مقالات

في فلسطين يُكتب التاريخ مرتين

عماد الحطبة

المشهد الأول: قرية سعوة الأطرش في نقع بئر السبع. الأهالي مستمرون بالاحتجاج على المصادرات الصهيونية لأراضيهم بحجة توسيع الشوارع وزراعة الأحراج. قوات العدو تعتدي على المواطنين، وتعتقل عدداً من الشباب.

المشهد الثاني: مدينة بئر السبع. الشهيد محمد أبو القيعان ينفذ عملية فدائية، فيقتل 4 مستوطنين صهاينة ويستشهد.

المشهد الثالث: وزراء خارجية عرب يلتقون وزيري خارجية الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في مستوطنة “سديه بوكير” في النقب؛ المستوطنة التي سكنها ودفن فيها الإرهابي ديفيد بن غوريون؛ أحد الآباء المؤسسين للكيان الصهيوني، وأول رئيس وزراء له. في الخلفية، يعلو صوت الرصاص قادماً من الخضيرة، ليحول اللقاء إلى مأتم.

المشهد الرابع: “بني براك” في محيط “تل أبيب”. ضياء الحمارشة يتمرد على أمر قياداته، ويعيد تاريخ العلاقة الفلسطينية – الإسرائيلية إلى مساره الصحيح، ويستعيد الأبجدية الأولى للبرنامج الوطني الفلسطيني: “الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين”.

حكاية واحدة تربط هذه المشاهد الأربعة. اسمها فلسطين. إذا نظرنا إلى هذه الحكاية بعيون من اجتمعوا في النقب، سنراها حكاية “عتيقة” أصاب أطرافها الملل من العداوة، فجنحوا إلى السلم. أما إذا ما رأيناها بعيون ضياء الحمارشة، فهي قضية اليوم وغداً، والأمل الذي لا ينقطع بتحقيق النصر والتحرير.

ما يميز قضية فلسطين عن غيرها أن تاريخها كُتب أكثر من مرة. كل من كتب صاغ روايته الخاصة. وللأسف، كان معظم من كتبوا من أعداء فلسطين والمتآمرين عليها. كتب المستعمرون أنها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وكتب الصهاينة أنها “الوطن القومي لكل يهود العالم”، وكتب المستشرقون أنها “أرض الميعاد التي وردت في التوراة”، وكتب المستعربون أنها “تاريخ بطولاتهم وانتصارات جيوشهم”. وسط كل هذه الروايات، غابت الرواية الفلسطينية؛ رواية شعب قُتِل وشُرِّد وتعرض لقمع العدو الصهيوني و”الأشقاء” العرب، وفقد وطنه بالمعنى العام، وأرضه بالمعنى الخاص.

الرواية الحقيقية كُتبت في غرفٍ مغلقة. كتبها المستعمر البريطاني مع العدو وثلة من العرب ممن خانوا أمتهم وقضيتهم. الرواية الثانية كُتبت اليوم في النقب. تغيرت الأسماء. بدلاً من بريطانيا حضرت الولايات المتحدة، وبدلاً من بن غوريون حضرت جثته ممثلة بوزير خارجية الكيان الصهيوني، وجاء أعراب ممن خانوا يمثلهم وزراء خارجية الإمارات والبحرين والمغرب ومصر.

الفارق بين الروايتين ليس زمنياً فقط؛ فالرواية الأولى كانت مأساة عملت على تغيير التاريخ والجغرافيا. أما الرواية الثانية، فكانت مهزلة تحاول بث الحياة في كيان لم تسعفه كل وسائل الإنعاش منذ تأسيسه وحتى اليوم، لكن المهزلة تكون أحياناً أقسى من المأساة، لأنها تحاول ليّ عنق التاريخ وإعادته إلى الوراء بكل ما يتضمنه ذلك من قمع وحشي للواقع.

ما حدث في النقب كان حضيض الخائفين. رغم صراخ المجتمعين حول الخطر الإيراني، فإنه لم يكن سوى ضجيج يطلقه مذعورون يستجدون الدعم من حليفهم. أما القمة الحقيقة، فقد عُقدت في بئر السبع والخضيرة و”بني براك”. في هذه القمة، لم يطلق المشاركون بيانات، ولم يقفوا أمام الكاميرات ليلتقطوا صوراً تكون ذكرى للتاريخ. لقد اكتفوا بصناعة التاريخ… ألقوا ما في جعبتهم ومضوا.

في النقب، حاول المذعورون جمع قواهم وإراداتهم للتغلب على تراجع نفوذ الولايات المتحدة الأميركية؛ داعمهم الأول في المنطقة. شاهدوها تجمع شتات مؤامراتها من أفغانستان والعراق، وتتخلى عن حلفائها الذين يقصفون اليمن، ثم ترضخ عاجزة أمام العملية الروسية في أوكرانيا. لا تكاد تمر ساعة لا يخرج فيها تصريح من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الناتو، تؤكد جميعها عدم الرغبة في مواجهة روسيا، وترك الأمر للمفاوضات التي تسير وفق أهداف العملية العسكرية الروسية.

في النقب، جاء المذعورون على وقع فرض إيران شروطها على الولايات المتحدة في ما يتعلق بالمفاوضات على الاتفاق النووي. ضرب الثبات الإيراني المثال لكل من يواجه صلف الاستعمار، لكنه أثار الرعب في قلب كل من يوالي هذا الاستعمار ويتبعه. لعلهم كانوا يتهامسون فيما بينهم… هل تتخلى أميركا عنّا كما فعلت مع أتباعها من الأفغان والأوكران؟ هل تتركنا فريسة سهلة إذا حانت لحظة المواجهة مع محور المقاومة في سوريا أو لبنان أو فلسطين أو اليمن؟

هم عاجزون عن فهم المعادلة التي فهمها ضياء الحمارشة… ثمن المقاومة أقل من ثمن الاستسلام. لذلك، وضع ضياء صورة الشهيد سمير قنطار في صفحته. أما هم، فختم العلم الأميركي على قلوبهم. رحل ضياء واثقاً يمشي على أرضٍ يعرفها وتعرفه. لم تهتز يداه، ولم ترمش عيناه. أما هم، فترتعد فرائصهم، وترتجف أوصالهم وهم يقفون على أرض تنبذهم وتسعى لطردهم.

لم تكن مصادفة أن يكون طائر الفينيق من بلادنا؛ ففي كل مرة يحاول العدو وعملاؤه قتلنا، ويحتفلون بنثر رمادنا، يتجمع ذلك الرماد وينطلق طائراً من نار ينفث غضبه ناراً تحرق العدو في القدس، أو بئر السبع، أو الخضيرة، أو “تل أبيب”. وإن ضيقوا الخناق علينا، انبثق من بيروت أو بغداد أو دمشق. نحن عصيون على الموت، وهم عصيون على الحياة. وفي المسافة بين حياتنا وموتهم، نعيد كتابة الرواية العربية الفلسطينية كما يجب أن تكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى