مقالات

ما أفق المواجهة المفتوحة بين روسيا والناتو؟

قاسم عز الدين

أوباما محا أوكرانيا عن خريطة الدول المستقلّة خلال استدارته شرقاً، حين قلبها عام 2014 ضد توازناتها الداخلية المتناقضة وضد أسس استقرارها في محيطها الإقليمي الأوروبي من جهة والأوراسي من جهة أخرى.

تفجيرها بـ”الثورة البرتقالية” عام 2004، لم ينجح في إلغاء التوازنات التاريخية الثقيلة التي عبّر عنها حكم الرئيس يانوكوفيتش (2010 ــ 2014)، لكنه مهّد الطريق بدعم من الاستخبارات الأميركية لانقلاب اليمين المتطرف والطغمة المالية بزعامة الملياردير بيترو بورشينيكو ورئيس حكومته الفاشية أرسيني ياتسينوك الذي ألهب التعصّب القومي الأوكراني ضد ثقافة الأقليات، ولا سيّما شيطنة الثقافة الروسية (منها قطع العلاقة مع الكنيسة الروسية التي دامت 332 سنة والالتحاق ببطريركية القسطنطينية في إسطنبول).

منظمة النازية الجديدة “سفوبودا” التي يعود تاريخها إلى هتلر في اعتباره أصل العرق الروسي جرمانياً ينبغي استعادته من “الهيمنة السلافية”، نمت في “الثورة البرتقالية” فنالت 1,5 في المئة من الأصوات في انتخابات 2010.

 لكنها قفزت إلى 11% في انتخابات الانقلاب عام 2014 إثر “تطعيمها” بجماعات أندريه بيلينسكي “باتريوت أوف أوكرانيا” اليمينية الفاشية وميليشيات القومية الأوكرانية التي موّلتها ودرّبتها “سي آي إيه” للحرب في دونباس، بحسب نقاشات في الكونغرس كشفها تقرير مجلة “جاكوبين” الأميركية 15 كانون الثاني/ يناير 2022، واستولت على وزارة الدفاع وقيادة الأركان ومجلس الأمن القومي وثلاث وزارات أخرى.

حكومة زيلينسكي ترتكز، إضافة إلى دعم الناتو والاتحاد الأوروبي، على ميليشيات النازية الجديدة واليمين القومي المتطرّف التي قامت إثر الانقلاب الأميركي بتطهير الجيش والإدارات الحكومية من المُعادين للفاشية، وارتكبت المجازر ضد سكان مناطق دونباس، ولا سيما قتل مناضلي النقابات العمالية والزراعية ومعادي الفاشية في أوديسا وخيرسون وخاركيف وماريوبول… ولا تزال كتائبها المقاتلة “آزوف وأيدار…” تروّع وتتسلّح بعديد “المتطوّعين” وعتاد الناتو.

بايدن يُشعل فتيل الحرب

العملية العسكرية الروسية أشعل فتيلها بايدن وبوريس جونسون، في أضخم مناورة للناتو منتصف العام الماضي في البحر الأسود، حين اشتركت فيها أوكرانيا مع 31 دولة على مقربة من القرم والحدود الروسية.

تعمّد بايدن التلويح بالحرب في تحليق الطائرات الاستراتيجية قرب الحدود الروسية، وتعمّد جونسون إيغال المدمّرة البريطانية “أتش أم أس” في المياه الإقليمية لميناء سيباستوبول، “رداً على أنشطة موسكو قرب الحدود الأوكرانية”، كما يقول، قاصداً القرم وسيباستوبول.

قبل استنفار بوتين وتهديده بالسلاح النووي إذا تجاوز الناتو “الخط الأحمر” في البحر الأسود أو ضد الأمن القومي الروسي، أقرّ رئيس الأركان البريطاني نيكولاس كارتر بأن أدوات الدبلوماسية التقليدية لم تعد مُتاحة، وبشّر” بنشوب حرب بين الغرب وروسيا”.

إمبراطورية الهيمنة العالمية

أميركا التي أسّسها المستوطنون الأوروبيون على الإبادة العرقية والعبودية، تعتنق في صدارة معتقدات أساطيرها الدينية أسطورة اختيارها “رسالة سماوية” تلقي عليها مهمة توسّع الإمبراطورية “لتطهير الأرض من الشرّ”. (فضلاً عن وثيقة مورتون في مكتبة الكونغرس: “أنات” الكنعانية الإنجليزية، وفضلاً عن مؤلفات هوارد زنّ الأربعين، راجع “تطويع الدين لأهداف إمبراطوية” في كتاب “تلمود العم سام” (منير العكش، دار الريس، 2004).

الإمبراطورية التي توسّعت في المكسيك وفي وراثة إمبراطوريتي بريطانيا وفرنسا وإرث “العالم القديم”، أنشأت لتوسّعها العالمي مؤسسات “الأمم المتحدة” لتدويل منظومتها السياسية والإيديولوجية ونموذجها الاقتصادي والاجتماعي إثر الحرب العالمية الثانية.

على أساس مؤسسات “بريتون وودز” الاقتصادية (البنك الدولي وصندوق النقد)، وعلى أساس “ميثاق الناتو” الذي أنشأه هاري ترومان عام 1949، أنشأ بموازاته في العام نفسه منظمة “الأمم المتحدة” الموكل إليها شرعَنة التوسّع الإمبراطوري وعولمَة النموذج الأميركي ومنظومة القيَم الأميركية بصفتها قيَماً كونية.

ركام هائل من الأدبيات والدراسات والقوانين في الحرية والديمواقراطية والتنمية والسلم العالمي وحقوق الإنسان… إلخ، راكمتها منظمات ومؤسسات “المجتمع الدولي” على مرّ السنين، فتخرج مشغولة بعناية كي تبدو قيَماً مرجعية تصبو إليها الإنسانية جمعاء.

 لكنها اتخذت منظومة اللوبيات الأميركية ونموذجها الفكري والسياسي والاقتصادي، مرجعية تستهدف عالم الجنوب والشرق على وجه التحديد. وفي اللحظات الحرجة تهبّ “الأمم المتحدة” هبّة رجل واحد دفاعاً عن توسّع مصالح الإمبراطورية، من أمينها العام حتى آخر هيئة حقوقية.

تحت تأثير “بروباغاندا” المؤسسات الأميركية والأوروبية ودور حصان طروادة (مؤسسات المجتمع الدولي)، توسّعت هيمنة الإمبراطورية في عالم الجنوب ضد حركات التحرّر (السادات نموذجاً)، طريقاً لتفكيك الاتحاد السوفياتي الذي شرذمَه يلتسين لمصلحة الطغمَة المالية والعصابات المافيوية المرتبطة بمصالح الشركات الأميركية والأوروبية، بدعوى السلام العالمي وأوهام رفاهية النموذج الأميركي (مذكرات مدير مكتب يلتسين وكاتم أسراره سيرغي فيتلانوف).

بتوسّع النموذج الأميركي في عالم الجنوب والشرق، تتوسّع الهيمنة الأميركية التي تستخدم قيَمها ونموذجها الاقتصادي أسلحة غزو فتّاكة. لكن استراتيجية التوسّع الجيوسياسي وعماده الناتو، تبقى أولوية الأولويّات لسيطرة الإمبراطورية على العالم.

التوسّع الجيوسياسي الأميركي، عبّر عنه ضمّ الناتو ثلاثين دولة، بينها 10 دول من الاتحاد السوفياتي السابق، و4 دول من الاتحاد اليوغسلافي السابق، فضلاً عن 21 دولة، منها أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، وبينها دول شرقية سوفياتية سابقة في إطار ما يسمّى “الشراكة من أجل السلام”، إضافة إلى 15 دولة في “برامج الحوار المؤسّسي”، منها جورجيا وأوكرانيا.

 ولا تحقّق أميركا هيمنة الإمبراطورية في “قيادة العالم”، من دون أن يطرق توسّعها الجيوسياسي أبواب موسكو على طريق الوصول إلى بكين.

أوروبا خط المواجهة الجيوسياسية

استراتيجية المواجهة الجيوسياسية لخنق موسكو، صعّدها بايدن على حدود أمنها القومي في دول الاتحاد السوفياتي السابق الأوروبية وفي البلطيق، بالصواريخ القصيرة والمتوسّطة المدى التي تخرق العقيدة العسكرية الروسية القائمة على ردع الصواريخ النووية البعيدة المدى. وهدفه بذلك تهديد الكرملين: أملاً بيلتسين جديد.

صعّدها أيضاً بتدريب الميليشيات الأوكرانية في معارك دونباس، وتزويد أوكرانيا بالأسلحة والتقنيات التي شاركت في مناورات البحر الأسود، بهدف جرّ بوتين إلى حرب استنزاف طويلة في أوكرانيا وإطفاء جذوة نزوعه الأوراسي.

بوتين الذي ينقل خط الاشتباك من البحر الأسود إلى الحدود الأوروبية الأطلسية، يُبادل الناتو حرب الاستنزاف ويبادله تهديد الأمن القومي. فانخراط الاتحاد الأوروبي في حرب الاستنزاف، سواء بالقطيعة الاقتصادية والسياسية أم بالأسلحة و”المتطوّعين” والمساعدات الاقتصادية “والإنسانية”… واستقطاب النازحين، هو حرب استنزاف تزرع ألغاماً متفجّرة في عمق أوروبا، وتغيّر استقرارها الداخلي الذي رست عليه منذ الحرب العالمية الثانية.

معالم تغيير الاستقرار الأوروبي والدول القومية المنضوية إلى الاتحاد، تظهر في أوكرانيا نفسها، حيث ترفض المجر استقبال اللاجئين من غير العرق الهنغاري، وهو خامس أكبر أقلّية أوكرانية، يدعمها زعيم المجر فيكتور أوربان لنيل الحقوق الثقافية ضد التعصّب القومي الأوكراني في “أوبلاست” خاصة غربي أوكرانيا لتوسيع حدود الدولة المجرية.

 بولندا الأكثر حماسة للتدخل العسكري في أوكرانيا، تطمح أيضاً إلى العودة إلى تاريخ صراع الإمبراطوريات القديم، لتوسيع الحدود البولندية إلى غربي أوكرانيا الذي ظل بولندياً حتى ما بعد هزيمة النازية في إنشاء “الجمهورية الأوكرانية الشعبية” السوفياتية.

وعلى غرار اليمين المتطرف في المجر وفي بولندا، يطمح اليمين المتطرّف في الاتحاد الأوروبي إلى إرث تاريخ صراع الإمبراطوريات القديم مع روسيا القيصرية وضدها وبعضهم ضد بعض.

في هذه المتغيّرات الجيوسياسية المحتملَة، لا تخضع روسيا لحرب استنزاف كأفغانستان، ولا تخضع أوروبا لحرب استنزاف كاستنزاف أميركا في فيتنام وأفغانستان بين معادلتي كلفة الاحتلال والخروج للتخلّص من الأعباء.

أوكرانيا النافعة، قُضي أمر استعادتها إلى محيطها الأوراسي ولا تعود إلى انقلاب عام 2014، حتى لو كلّف روسيا حرباً نووية دفاعاً عن وجودها والأمن القومي. لذا يراهن بايدن على إسقاط بوتين في الكرملين بالعقوبات وبالإعداد لانقلاب في موسكو، بمنزلة انتصار في حرب عالمية.

شرقي أوكرانيا الأوراسي، هو أوكرانيا النافعة على امتداد نهر دينبرو حيث زراعة الحبوب من خاركيف إلى خيرسون والغرب من دونيتسك ولوغانسك. وهو مصانع الحديد والصلب والثروة المعدنية والتقنية التي بناها الاتحاد السوفياتي وسكانه أغلبهم من القومية الروسية، ولا وجود لأوكرانيا من دون بقائهم بصفتهم الروسية.

الجنوب خاصرة الناتو الرخوة

أثبتت حرب أوكرانيا أن “التعايش السلمي” لتبادل المنافع في المنظومة الدولية محدود بهيمنة الإمبراطورية الساعية باطّراد إلى التوسّع والسيطرة العالمية، وأثبتت أولوية الناتو الجيوسياسية على تبادل المنافع الاقتصادية والدبلوماسية. فتخلّي أميركا والاتحاد الأوروبي عن المكاسب التجارية والاقتصادية مع روسيا، درس للصين بأن دول الأطلسي تختار أن تتجشّم الخسائر الاقتصادية الباهظة على القبول بأفولها الجيوسياسي.

أثبتت في ساعة الحقيقة، أن تعدّد الأقطاب هو وجود بالقوة وليس بالفعل، كما يقول الفلاسفة. فالمنظومة الدولية ومجتمعها الدولي وأممها المتحدة، كلّها تحت هيمنة الإمبراطورية كالنظام الاقتصادي العالمي ونموذج التوحّش وأيديولوجيته.

ولم يأتِ أكله عبثاً، فقد صنعته الإمبراطورية بتخطيط دؤوب ورؤية جيوسياسية استراتيجية طويلة المدى على الصعيد العالمي، أعلى من تفكيكها بدولة قومية عظمى شريكة للأطلسي أو بدولة عظمى وجهتها دول الأطلسي في الطموح الى المرتبة الاقتصادية العالمية الأولى.

في مؤتمر فالداي عام 2018، هدّد بوتين دول الناتو بالانتحار النووي معاً إذا أصرّت على خنق روسيا، متوقّعاً الذهاب إلى الجنّة وذهابها إلى جهنّم وبئس المصير، بحسب تعبيره. لكن بوتين العظيم يرى العظمَة “عالم الكبار”، أعداءً أو أصدقاء، كما تراها الإمبراطورية حلفاء كباراً وأتباعاً صغاراً.

وبغير النظر بعيون خرافية وحشية تؤدي إلى دمار الكوكب، ليس العالم الطبيعي الحقيقي سوى لوحة فسيفساء من الأحجام الصغيرة والألوان الزاهية. والجداول الصغيرة المعطاءة، تصنع الأنهار الهادرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى