مقالات

هل تقتضي مصلحتنا الحياد بين روسيا والناتو؟

عماد الحطبة

“موقفنا تجاه الحرب في أوكرانيا ليس محايداً”. بهذه الجملة، خاطب الدكتور بشار الجعفري، نائب وزير الخارجية السورية، الحضور في ندوة، بوجود السفير الروسي، في اتحاد الكتاب العرب في دمشق. للوهلة الأولى، يبدو تصريح المسؤول السوري متَّسقاً مع علاقة التحالف التي تجمع سوريا وروسيا، وخصوصاً بعد الدخول الروسي على خط الحرب على سوريا في أيلول/سبتمبر 2015، ودعمه الجيش العربي السوري. هذا التصور دفع كثيرين من المحللين إلى اعتبار الدور الروسي العامل الأساسي في الانتصار السوري. لهذا الاستنتاج ما يبرِّره، إلاّ أنه يبقى مبنيّاً على تحليل قاصر يعتمد نظرية النتيجة والسبب، من دون التعمق في الحركة التاريخية، التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه.

المشروع الغربي المعادي لروسيا يعود إلى عام 1999، عندما استغلّ الغرب الوضع الناجم عن تفكك الاتحاد السوفياتي، ونقض تعهداته لميخائيل غورباتشوف، آخر الرؤساء السوفيات، وتوسّع في اتجاه شرقي أوروبا، ليضم بولندا والمجر وجمهورية التشيك إلى الحلف. في الفترة نفسها، كان حلف الناتو يشن حملة قصف على صربيا، ابتدأت في الـ24 من آذار/مارس 1999، واستمرت 78 يوماً، وذلك في سياق ما سُمِّيَ حرب كوسوفو. وكان حلف الناتو امتنع عن الحصول على موافقة أممية لعمليته، بدعوى أن ذلك سيمنح روسيا والصين فرصة في استخدام حق النقض – الفيتو، الأمر الذي سيسمح لهما بالتدخل في عمليات الناتو مستقبلاً.

استمرت حملة توسُّع الناتو في شرقي أوروبا، وفي الوقت نفسه سعى الحلف لفرض سطوته على الأرض من أجل خلق واقع يخدم مصالحه، ويحدّ قدرة أي قوة صاعدة على التأثير في سير الأحداث في عالم القطب الواحد.

في عام 2001، استخدم الناتو المادة الخامسة من ميثاقه، والتي تعدّ العدوان على أي من أعضائه عدواناً على جميع الدول الأعضاء، وقام بإعلان الحرب على أفغانستان على خلفية تفجيرات أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة. قادت ألمانيا وهولندا قوات إيساف التابعة للناتو، والتي شكلت غطاءً لعملية أميركية أودت بحياة 241 ألف أفغاني، وشرَّدت 3.5 ملايين مواطن.

في عام 2003، عادت الولايات المتحدة إلى غزو العراق، وشارك حلف الناتو في العملية تحت مسمى بعثة تدريب القوات الأمنية في العراق. كانت بريطانيا أكبر المشاركين بـ45 ألف جندي، لكن القوة المتعددة الجنسيات ضمت 17 دولة من داخل الناتو، بالإضافة إلى دول من خارجه، بينها أوكرانيا وجورجيا. وتجاوز عدد ضحايا الحرب على العراق مليون قتيل، وارتُكبت في سياقها مجازرُ بشعة، أشهرها ما حدث في الفلوجة، وحديثة، ومجزرة ساحة النسور في بغداد عام 2017، والتي ارتكبتها “بلاك ووتر”، وذهب ضحيتها 17 شهيداً.

بعد الحرب على العراق، قام كولن باول، وزير الخارجية الأميركي، بزيارة لسوريا حمل فيها لائحة مطالب الولايات المتحدة، وتضمَّنت الطلب منها تفكيك حزب الله اللبناني، وإغلاق مقارّ المنظمات التي وصفتها واشنطن بـ”الارهابية”، في إشارة إلى المنظمات الفلسطينية، وإزالة خطر صواريخ حزب الله التي تهدد شمالي “إسرائيل”. رفضت سوريا المطالب الأميركية، وكان موقفها بداية لسلسلة من الإجراءات العقابية ضدها، ابتداءً بقانون محاسبة سوريا عام 2005، وما لحقه من عقوبات وقرارات لمجلس الأمن، وصولا إلى قانون قيصر عام 2016.

في الـ7 من آذار/مارس 2011، صدر قرار مجلس الأمن، الذي يحمل الرقم 1973، والذي سمح بالقيام بعمليات لحماية المدنيين الليبيين. استخدم الناتو هذا القرار من أجل إنشاء تحالف قام بتدمير الدولة الليبية، وارتكب بحق المدنيين أكبر مجزرة مسكوت عنها في التاريخ الحديث. وبحسب تقارير محايدة، بلغ عدد الضحايا من الليبيين نتيجة عملية الناتو 60 ألف قتيل، في حين تشير تقارير الناتو إلى أنه لم يُسجَّل سوى وقوع 43 ضحية مدنية فقط. أمّا الولايات المتحدة فتنكر سقوط أي مدني، وذلك عبر ادعائها غياب تقارير من مصادر محايدة تؤكد ذلك.

بالعودة إلى سوريا، تؤدي قوات الناتو دوراً حاسماً في دعم الجماعات الإرهابية، وتتصدَّر القوات الأميركية المشهد. فهي، بالإضافة إلى دعمها الجماعات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم “داعش”، تقوم بعمليات عسكرية مباشرة ضد الجيش العربي السوري، كما حدث عندما قصفت مطار الشعيرات في الـ4 من نيسان/أبريل 2017، وعبر قيامها أكثر من مرة بقصف مواقع للجيش السوري في محيط مدينة دير الزور. في الوقت نفسه، شاركت ألمانيا، بين عامَي 2015 و2021، بدعم ميليشيات “قسد” الإرهابية وتدريبها، وبعمليات تزويد طائرات التحالف الغربي بالوقود في الجو. أمّا القوات الفرنسية فما زالت موجودة في أربعة مواقع في دير الزور والحسكة والرقة، وهي تساهم بصورة كبيرة في تدريب ميليشيات “قسد” الإرهابية ودعمها. وتشارك بلجيكا والدنمارك وهولندا في تدريب عناصر ما يُسَمّى “الجيش الحر” في معسكرات في الأردن. ويبرز دور بريطانيا، على نحو خاص، في تشكيل منظمة “الخُوَذ البيضاء” الإرهابية وتدريبها. يُضاف إلى كل ما سبق الدور التركي المحوري في دعم العصابات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم “جبهة النصرة”، واحتلال تركيا أراضيَ سورية، وإقامة قواعد عسكرية فيها.

في الخلاصة، نحن، كأمة، نواجه الناتو عسكرياً، وبصورة مباشرة، في ثلاث جبهات، سوريا والعراق وليبيا. ونواجهه، على نحو غير مباشر، في أكثر من جبهة، أهمها اليمن، حيث يقدم الناتو دعماً عسكرياً ولوجستياً إلى التحالف الذي تقودة السعودية، ويرتكب المجازر بحق اليمنيين منذ أكثر من سبعة أعوام. هذه الحروب تسبق كثيراً المواجهتين العسكرية والاقتصادية الحاليتين بين روسيا وحلف الناتو. وبناءً عليه، يستطيع أي مسؤول في محور المقاومة الخروج ليعلن من دون تردد أننا في حالة حرب مع حلف الناتو.

أمّا فيما يتعلق بعدوان الناتو على حلفائنا في إيران وروسيا والصين، فإن موقف محور المقاومة لا يأتي على قاعدة رد الجميل، لكنه موقف مبدئي مبني على وحدة المصير والمصالح التي تجمعنا بهؤلاء الحلفاء منذ بداية العدوان الأطلسي على وطننا. وتكمن مصلحتنا الأساسية في هزيمة حلف الناتو، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، في أي مواجهة سياسية أو عسكرية مع أي طرف كان، فما بالك إن كان هذا الطرف حليفنا؟

لسنا محايدين في الصراع الأميركي – الإيراني. نحن منحازون إلى موقف إيران. ولسنا محايدين في الصراع بين روسيا والناتو، فنحن منحازون إلى الجانب الروسي، بل نعدّ أنفسنا شركاء في المعركة، في بعديها التاريخي والسياسي، لأن الانتصار في هذه الحروب قد يكون فرصتنا في استعادة استقلالنا وسيادتنا الوطنيَّين، بعيداً عن محور الشر الرأسمالي، وعبر شراكة حقيقية مع القوى الصاعدة في العالم، وفي مقدمتها الصين وروسيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى