تقارير

قمم الانهزام العربية ورسائل المقاومة البطولية

الإبــاء/متابعة

في ظرف اسبوع واحد فقط، شهدت المنطقة عقد ثلاثة قمم او اجتماعات رفيعة المستوى، كان للكيان الصهيوني اما حضور مباشر فيها او غير مباشر، بأعتبار ان القضايا والملفات المطروحة على طاولة البحث النقاش، تهم ذلك الكيان، بل انها تشكل صلب اهتماماته وهمومه وهواجسه.    القمة الاولى عقدت في منتجع شرم الشيخ المصري المطل على البحر الاحمر، في الثاني والعشرين من شهر اذار-مارس الجاري، وشارك فيها كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي عهد الامارات محمد بن زايد، ورئيس وزراء الكيان الصهيوني نفتالي بينت.

  اما الثانية، فتمثلت بقمة العقبة الرباعية في الاردن، التي عقدت في الخامس والعشرين من نفس الشهر، بمشاركة كل من رئيس الوزراء العراقية المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي، والملك الاردني عبد الله الثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد الاماراتي محمد بن زايد.

   في حين احتضنت قرية سدية بوكير(كيبوتس)-التي فيها قبر اول رئيس وزراء للكيان الصهيوني بعد تأسيسه عام 1948 ديفيد بن غوريون-بمدينة النقب بفلسطين المحتلة، لقاء سداسيا جمع وزراء خارجية كل من الكيان الغاصب والولايات المتحدة الاميركية ومصر والامارات والبحرين والمغرب، وذلك في التاسع والعشرين من اذار-مارس الجاري.

  الملاحظ على القمم الثلاث، انها جمعت الاطراف المطبّعة مع الكيان الصهيوني منذ اربعة عقود من الزمن، كما هو الحال مع مصر والاردن، والاطراف التي تمتلك علاقات تأريخية عميقة مع اليهود الصهاينة، رغم انها لم تبرم اتفاقيات ومعاهدات سلام مع الكيان المحتل، مثل المغرب، والاطراف التي ابرمت قبل فترة وجيزة معاهدات سلام برعاية واشنطن، مثل الامارات والبحرين، واطراف اخرى يراد جرّها الى سكة التطبيع بأي ثمن، مثل العراق.

هذه نقطة جوهرية ومهمة، عند قراءة خلفيات ودوافع واهداف القمم الثلاث، قراءة موضوعية عميقة ودقيقة، هذا الى جانب حراك متواصل على اعلى المستويات بين عواصم مختلفة خلال الشهور القلائل المنصرمة، اذ ان زيارة رئيس وزراء الكيان نفتالي بينت لابو ظبي في الثاني عشر من شهر كانون الاول-ديسمبر الماضي، ومن ثم زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اليها في منتصف شباط-فبراير الماضي، وغيرها تؤشر الى ان مساعي وجهود حثيثة ومحمومة لرسم معادلات جديدة للمنطقة تكون تل ابيب رقما مؤثرا وفاعلا فيها، وتأسس تلك المعادلات الجديدة على مشاريع خطيرة جدا، من قبيل “الشرق الاوسط الكبير-الجديد”، و”صفقة القرن”، و”الشام الجديد”، وتجعل من الاقتصاد والمصالح الاقتصادية المشتركة بين مكونات المنطقة مرتكزا رئيسيا تقوم عليه تلك المعادلات.

ولكن في واقع الامر هذا جزء-او واحد من الاهداف-والهدف الاهم والابرز، الذي لم يتحرج المشاركون في قمتي شرم الشيخ والنقب من الافصاح عنه بطريقة او بأخرى، الا وهو مواجهة ايران ومحاصرتها وعزلها، او بتعبير ادق مواجهة واضعاف محور المقاومة الذي تتبنى ايران قيادته في مواجهة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الاميركية، وعموم القوى الدولية والاقليمية السائرة ورائهم، ولعل تصريحات رئيس وزراء الكيان الصهيوني، ووزير خارجيته يائير لبيد، وكذلك تصريحات وزير الخارجية الاميركية انطوني بلينكن وساسة عرب مشاركين، كلها تمحورت وانصبت في بوتقة واحدة، لاسيما وان هناك مخاوف وهواجس كبيرة من احتمال نجاح المفاوضات بين ايران والاطراف الدولية، وبالتالي اعادة  احياء الاتفاق النووي الذي تنصلت منه واشنطن في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.

وفي سياق التحشيد والضغط المتواصل على طهران، تتجلى اهمية بغداد في الانخراط بمشاريع التطبيع، ارتباطا بموقع العراق الجغرافي وثرواته الهائلة، وتركيبته الاجتماعية وارثه التأريخي.

بيد ان التساؤل المهم هنا هو، هل ان مشاركة رئيس الوزراء العراقي، سواء كان الكاظمي او غيره، في قمة ثلاثية او رباعية او خماسية، في العقبة او شرم الشيخ او  ابو ظبي، كافيا لدخول او ادخال العراق في متاهات التطبيع المذلة مع تل ابيب؟.    لعل الكثير من التجارب والحقائق والارقام والمعطيات السابقة والراهنة، تؤكد بما لايقبل الشك ان العراق عصي على الاختراق من قبل الكيان الصهيوني وادواته الاقليمية والدولية، رغم ان الظروف بدءا من ربيع عام 2003، وتحديدا بعد الاطاحة بنظام صدام  وما رافقها من فوضى عارمة، بدت مهيئة اكثر من اي وقت مضى لذلك، بحكم وجود الاحتلال الاميركي، وظهور التنظيمات والجماعات الارهابية التكفيرية، كالقاعدة وداعش، واضطراب الاوضاع الامنية والسياسية، وضعف سيطرة السلطة المركزية-الاتحادية على مقاليد الامور في عموم البلد، لاسيما في اقليم كردستان، الذي يتمتع بوضع قانوني شبه مستقل. ان الموقف العراقي، الذي تمثله من جانب المرجعيات الدينية، ومن جانب، القوى السياسية والمجتمعية المختلفة، ومن جانب اخر النخب الفكرية والثقافية، يعكس في ذات الوقت البعدين الواقعي والمبدئي في التعاطي مع موضوعة التطبيع والقضية الفلسطينية هذين البعدين اللذين يرفض دعاة التطبيع والمروجين له والمهرولين اليه قبولهما وتقبلهما.

  واذا كان البعد المبدئي غائبا عنهم، فأن البعد الواقعي حاضرا وبقوة، شاءوا ام ابوا ذلك، وما يؤكد ويثبت حضوره، هو انه في الوقت الذي نرى فيه كبار الزعماء والساسة وصانعي القرار في تل ابيب وواشنطن وبعض العواصم الاخرى في المنطقة، يعكفون على بحث افضل الوسائل والسبل، وتكريس كل الامكانيات والطاقات في كواليس شرم الشيخ والعقبة والنقب وابو ظبي وغيرها، لتمكين وتقوية الكيان الصهيوني واضعاف خصومه واعدائه، نشهد في الجانب الاخر، وتحديدا في داخل العمق الاسرائيلي، المقاومون  الفلسطينيون وهم يوجهون ضربات قاصمة للكيان، وما عمليتي الخضيرة شمال فلسطين المحتلة، وبني براك في تل ابيب، واللتان تسببتها بمقتل وجرح عدد من جنود الكيان، ناهيك عن بث الرعب والفزع في مختلف الاسواط والمحافل السياسية والامنية  والعسكرية الاسرائيلية، الا انعكاسا وتعبيرا حقيقيا عن الواقع في ميدان المواجهة والصراع لا في كواليس السياسة والصفقات.k

 

تقرير/ عادل الجبوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى