مقالات

تجربة “هواسونغ 17”.. كوريا الشماليّة تضبط ساعتها على توقيت روسيا

وسام إسماعيل

كثَّفت كوريا الشمالية تجاربها الصاروخية التي وصلت مع التجربة الأخيرة إلى الرقم 10 لهذا العام. وإذا كانت السياسة الدفاعية الكورية الشمالية تستند إلى استراتيجية الردع النووي، عبر ترسانة تقترب من 60 رأساً نووياً، فإنَّ الفعالية العسكرية للجيش الكوري تعتمد في الدرجة الأولى على ترسانة صاروخية يتخطّى مدى باكورتها “هواسونغ 17” 15000 كلم، بحسب الحكومة اليابانية.

وحيث إنَّ العنوان الذي سوَّق له الرئيس الكوري في هذه التجربة مرتبط بمهمة محددة لهذا الصاروخ كرادع قوي للحرب النووية، فإنَّ الواقع الدولي الحالي يفترض قراءة معمّقة للقرار الكوري الشمالي بتكثيف تجاربه البالستية، بالتوازي مع إصراره على توظيف القدرة الصاروخية الكورية في مسائل تتخطّى فكرة ردع أيّ محاولة لإسقاط النظام.

وبعد أن كان الجهد العسكري الكوريّ موجهاً نحو مهمّة تعزيز القوة الدفاعية والهجومية الصاروخية، كسبيل لفرض معادلة تقوم على أن أي محاولة لإسقاط النظام بالقوة العسكرية ستكون دونها أثمان قد تعجز دول الجوار عن تحملها، فإنَّ تحولاً فرضته ظروف الواقع الدولي في منطقة شرق آسيا، معطوفة على الاستراتيجية الأميركية للتعاطي مع هذا البلد، من دون إهمال دور المظلة الدولية التي تؤمّنها روسيا والصين، جعلت النظام الكوري الشمالي يتخطّى عقدة الخوف من إسقاطه.

ولذلك، إنَّ الهدف الذي يسعى الرئيس الكوري الشمالي لتحقيقه من خلال تجاربه البالستية يرتبط بتحديد موقعه في النظام العالمي، أو على الأقل النظام الإقليمي، مستفيداً من التحولات الّتي أرساها القرار الأميركي بالتوجه إلى حدود الصين ضمن استراتيجية أوباما، أو ما عُرف بسياسة الاحتواء، والتي يظهر أنَّ الرئيس الحالي جون بايدن ملتزماً بها، إضافةً إلى التداعيات التي فرضتها العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

يمكن القول إنَّ النظام الكوري الشمالي عبَّر دائماً عن استراتيجيته في كيفية التعاطي مع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الإقليميين، عبر خطاب رئيسه أو ما يصدر دائماً عن ماكينته الإعلامية، بحيث كان يؤكّد دائماً أنَّ خيار التفاوض لتطبيع علاقات الكورية الشمالية مع العالم يستند إلى موقف ثابت لا يقبل التنازل في أيّ ملف سيادي.

لذلك، إنَّ كلّ جولات التفاوض على كلّ المستويات، وصولاً إلى القمّتين الرئاسيتين بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب والرئيس الكوري كيم جونغ أون، لم تؤدِ إلى نتائج تذكر؛ ففي حين سعى الرئيس الأميركي السابق إلى تحقيق خرق شكلي على الأقل مع سلطات بيونغ يانغ، كان الموقف الكوري الشمالي مستنداً إلى أسس مبدئية لا تحتمل المساومة، فالجانب الكوري الشمالي استند في تفاوضه مع دونالد ترامب إلى ضرورة رفع الحظر، جزئياً على الأقل، عن كوريا، مع عدم تقديم أيّ تنازل يخصّ برنامجها النووي قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.

أما بعد انتخاب جون بايدن رئيساً للولايات المتحدة، فإنَّ الرؤية السياسيّة الأميركية التقليدية عادت لتحكم كيفية التعاطي الأميركي مع الملف الكوري الشمالي، بما يمثله هذا الملف من تهديد للولايات المتحدة، بحسب ما تعبّر عنه دائماً الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي، فممارسة الدبلوماسية، بالتوازي مع الردع الشديد، كانت محور إشارة جون بايدن إلى كيفيّة مقاربته الملف الكوري.

وفي تحليل هذه المقاربة، سيستند الرئيس الأميركي إلى إطار من الضّغوط القصوى، عبر التهديد والعقوبات، كسبيل للحدّ مما يشكّله هذا الملف من تهديد للولايات المتحدة وحلفائها، من دون المبادرة إلى محاولة إحداث خرق عبر مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة.

بالنّظر إلى التغيّرات التي طالت النظام الدولي في السنوات الماضية، يمكن التقدير أنَّ المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية في تعاطيها مع الملف الكوري الشمالي تكمن في عدم تحديث سبل مقاربتها لهذا الملف، فالآليات الأميركية المعتمدة في سياساتها الخارجية ما زالت متوقفة عند التحديث الذي كرَّسه انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ إنَّ خيار العقوبات الأميركية أمكن تعميمه في تلك الحقبة، كبديل من الشرعية الدولية وأدوات الأمن الجماعي.

وإذا كان هذا السياق أمكن تطبيقه في مرحلة حكم جورج بوش الأب حتى بدايات حكم بوش الابن، فإنَّ مرحلة ما بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر فرضت مساراً جديداً أمكن من خلاله تقدير ضعف النظام الأحادي الأميركي أو انهياره.

وإذا كان الرئيس الأسبق باراك أوباما تنبّه إلى مستوى التغييرات التي طالت موقع الولايات المتحدة الأميركية في النظام العالمي، فإنَّ الولايات المتحدة الأميركية ما زالت مصرّة على مقاربة الملف الكوري الشمالي، وفق تقدير فَرض قوقعة النظام في دائرة من المحددات التي تعزله عن العالم الخارجي.

وإذا كانت الإدارة الأميركية تستند في ذلك إلى نجاحها في دفع مجلس الأمن سابقاً إلى تبني قرارات تدين السلوك الكوري الشمالي، إضافةً إلى تشريع عدد من كبير من العقوبات عبر قرارات أمميّة، فإنَّها في هذه المرحلة تهمل أثر التفاعلات الدولية التي فرضتها الإرادة الروسية والصينية للتمرّد على الأحادية القطبية.

إنَّ المقاربة المرحلية التي دفعت روسيا والصين إلى تبني قرارات أممية بفرض عقوبات على كوريا الشمالية لم تكن مرتكزة على يقين بضرورة ممارسة ضغوط على النظام بغية إسقاطه، إنما كانت تستهدف حثّه على الامتناع عن إجراء تجاربه النووية. وفي هذا الإطار، أمكن رصد فشل الولايات المتحدة في دفع مجلس الأمن إلى تبني عشرات القرارات الأممية ضد كوريا الشمالية منذ العام 2017.

إذاً، ومن خلال ارتفاع مستوى التجاذبات الدولية بين الشرق والغرب، استطاعت كوريا الشمالية أن تقرأ إشارات ضعف الولايات المتحدة الأميركية، من خلال محدودية تأثيرها في أوكرانيا، وعدم قدرتها على تبني ردّ فعل يوازي مستوى العملية العسكرية الروسية في هذا البلد.

وإذا أضفنا هذا المعطى إلى مستوى الخطاب الصيني الذي طال موقف الولايات المتحدة من تايوان، إذ وصف الدعم المعنوي واللوجستي والمناورات الأميركية في بحر الصين بالأعمال المستفزة، وأصرَّ على أنَّها لن تمنع إعادة ضمها إلى الصين، فإن النظام الكوري الشمالي يسعى لتأكيد موقعه في الساحة الدولية والإقليمية ضمن سياق الأحداث التي تؤسس لهذا التوازن الدولي جديد.

وإذا كان النظام الكوري يخاطر في توقّعه صلابة الموقف الروسي والصيني الداعم له، ويخطط لتجربة نووية تكتيكية قد تثير رد فعل عكسي منهما، إذ إن تجربة العام 2017 النووية كانت سبباً لإجماع نادر في مجلس الأمن، فإنَّ تكرار التجارب الصاروخية الكورية الشمالية وتوتير الأجواء في منطقة بحر اليابان يساعدا في رسم الصورة التي يحاول فلاديمير بوتين تظهيرها، كنتيجة للسياسات الأميركية في العالم.

ولذلك، إن أحد أهداف كوريا الشمالية، من خلال تجاربها الصاروخية، هو محاولة ضبط ساعتها الأمنية والاستراتيجية على توقيت القرار الروسي بتغيير شكل النظام الدولي، عبر عمليته العسكرية في أوكرانيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى