مقالات

لماذا تقيس الأمم المتحدة سعادة البشر؟

محمد فرج

لم تكن اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2014م، تشبه ما سبقها. ففي ذلك المؤتمر، لم يحضر روّاد الأعمال ومدراء الشركات الكبرى فقط، وإنما انضم إلى اللّقاء راهبٌ بوذي، يصحبهم قبل بدء وقائع الاجتماعات إلى رحلة تأمُّل وتدريب على تِقْنيات الاسترخاء، ويهمس إليهم، قبل النظر في لوائح العوائد والأرباح والتكاليف المتوقَّعة للأعوام المقبلة: “لا تَكُنْ عبداً لأفكارك”!

لم يكن ماثيو ريكارد راهباً نُخْبوياً فقط، وإنما كان أيضاً عالِماً بيولوجياً يُلقي محاضراته في مؤتمرات TED الشهيرة. إنه، ببساطة، يُقدَّم على أنه أسعد رجل في العالم. فعندما ثبَت 256 مِجَسّاً في رأسه، كانت القراءة استثنائية. فمن قياس يمتد من +0.3 (تعيس) إلى -0.3 (مُنْتَشٍ)، كانت درجة ماثيو -0.45.

كانت دعوة ماثيو إلى مؤتمر الأعمال بمثابة عنصر تهدئة لبيئة الأعمال، وبثّ السعادة فيها. لم يكترث المدراء المستقبليون لقسم السعادة في شركة غوغل لذلك، إلاّ أنهم تنبّهوا لأمر آخر: كيف يمكننا قياس منسوب السعادة لدى العاملين في شركتنا من أجل رفع إنتاجيتهم؟ كيف يمكن لجميع الموظفين أن يكونوا ماثيو؟ (تقدّر مؤسسة غالوب أن الاقتصاد الأميركي يخسر مئات المليارات بسبب تدني الإنتاجية).

كانت تلك فرصة ثمينة للشركات التقنية الحديثة، والتي تعرض منتوجاتها الخاصة، من أجل قياس السعادة والنشاط الدماغي للأفراد والعمل على تحفيزه، وتحديد العناصر التي يمكن الاستعانة بها لتلك الغاية. ومن الممكن أيضاً إرسال التقرير المتعلق بالموظَّف إلى المدير المباشِر، أو مدير السعادة في المنشأة.

لقد تحقَّق الهدف المنشود في جَنْي مزيد من الأرباح عبر مزيد من “السعادة”. الآن، بكل بساطة، تحولت السعادة إلى كيانات مرئية، يمكن تقييمها ووضع علامة لها، وتحديد العناصر والمركّبات اللازمة من أجل تعزيزها!

في الوقت الذي كانت دوافع المنتدى الاقتصادي العالمي، بشأن تصنيف السعادة، واضحةً ومحدَّدة في جني الأرباح ورفع الإنتاجية، لا يبدو التقرير السنوي للأمم المتحدة، في عامه العاشر، كذلك. فمن موقعها، كهيئة دولية معنية بدَوْر ناظم للفضاء السياسي العالمي، لم يُفرد التقرير، المؤلف من 158 صفحة، المِساحةَ الكافية لأثر الحروب والحصار والابتزاز السياسي وسياسات الشركات الكبرى في منسوب السعادة لسكان الدول.

في شقّه الأخير، لم يكن محرر التقرير أكثر من خبير في البرمجة العصبية، يمنح توصياته العلمية؛ تلك التي تقوم على ردّ أسباب التعاسة إلى عناصر داخلية في الأساس، ونقل المسؤولية فيها من العام إلى الخاص، ومن النظام إلى الفرد. فهي تتحدث عن أثر الجينات في السعادة، انطلاقاً من دراسة التوائم.

يناقش التقرير دراسة توائم عاشت في البيئة نفسها، وتوائم أخرى تم فصلها إلى اللحظة التي أُجريت فيها الدراسة. وجد الباحثون أن التوائم المفصولة، والتي يجمعها تقارب جيني أكبر، عاشت مستويات متقاربة من السعادة، على الرغم من تَبايُن بيئاتها، في حين كان التقارب في مستوى السعادة أقلَّ في حالة التوائم التي استمرت في الحياة معاً، وفي البيئة نفسها، لكنّ التقارب في الشيفرة الوراثية بينها كان أقل. خلاصة تستند إلى قوة العامل الجيني في تحديد مستويات السعادة، حتى على حساب البيئة أحياناً.

من دون الاستخفاف بأهمية الدراسات العلمية، التي تتوجَّه إلى المؤشرات البيولوجية، إلاّ أن الأمم المتحدة تنسحب، في ذلك، من الفضاء السياسي (البيئة) لحساب الدراسات الفردية (المهمة علمياً بطبيعة الحال، ومنها دراسة الجينات).

في التقرير تَناسٍ لبنود حسّاسة لا بد منها: عندما تهتزّ منظومة الأمان، تهتز معها المنظومة الشعورية للأفراد؛ الدول التي وقعت تحت الحصار والحرب، وقعت تحت العامل الأثقل وزناً في المقاربة؛ إنها الحرب، حتى الجنود الذين يعودون بسلام، لا يعودون إلى حياتهم الأولى، ولا إلى الهيئة العصبية التي خرجوا فيها إلى المعركة. وكذلك الحال مع الدول التي تعرضت للحصار الاقتصادي، ففيها يصبح الحديث عن المقاربات الثقافية للسعادة، والتشابه بين الجينات، ترفاً محضاً.

لو غابت عن العالم عواملُ الحرب والحصار، والتي استبدّت في شرقي الكوكب أكثر من غربيّه، لَسَنَحت الفرصة في الحديث عن تباينات السعادة بين الشعوب، انطلاقاً من جيناتها أو اختلافاتها الأيديولوجية والفلسفية والدينية، ولكان من الممكن القول إن المواطن الصيني سعيد مع العمل أكثر، لأنه يُشعره بتفاعل أعلى مع الطبيعة، وكان من الممكن القول إن المواطن الأميركي يزداد سعادة مع ازدياد قوته الشرائية.

كيف تقيس الأمم المتحدة السعادة؟

قبل أن تُطْبِق العولمة ظلالها على النظام السياسي، وتحديداً في القرن الثامن عشر، عام 1766م، كان الفيلسوف القانوني، جيرمي بنتام، يبلغ من العمر 18 عاماً، ويبحث عن فكرة مدهشة تؤهّله لإعادة صرخة أرخميدس: “وجدتها”!

في مقهى هاربر في لندن، شعر كأنه التقط فكرة استثنائية: “إن خير أفراد أي دولة وسعادتهم (لم تكن العولمة قد رأت النور بعدُ)، هما المعياران الأساسيان اللذان يجب على تلك الدولة السعي وراءَهما. وأيّ أهداف أخرى هي مجرد تفاصيل”.

قبل أن يبحث بنتام عن أشكال القانون والقرار السياسي للدولة، التي تجلب السعادة لمواطنيها، كان أمام تحدّ كبير، وهو البحث عن أداة لقياس تلك السعادة أصلاً. وفي ظل أدوات القياس المتاحة، كان بنتام يركّز ملاحظته على نبضات قلب الإنسان، على اعتبار أنها تعطي الانطباع العميق بسعادة البشر في الدولة. كان لسان حاله يقول: سوف نجرب أنظمة قانونية، ونقيس بعدها نبض قلوب البشر.

لم تكن الأمم المتحدة، في تقريرها، مضطرة إلى جولة واسعة على نبض قلوب سكان العالم، الذين ازداد عددهم. كما أنها، مع وفرة المؤشرات الحسابية، اعتمدت، بصورة أساسية، على 7 مؤشرات:

1.   الناتج المحلي الإجمالي في معدل القوة الشرائية.

2.    عدد الأعوام التي يعيشها الإنسان، في صحة كاملة.

3.    الدعم الاجتماعي (هل لديك أصدقاء أو أقرباء تستطيع الاستعانة بهم في الأزمات).

4.    حرية الاختيار: هل أنت سعيد بمستوى حريتك في اختيار ما تقوم به في الحياة؟

5.    التبرعات والكرم: هل تبرعت خلال الشهر الماضي لأي منظمة خيرية؟

6.    نسبة الضحك والمتعة والاستغراق في عمل تتعلم فيه شيئاً جديداً.

7.    نسبة القلق والحزن والغضب في يومك.

أن يتربّع مؤشر القوة الشرائية على عرش الحسابات، ففي ذلك إقرار بأن العالم لم يكتب مؤشراته الجديدة بعدُ، لمرحلة ما بعد العالم الأحادي القطب. فثقافة “اعمَلْ أكثرَ لتشتريَ أكثرَ، واشترِ أكثرَ لتَسْعَدَ أكثرَ” تقع في رأس القاموس الأميركي لقراءة سعادة الإنسان (إلى جانب القوة والعنف والسيطرة).

عندما صعد النظام العالمي الأحادي القطب، كان حَيَّد مع ولادته مبدأ الصراع بين الأيديولوجيات والرؤى والمفاهيم والمصطلحات والتعريفات. لذلك، ليس غريباً، مع تبدُّل الأحوال في المستقبل، أن نسمع في اجتماع الهيئة العمومية: “لكن، لحظة، قبل السؤال عن حرية الاختيار، هل سألتم عن الاستلاب وأسبابه؟ هل سألتم كيف يساهم النظام العالمي في تحويل سلوك البشر إلى فعل منزوع الإرادة؟”.

وصل العالم، في أدوات القياس، إلى مرحلة متقدمة عن تجربة بنتام، وفيها يمكن لمِجَسّات الرأس أن تُخبرنا بما لا تخبرنا به اللغة أحياناً، لكنه لم يحدّد بدقة بعدُ أهدافه من نتائج الدراسة. ففي الوقت الذي قرّر المنتدى الاقتصادي العالمي استخدامَ هذه المعرفة من أجل زيادة الإنتاجية، وقررت فيسبوك استثمارها في تعديل الحالات المزاجية، عبر استخدام NewsFeed، إلاّ أن النظام السياسي العالمي، ومعه الأمم المتحدة، لم يستيقظا بعدُ من أجل توظيف النتائج الكارثية لمصلحة إجراء سريع ما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى