مقالات

الخاصرة العراقيّة الهشّة.. الإقليم جزء من الحلّ والمشكلة

عادل الجبوري

لعلَّ واحدة من الحقائق المهمة التي عكسها القصف الصاروخي الإيراني الذي استهدف مقراً لجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) في مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق فجر 13 آذار/مارس الجاري، هي أن أيّ دولة، حين تريد أن تقوم بفعل عسكري أو استخباراتي أو سياسي معيَّن ضد دولة أخرى، لا بدّ من أن تبحث عن نقاط رخوة وخاصرات هشة وجغرافيا قلقة ومضطربة.

قد لا يكون ذلك بالضرورة ضمن حدود الدولة المستهدَفة، بل ربما يكون في مواقع وميادين ومساحات أخرى تتشابك فيها المشاريع والمخططات والأجندات وتتداخل وتتقاطع، كما هو الحال بالنسبة إلى العراق على وجه العموم، وليس إقليم كردستان فقط، مع التأكيد أنَّ الأخير أكثر عرضةً للاختراق والاستهداف من المساحات الأخرى في الجغرافيا العراقية، ارتباطاً بجملة عوامل سياسية وجغرافية وتاريخية وأمنية.

وإذا كانت كلّ الأضواء السياسية والإعلامية تسلَّطت على الضربة الصاروخية لحرس الثورة الإيراني على مقر “الموساد”، فإنَّ القصف الجوي التركي الذي استهدف مواقع لحزب العمال الكردستاني المعارض (P.K.K) في منطقة كاني ماسي التابعة لمحافظة دهوك القريبة من الحدود العراقية – التركية، مرَّ مرور الكرام، ولم يتوقَّف عنده أحد، رغم أنه ينطلق من الأهداف والدوافع والمبررات الإيرانيّة ذاتها، المتمثلة بمواجهة التهديد الذي يستهدف الأمن القومي الإيراني.

ومن الحقيقة المهمّة المشار إليها آنفاً تتفرّع أو تتبلور حقائق ومعطيات أخرى لا بدَّ من الإشارة إليها والتوقّف عندها، حتى تتضح الصورة بكل أبعادها وجزئياتها وتفاصيلها، بعيداً عن السجالات السياسية والإعلامية التي ربما يراد من ورائها خلط الأوراق وقلب الوقائع.

أولى هذه الحقائق تتمثل بأنَّ ما يمكن أن نطلق عليه انتهاك السيادة الوطنية العراقية من قبل بعض جيران العراق، ليس أمراً جديداً، بل يمتدّ إلى أعوام طويلة، إذ ساهم الكثير من الأحداث في تهيئة الظروف والأرضيات للتجاوزات الخارجية، من قبيل الحرب العراقية – الإيرانية خلال ثمانينيات القرن الماضي (1980-1988)، ومن ثم غزو دولة الكويت من قبل نظام صدام في صيف العام 1990، وما ترتب عليه من حرب طاحنة قادتها الولايات المتحدة الأميركية، وأدّت إلى تدمير العراق ومحاصرته وعزله وتجويع شعبه، وبعد ذلك حرب إسقاط نظام صدام في ربيع العام 2003.

وإذا كانت تركيا قد أبرمت مع النظام العراقي السابق في منتصف الثمانينيات اتفاقاً يتيح لقواتها العسكرية الدخول في عمق الأراضي العراقية لبضعة كيلومترات من أجل ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني التركي المعارض، فبعد خروج إقليم كردستان من قبضة النظام، وإنشاء المنطقة الآمنة فوق خط العرض 36 من قبل الأمم المتحدة في العام 1991، باتت القوات التركية تصول وتجول كيفما وأينما تشاء، ثم اتسع نطاق ذلك بعد تطورات العام 2003 ومستجداته.

ولم يكن ممكناً حل إشكالية التدخل والدخول التركي، لأنَّ أنقرة كانت، وما زالت، تتحجَّج بأمنها القومي. وفي الوقت الذي كانت بغداد تطالبها بالتوقف عن انتهاك السيادة الوطنية، كانت، في مقابل ذلك، تحثّ بغداد على وضع حدّ لوجود حزب العمال على الأراضي العراقية، علماً أنَّ الأخير استغلّ متغيّرات الظروف في شمال العراق ليتمدّد كثيراً ويمتلك معسكرات ومقرات في مناطق مختلفة بدلاً من التمركز والتموضع في جبال قنديل الواقعة في المثلث الحدودي العراقي – التركي – الإيراني، ويصبح عنصراً مؤثراً في صياغة معادلات الإقليم.

ربما لا يختلف الأمر مع إيران التي تشكو دوماً تهديدات الجماعات المعارضة لها في إقليم كردستان العراق، من قبيل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني وحركة “كوملة” اليسارية، واستخدامها أراضي الإقليم لتنفيذ عمليات إرهابية في المدن الإيرانية.

وقد اتخذت الأمور أبعاداً أخطر، حين راحت “إسرائيل” تعزّز وجودها الاستخباراتي في كردستان العراق، مستفيدةً من ضعف السلطة المركزية أو غيابها، فضلاً عن علاقاتها الجيّدة نسبياً مع بعض القوى والشخصيات السياسية الكردية.

ومن الطبيعي أن تتحسّس إيران وتقلق من أيّ وجود لطرف معادٍ لها – ولا سيما “إسرائيل” – قريباً من حدودها، سواء من العراق أو من أي بلد أخرى، كأذربيجان. ويتنامى ذلك القلق عندما تستخدم “تل أبيب” أراضي إقليم كردستان منطلقاً لشنّ عمليات معادية لإيران، مثلما حصل في منتصف شهر شباط/فبراير الماضي، عندما انطلقت 6 طائرات مسيّرة من الموقع الاستخباراتي الإسرائيلي الذي قصفه حرس الثورة في أربيل، ووصلت إلى مدينة كرمانشاه الإيرانية، وفق ما جاء في البيان التوضيحي لحرس الثورة حول القصف الصاروخي الأخير.

وثمة حقيقة أخرى باتت مع مرور الزمن معروفة ومفروغاً منها، هي أنَّ هناك علاقات وروابط وطيدة نشأت وتنامت بين “إسرائيل” وأطراف كردية عراقية على امتداد عقود من الزمن، وهو ما تحدثت عنه شخصيات كردية عراقية في مناسبات عديدة، مثل القيادي السابق في الحزب الديمقراطي الكردستاني محمود عثمان، والرئيس الراحل جلال الطالباني في مذكراته الموسومة “خريف العمر”، إلى جانب تصريح الكثير من الشخصيات السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية بذلك، كالَّذي كتبه وزير الدفاع الأسبق موشي ديان في كتابه “أسوار إسرائيل”، فضلاً عما كتبه كتاب وباحثون عرب وأجانب في هذا الشأن، من مثل الكاتب والصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل في كتابه الشهير “حرب الخليج.. أوهام القوة والنصر”.

وقد كان لنظام الشاه محمد رضا بهلوي في إيران دور محوري في مد جسور العلاقات بين “إسرائيل” وكرد العراق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، انطلاقاً من حسابات سياسية معينة ترتبط بطبيعة العلاقات مع نظام الحكم في بغداد، والسعي المستمر لإشغاله بقضايا وملفات داخلية، وهو ما يرد في العديد من الوثائق والكتب التي تتحدَّث عن هذا الموضوع.

وفي ظلِّ التطورات الحاصلة في العراق والمنطقة خلال العقود الأربعة الأخيرة، وجدت “تل أبيب” أنَّ من المهم بمكان استثمار ما بنته من علاقات لتعزيز مواطئ أقدامها في كردستان العراق، كجزء من استراتيجيتها القائمة على التوسع والانفتاح والتطبيع مع دول المنطقة وحكوماتها وشعوبها، فضلاً عن القوى والفعاليات والزعامات والشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية، وخصوصاً مجتمعات الأقليات، مثل الأقباط في مصر، والموارنة في لبنان، والأمازيغ في المغرب العربي، والكرد في العراق.

وكانت الظروف الاستثنائية في العراق، وحضور الولايات المتحدة الأميركية فيه بقوة بعد إسقاط نظام صدام في العام 2003، وارتباك الأوضاع السياسية والأمنية، عوامل مشجعة لتفعيل الوجود الإسرائيلي في العراق عبر الخاصرة الكردية.

ورغم حرص القيادات الكردية على عدم إثارة حفيظة المكونات السياسية والاجتماعية الأخرى في العراق، فضلاً عن بعض جيرانه، وتحديداً إيران، فلم يكن بالإمكان إخفاء العديد من مظاهر العلاقات والمصالح المتشابكة بين الطرفين.

وقد يكون ملفّ بيع النفط المصدّر من الإقليم إلى “إسرائيل” أحد تلك المظاهر، إلى جانب عدم تردّد ساسة “تل أبيب” في التصريح بأهمية وطبيعة العلاقات مع الإقليم وإظهار دعمه، كما حصل بالنسبة إلى الاستفتاء على الانفصال الذي أُجري في 25 أيلول/سبتمبر 2017، والّذي قوبل برفض داخلي وخارجي واسع، إلا “إسرائيل” التي عبّر رئيس حكومتها السابقة بنيامين نتنياهو عن تعاطف كيانه ودعمه للطموحات والتوجهات الانفصالية الكردية، ناهيك بالترويج للتطبيع بطريقة أو بأخرى. ولعلَّ المؤتمر الَّذي عُقد في مدينة أربيل أواخر شهر أيلول/سبتمبر الماضي، تحت شعار “السلام والاسترداد” التطبيعي، خير مثال على ذلك.

ومما قد لا يختلف عليه اثنان، هو أنَّ الخاصرة الكردية الهشّة في الجغرافيا العراقية تشكّلت عبر تراكمات كثيرة جداً، لم يكن للكرد دور في معظمها. على العكس، كانوا ضحايا لها، وقد يكون سعيهم للمحافظة على وجودهم وعدم تكرار التجارب المريرة التي واجهوها سابقاً يجعلهم يبحثون عن مساحات وفرص وتحالفات تعزز ذلك الوجود وتقويه، بيد أنَّ بعض المسارات ربما لا يكون سليماً وصائباً وغير منسجم مع المزاج السياسي والشعبي العام في العراق والمحيط العربي، بحيث إنَّ تلك المسارات تتطلب قراءة أعمق وأدق للواقع ولطبيعة المعادلات والقوى الفاعلة والمؤثرة، والصيغة الأفضل لضمان أعلى مستوى من أمن الإقليم واستقراره وازدهاره.

 كان السفير الإيراني في العراق أيرج مسجدي الذي تربطه علاقات قديمة وجيدة مع معظم الزعامات والشخصيات السياسية الكردية منذ مرحلة المعارضة واضحاً إلى حد كبير في تبيان موقف بلاده، بالقول في تصريحات أدلى بها بعد القصف واتساع الحملات السياسية والإعلامية ضد طهران، “إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحترم سيادة العراق ووحدة أراضيه، والهجوم الصاروخي الأخير على أربيل لم يكن ضد السيادة العراقية، بل استهدف الصهاينة ومركزهم التجسّسي المضاد لإيران. هذا الهجوم يشبه الهجوم الذي نُفذ على قاعدة عين الأسد رداً على اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وهو أيضاً لم يستهدف السيادة العراقية، إنما استهدف الأميركيين الذي نفذوا عملية إجرامية ضدنا في الأراضي العراقية”.

وأضاف مسجدي: “لا يمكن أن نتنازل عن أمننا. لقد نبّهنا وحذّرنا مسؤولي إقليم كردستان مراراً وتكراراً. نريد من العراق أن يمنع نشاط الإسرائيليين الذي يستهدف أمننا، لكن إن لم ينجح، فنحن نقوم بذلك”.

ومن المعروف أنَّ إيران ساعدت إقليم كردستان في مواجهة تنظيم “داعش” الإرهابي في العام 2014. وقد أقرَّت زعامات كردية كبيرة بهذا الأمر. علاوةً على ذلك، هناك مصالح وعلاقات اقتصادية وتجارية جيدة بين الطرفين لها أثر ملموس في مجمل الحراك والنشاط الاقتصادي للإقليم.

ومع الاعتراف الإسرائيلي – وإن كان غير رسمي من خلال وسائل إعلام وشخصيات سياسية وعسكرية – بتعرّض أحد أبرز مقراتها في إقليم كردستان للصواريخ الإيرانية، يصبح لزاماً على حكومة الإقليم التعاطي مع مجمل الموضوع بواقعية أكثر، وأن يكون تعاطيها ضمن التحرك الحكومي في بغداد، وخصوصاً في خضمّ تعالي الأصوات السياسية والبرلمانية والشعبية المطالبة بالوقوف على حقيقة الوجود الإسرائيلي في إقليم كردستان وطبيعته.

لا شكّ في أنَّ مثل هذه الوقائع والأحداث يلقي بظلاله على مجمل المشهد العام في البلاد الَّذي يتسم أساساً بالكثير من الارتباك والتخبّط والفوضى وتقاطع الإرادات والتوجهات، وبالتالي يؤدي إلى المزيد من كلّ ذلك.

في الوقت ذاته، من الخطأ تحميل إقليم كردستان كلّ المسؤولية، باعتبار أنَّ هناك ظروفاً وعوامل وأطرافاً وقوى مختلفة ساهمت بدرجات متفاوتة في تشكّل الواقع القائم في الإقليم، وفي عموم العراق، ما يعني الحاجة إلى إجراءات وترتيبات قد تأخذ وقتاً غير قصير حتى تتبلور نتائجها ومخرجاتها، ويكون الكرد فيها طرفاً رئيسياً للحؤول دون الانزلاق إلى المزيد من الصراعات والمعارك والمواجهات، وبعيداً عن الانسياق أكثر فأكثر إلى دوامة المشاكل والأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى