

منذ العام 1980 وحتى إطاحة نظام صدام في العام 2003، لم يكن متاحاً للعراقيين إحياء يوم القدس العالمي في بلدهم، بيد أنّهم سجلوا حضوراً فاعلاً ومؤثراً وملموساً في الكثير من المحافل التي كان لهم وجود فيها، مثل أوروبا وأميركا وأستراليا وسوريا، فضلاً عن إيران نفسها.

وقد أطلق العراقيون من خلال الفعالية السنوية ليوم القدس العالمي، وعلى امتداد 23 عاماً (1980-2003)، رسائل مهمة وبليغة وبالغة الأهمية ومؤثرة، عزّزت ورسخت المواقف التاريخية العراقية المختلفة في دعم القضية الفلسطينية وإسنادها.

وبعد إطاحة نظام صدام في ربيع العام 2003، باتت شوارع العراق ومدنه المختلفة ميداناً لإحياء يوم القدس العالمي وإظهار كلّ أشكال الدعم المعنوي والمادي لأبناء الشعب الفلسطيني، الَّذي لا يمرّ يوم من دون أن يشهد نزف دماء زكية وإزهاق أرواح طاهرة بواسطة أدوت التدمير والقتل الصهيوني، وبفعل صمت العديد من أنظمة الحكم الإسلامية والعربية وخذلانها.

ومن الطّبيعي جداً أن تكون مناسبة يوم القدس العالمي من كل عام فرصة لاستذكار الإمام الخميني، كصاحب مشروع إصلاحي تنويري مثلت مدينة النجف الأشرف أحد أبرز محطاته، وكقائد وزعيم ثوري عالميّ نجح بقلب موازين القوى لمصلحة الفئات المحرومة والمستضعفة وضد قوى الشر والاستكبار والاستبداد.

من الطّبيعي جداً أن تكون ثلاثية “العراق – فلسطين – الإمام الخميني” حاضرة في مناسبات مهمة مثل يوم القدس العالمي؛ هذه الثلاثية التي ما زالت تعني الشيء الكثير والكبير بالنسبة إلى العراقيين، الذين تمثل القضية الفلسطينية بكلّ أبعادها وجوانبها قضيّة مقدسة بالنسبة إليهم، لا ينبغي المساومة عليها والتنازل عنها والقفز عليها.

هذه هي الحقيقة الّتي أكّدها وثبّتها ورسّخها الإمام الخميني في حياته، وكذلك بعد رحيله. إنَّ ثلاثية “العراق – فلسطين – الإمام الخميني”، هي في واقع الأمر مرادف لثلاثية “بغداد – القدس – طهران”، التي باتت تشكل مفصلاً حيوياً وفاعلاً من مفاصل جبهة المقاومة.

ولعلَّ هناك 4 مفردات نجدها حاضرة لدى العراقيين، جماهير ونخباً، عند تعاطيهم مع يوم القدس العالمي، هي الإمام الخميني، والوحدة الإسلامية، وديمومة المواجهة، وحتمية الانتصار. كلّ مفردة من هذه المفردات تكمل الأخرى، لتنصهر جميعها في بوتقة واحدة، وتشكّل مفهوماً عاماً ورؤية شمولية.

ولأن الامام الخميني كان القائد الذي صنع ملحمة تاريخية قل نظيرها، ولأنَّه صاحب المبادرة، فمن الطبيعي أن يكون حاضراً بقوة. وما يمنح هذا الحضور قوةً أكبر لدى العراقيين، هو أنَّه عاش بينهم وظلَّ قريباً منهم ما يقارب عقداً ونصف عقد من الزمن، ومن ثم كان في مقدمة الداعمين والمساندين لنضالهم ضد الديكتاتورية والاستبداد والطغيان.

ولعلَّ مجمل رسائل يوم القدس العالمي العراقية انعكست على أرض الواقع في مثل هذه الأيام من العام الماضي، حين اندلعت معركة “سيف القدس” في قطاع غزة ومدن فلسطينية أخرى؛ هذه المعركة التي رسمت الحدود الفاصلة بين مراحل ومواقف وتوجهات مختلفة، وبالتالي شخصت وحددت مسارات جديدة للصراع بين معسكر الكيان الصهيوني ومن معه، ومعسكر يوم القدس العالمي ومن معه. ولا شكَّ في أنَّ بغداد إحدى محطات هذه المسارات، كما هو الحال بالنسبة إلى طهران، والقدس هي نقطة الانطلاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى