مقالات

الأميركيون في الشرق السوريّ: لصوص وقطّاع طرق

جو غانم

في 20 كانون الأول/ديسمبر 2018، أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عبر صفحته في موقع “تويتر” قراره سحب القوات العسكرية الأميركية من سوريا خلال 100 يوم، لكنّ هذا القرار الذي فاجأ الكثيرين في المؤسسات الأميركية لم يمرّ من دون تداعيات، فقد أعلن وزير الدفاع الأميركي حينذاك، جيمس ماتيس، استقالته من منصبه على الفور، مُتذرّعاً بخلاف في الرأي مع الرئيس. كما أثار القرار موجة شديدة من الشجب والاعتراض في الدوائر الأمنية والعسكرية الأميركية، ومن كبار أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب.

لم يجد هذا القرار طريقه إلى التنفيذ في أيّ حال من الأحوال. وسواء كان ترامب جاداً في إعلانه ذاك أو لا، فقد استطاعت “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة الأميركية أنْ “تُفبرك” الأمر على عادتها، وأنْ تُضلّل ترامب نفسه (كما أقرّ أكثر من مسؤول في البنتاغون لاحقاً)، بادّعاء أنّ عدد الجنود الأميركيين في سوريا لا يتجاوز 500 جندي يقومون بمهمات لوجستية ضروريّة للحلفاء في شرقي سوريا، ولأمن القوات الأميركية في العراق، وفي وجه تنظيم “داعش” الإرهابيّ.

لا تتعلّق علّة وجود قوات الاحتلال الأميركي في سوريا، والتي يتجاوز عديدها 3 آلاف، بأيّة شؤون لوجستية أو تكتيكيّة صرفة، بل إنّ هذه القوات التي أرسلتها إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما في العام 2015، تحت عنوان مكافحة إرهاب “تنظيم الدولة الإسلامية”، تضطلع بأدوار استراتيجيّة تتعلّق بمصالح الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيليّ في المنطقة من جهة، وبمهمّات “لصوصيّة” أميركيّة من جهة أخرى، اعتادت الإمبراطورية الأميركية القيام بها حول العالم منذ عقود طويلة، لتأمين عمليات نهب خيرات الدول النامية والفقيرة، الأمر الذي عبّر عنه دونالد ترامب بوضوح في خطاب له في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، حين أعلن خطّته المتعلّقة بتوزيع حصص النفط السوري، من دون أنْ يأتي على ذكر الشعب السوري، صاحب الأرض والثروات، بكلمة واحدة.

الثابت أنّ وجود القوات الأميركية في الشرق السوريّ لا يستند إلى أيّ تفويض قانونيّ دولي أو محليّ أميركيّ، وهو الأمر الذي أقرّ به المسؤول السابق في إدارة الرئيس باراك أوباما، والمستشار الحاليّ لبرنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدوليّة، بريان فينوكين، في حديث إلى مجلة “فورين أفيرز” مطلع هذا العام، إذ قال إنّ العملية العسكرية الأميركية في سوريا تجري “من دون تفويض، وتقوم على أرضيّة قانونيّة ضعيفة”، لكنّ واشنطن التي تمسك بخناق “المجتمع الدوليّ”، وتدوس على كلّ القوانين والأعراف الدوليّة، موّلت عن طريق الكونغرس عمليات قواتها العسكرية هناك، تحت بند محاربة إرهاب تنظيم “داعش”.

ولاحقاً، ومن دون أدنى حاجة إلى التحايل على الأمر لدى الكونغرس، وسّعت هذه القوات عملياتها، لتبلغ ما أسماه فينوكين “مواجهة الميليشيات المدعومة من إيران والمرتزقة الروس”، مستغلّة البند 51 من ميثاق الأمم المتحدة، المتعلّق بـ”حقّ الدفاع عن النفس”، من دون الاستناد إلى قانون أو بند يفسّر وجود قوات الاحتلال أو كيف تكتسب قوات غير شرعيّة “حقّ الدفاع عن نفسها”.

تقيم الولايات المتحدة الأميركية في الأراضي السوريّة 24 قاعدة عسكرية و4 نقاط تواجد، تتمركز جلّها في منطقة شرقي الفرات والبادية السورية. وتضمّ القواعد المنتشرة في محافظتي الحسكة ودير الزور والبادية نحو 3000 جندي أو أكثر في بعض الحالات، بينما جاء في التقارير التي رُفعَت إلى الرئيس السابق دونالد ترامب أنّ العدد هو 503 جنود فقط. وقد أقرّت المؤسسة العسكرية الأميركية ذاتها بتلك الكذبة.

المراقب لخرائط حضور قوات الاحتلال الأميركي على الأرض السورية يلحظ أمرين أساسيّين، هما تمركزها داخل أو قرب حقول النفط والغاز أو في مواقع استراتيجية تتعلّق بمنع التواصل بين قوى محور المقاومة في العراق والشام، لتكشف تلك الخرائط الأهداف والغايات الأساسية التي قدمت القوات الأميركية المسلحة لأجلها إلى سوريا.

وتُعتبر قاعدة “حقل العمر” في ريف محافظة دير الزور واحدة من أكبر وأهمّ القواعد الأميركية في الأراضي السوريّة. وقد أقيمت في مدينة العمال السكنية التابعة لحقل العمر النفطيّ السوريّ، وهو من أغزر حقول النفطية السوريّة إنتاجاً، وتقوم القوات الأميركية بسرقة نفطه بالكامل. وتضمّ القاعدة مهبطاً للطيران المروحيّ والمسيّر وعدداً من المروحيات القتاليّة ومئات الجنود.

كما تُعتبر قاعدة “الرميلان” من أهمّ القواعد العسكرية الأميركية في البلاد، ويشغلها أكثر من 500 جنديّ أميركيّ. والرميلان بلدة سوريّة تقع في ريف محافظة الحسكة الشماليّ على الطريق بين مدينتي القامشلي والمالكية، وتضم أهمّ وأقدم منشآت النفط السوري في تلك الأنحاء، والتي أقيمت على “حقل الرميلان النفطيّ”. تضم البلدة مطاراً زراعيّاً ومدينة سكنية للعمال. ومن هناك تحديداً، بدأت القوات الأميركية بسرقة النفط السوريّ.

وتلي “الرميلان” قاعدة “المالكيّة” التي تقع على أطراف مدينة المالكية القريبة من الحدود العراقية في أقصى ريف محافظة الحسكة الشماليّ. وإضافة إلى وجود حقول النفط التي تغذي منشأة “الرميلان” القريبة، هناك أيضاً مطار زراعيّ عمدت قوات الاحتلال إلى توسيعه، ليتمّ استخدامه كمطار عسكريّ يستخدم للطيران المسيّر والطوّافات على وجه الخصوص.

أمّا قاعدة “الشدّادي” في ريف محافظة الحسكة، فهي تقع في حقل الغاز المحاذي لمدينة الشدادي النفطية من جهة الجنوب الشرقيّ، ويشغلها أكثر من 350 جندي أميركيّ، وتحوي مهبطاً للطائرات المسيّرة والمروحيّة.

وتقيم قوات الاحتلال الأميركية قاعدة عسكرية في حقل الغاز “كونيكو”، الواقع شماليّ مدينة دير الزور في الشرق السورية، وهو واحد من أهمّ حقول الغاز السورية في تلك المنطقة، كذلك الأمر في “حقل التنك” النفطي في ريف دير الزور، والذي يحوي عدة مروحيات قتالية، ويضمّ أكثر من 50 جنديّاً أميركيّاً، إضافة إلى قاعدة عسكرية في “المدينة الرياضية” على أطراف مدينة الحسكة قرب “سجن غويران” الذي شهد اشتباكات بين عناصر من تنظيم “داعش” الإرهابي وميليشيات “قسد” التابعة لما يسمّى “قوات الحماية الذاتية” الكردية.

وهناك قاعدة “هيموس” الواقعة على بُعد 4 كيلومترات من مطار مدينة القامشلي، وهي تضم أكثر من 350 جنديّاً أميركياً. وقد دُعّمت نهاية العام الماضي بعناصر جديدة، وتضمّ معسكراً لتدريب قوات “قسد”.

أمّا قاعدة “تل بيدر” (غربيّ مدينة الحسكة على طريق منطقة تل تمر) وقاعدة “قسرك” (شرقيّ مدينة تل تمر في ريف محافظة الحسكة)، فتقعان على طريق “أم 4” الدوليّ، وهما قاعدتا إسناد قتاليّ، الغرض الأساسي منهما هو قطع طريق “أم 4” الحيوي على القوات الروسيّة، ومنع توغّلها باتّجاه الحسكة والقامشلي عبر الطريق الدوليّ.

وتتكامل قاعدة “لايف ستون” الواقعة على الضفة الشمالية الشرقيّة لبحيرة سدّ الباسل الجنوبيّ، مع قاعدتي تل بيدر وقسرك في الإسناد وتنفيذ العمليات في ريف الحسكة، وخصوصاً في ما يتعلق بالعمليات على جانبيّ طريق “أم 4”. وتضمّ القواعد الثلاث عدة مئات من الجنود الأميركيين ومروحيات قتالية مع كوادرها الكاملة.

وهناك في ريف دير الزور أيضاً قاعدة “الرويشد” التي تبعد 45 كيلومتراً عن قاعدة حقل العمر، وهي قاعدة إمداد بريّة تقع في مثلث البادية الذي يربط محافظات دير الزور – الحسكة – الرقّة، وتحوي عربات برادلي مصفّحة، وتضمّ عشرات الجنود، إضافة إلى قاعدة “باغوز فوقاني” الواقعة جنوب شرقيّ دير الزور، والتي تضم أقلّ من 50 جنديّاً، تحرسهم قوات “قسد”.

أمّا قاعدة “التنف”، فهي واحدة من القواعد الاستراتيجية المهمة جدّاً لقوات الاحتلال الأميركي، كما لكيان الاحتلال الإسرائيليّ، وهي تقع في منطقة البادية قرب مثلث الحدود السورية – العراقية – الأردنيّة، وهدفها الأساسيّ قطع طريق التواصل بين العراق وسوريا، أي منع قوى محور المقاومة من إقامة جسر اقتصاديّ وعسكريّ حيويّ يصل طهران ببيروت مروراً بالعراق والشام.

وتضم القاعدة مئات الجنود الأميركيين، ومعسكراً لتدريب بقايا ما سمّي “الجيش السوري الحرّ” وباقي التنظيمات الإرهابيّة التي تُطلقها القوات الأميركية في البادية السورية، لتنفيذ عمليات خاطفة ضد قوات الجيش العربي السوري والحلفاء في محور المقاومة.

إذاً، وبناء على خرائط تموضع القواعد والنقاط العسكرية الأميركية في شرقي سوريا وشمالها الشرقيّ، تتكشّف الأهداف الأميركية من هذا الوجود العسكريّ بوضوح تام، فهي تحتلّ آبار النفط والغاز، وتقوم بالسطو على كامل إنتاجها وسرقة إيراداتها عن طريق العراق، ثم إنّها تقطع طريق بغداد – دمشق بهدف إضعاف محور المقاومة ومنع أيّ وحدة تكاملية بين أطرافه، وهو ما يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة ومصالح كيان الاحتلال الصهيوني.

ويكمن ثالث الأهداف التي تظهرها أشكال التموضع تلك في قطع الطريق على الدولة السورية وحليفها الروسيّ، ومنعهم من التمدد باتّجاه المنطقة الشرقيّة. أمّا دعم “قسد” و”حقوق الكرد” ومحاربة إرهاب تنظيم “داعش” (اقرأ: رعاية إرهاب تنظيم “داعش”)، فليسا سوى أوراق تستخدمها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الآنفة الذكر.

قبل اندلاع الحرب على الأرض السوريّة، كانت سوريا تبيع أكثر من 350 ألف برميل من النفط يوميّاً، وكانت حصّة حقول “الرميلان” وحدها تقارب 100 ألف برميل في اليوم الواحد، بينما وصل إنتاج “حقل العمر” النفطيّ إلى 30 ألف برميل يوميّاً في العام 2010.

وبعد أنْ بدأت الميليشيات الكردية باستخراج النفط السوري تحت إشراف القوات الأميركية ولفائدتها، دفعت واشنطن “الإدارة الذاتية” إلى التعاقد غير الشرعيّ مع شركات أميركية لتطوير الحقول ونهب خيراتها؛ ففي العام 2020، رعت الإدارة الأميركية السابقة اتّفاقية وقّعها الكرد مع شركة “دلتا كريسنت إنيرجي” الأميركية، التي تعهّدت بزيادة الإنتاج ليصل إلى حدود 380 ألف برميل خلال 20 شهراً، لتشرعن واشنطن عمليات سرقة النفط السوريّ على طريقتها، الأمر الذي دفع دمشق إلى إطلاق تحذير شديد اللهجة لقوى الأمر الواقع الكردية في الشمال الشرقيّ للبلاد، كما دفع موسكو إلى توجيه اتّهام صريح لواشنطن بسرقة النفط السوريّ في وضح النهار، وخصوصاً بعد أنْ توالت مشاهد الصهاريج الأميركية التي تنقل هذا النفط عبر معابر غير شرعيّة باتجاه العراق خلال السنوات القليلة الماضية.

وفي مطلع هذا العام، وبحسب مصدر مطّلع من داخل منشأة “الرميلان”، قامت القوات الأميركية بتركيب مصفاة لتكرير النفط في حقول الرميلان السورية، تعمل بطاقة 3000 برميل يوميّاً، بينما يعاني الشعب السوري في الداخل من شحّ شديد في مصادر الطاقة، تمنع عنه الكهرباء والغاز المنزلي.

ولم تكتفِ قوات الاحتلال الأميركيّ بسرقة النفط والغاز السوريين، بل عمدت في السنوات الثلاث الأخيرة إلى نهب صوامع الحبوب في مناطق اليعربيّة (تلّ علو) والقامشلي وتلّ براك ونقلها باتّجاه العراق، في عمليّة سطو موصوفة، وتحت أعين السوريين الذين تحاصرهم الإدارات الأميركية منذ سنوات، وتحرمهم الغذاء والدفء والدواء. أمّا ما لم تستطع واشنطن نهبه من حقول القمح، فقد أحرقته في الأرض أمام أنظار العالم كلّه، من دون أنْ تجد من يشجب أو يدين فعلتها في محافل العالم الدولية.

وبعد أنّ حقق الجيش العربي السوري وحلفاؤه في محور المقاومة وروسيا انتصارات كبيرة على الأرض السوريّة، وانتهوا من جبهات كثيرة على امتداد خريطة البلاد، بدأت غرفة العمليات السورية المشتركة بالعمل على الأرض في الشرق السوريّ، وتصاعدت عمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال الأميركي هناك، فقد استقبل “حقل العمر” النفطيّ، كما حقل الغاز “كونيكو”، عشرات الصواريخ والقذائف عبر الطائرات المسيّرة منذ النصف الثاني من العام الماضي.

وبدأت العمليات الهجوميّة ضد ميليشيات “قسد” بالتصاعد في محافظتي دير الزور والحسكة، في إشارة إلى بدء العدّ التنازليّ لإنهاء حالة الاحتلال والنهب في تلك الأنحاء من البلاد، بينما تواصل دمشق إعلان عملها الصريح في هذا الاتّجاه، وصولاً إلى طرد القوات الأميركية، وتحذيراتها القوى الكردية من الدور الخبيث الذي تؤديه لمصلحة المحتل.

وإذ يدرك الشعب السوريّ أنّ الاحتلال زائل لا محالة، وأنّ الموقف العسكريّ الأميركي في سوريا والمنطقة يزداد ضعفاً وتقهقراً لمصلحة سوريا وقوى محور المقاومة، فإنّ حالة الحقد على هؤلاء اللصوص الذي ينهبون خيرات هذه البلاد ويحرمون أهلها من أبسط حقوقهم تزداد يوماً بعد يوم، في الوقت الذي تتبجّح الولايات المتحدة الأميركية بشعارات حقوق الإنسان، وتوزّع الاتّهامات في وجه روسيا والصين وسوريا وإيران، بينما لم تتوقّف يوماً عن القيام بدور اللّص الوقح، وتوزّع جنودها على حدود الدول البعيدة، ليقطعوا الطرقات أمام نهضة الشعوب والأمم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى