مقالات

لماذا اختار الخليج عدم الانحياز في الحرب الروسية الأوكرانية؟

وفاء العم

يجد الخليج نفسه في قلب التوترات العالمية بين موسكو والغرب منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، وتتصاعد حدة النزاع ليطال سوق الطاقة.

وباعتبار الخليج من أكبر مصدّري النفط في العالم، فإنه من دون شك في داخل اللعبة بين كماشة المتنازعين بالسياسية والعسكر والاقتصاد. وعلى الرغم من أن الخليج يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، فإن موقفه إزاء هذه الأزمة العالمية يبدو للمرة الأولى أكثر استقلالية ومفاجئاً لحلفائه، ما طرح العديد من التساؤلات بشأن الأسباب التي دفعت بالخليج إلى تبنّي سياسية عدم الانحياز إلى أيٍ من طرفي الحرب في أوكرانيا، والإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع روسيا، إذ يمكن تسليط الضوء على عاملين أساسيين:

توتر العلاقة مع واشنطن

يسيطر البرود على العلاقة بين واشنطن والخليج منذ وصول الرئيس الأميركي جو بايدن إلى البيت الأبيض، إذ لا يخفي الخليجيون توجّسهم من السياسية الأميركية في ما يتعلق بالتزام الأخيرة بأمنهم واستقرار حكمهم. توجّس يعود في أصله إلى فترة رئاسة الرئيس باراك أوباما، الذي أعلن عن مشروع بلاده بالاستدارة نحو الشرق الآسيوي، والانسحاب التدريجي من الشرق الأوسط، وهو أمر وضع الخليجيين في مواجهة مباشرة مع مخاوفهم الأمنية والجيوسياسية، عزّزها تخلّي واشنطن عن الرئيس المصري حسني مبارك لصالح الثورة المصرية، ومن ثم عن ابن علي في تونس، واندلاع فوضى عارمة على مستوى المنطقة، هذا كله كان بالنسبة إليهم مؤشرات وهواجس.

غير أن صدمة الانسحاب الأميركي المفاجئ من أفغانستان، جعلت الخليج يفكر جدياً في البحث عن بدائل، خصوصاً بعد ما اعتبروه خذلاناً أميركياً لأمنهم في حربهم على اليمن، بعد نجاح حركة أنصار الله في توجيه ضربات عسكرية موجعة للرياض ومنشآتها الحيوية، فضلاً عن وصول الصواريخ اليمنية إلى أبو ظبي، من دون أن تتعامل واشنطن بجدية إزاء هذه الهجمات على حدّ تعبيرهم. يقول الخليجيون إن واشنطن لم تزوّدهم بأسلحة تدفع عنهم الهجمات العسكرية الآتية من اليمن.

بالتوازي، يستقرئ الخليجيون في تحرك الرمال العالمية وتغير موازين القوى انتهاءً لعالم القطب الواحد وبداية لبروز عالم متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه الدول الكبرى النفوذ، ما يسمح لهم بتشبيك علاقاتهم الدولية وتنويعها، وعدم وضع بيضهم كله في سلة الأميركيين. هذا لا يعني طبعاً تخلّي الخليج عن تحالفه التاريخي والرئيسي والاستراتيجي مع واشنطن، ولكن لا بأس بحلفاء آخرين، وعلى رأسهم روسيا والصين، إذ تبدو لافتة المساعي الخليجية للحفاظ على دفء العلاقة مع موسكو والعمل على تطويرها.

برز ذلك خلال المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مع بدء العملية العسكرية في أوكرانيا، حيث أكد ابن سلمان حرص بلاده على الحفاظ على توازن سوق الطاقة، يأتي ذلك في مقابل فشل الضغوط الأميركية على الرياض لزيادة الإنتاج. فشل توّجه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بفشل آخر خلال زيارته للمملكة وأبو ظبي للغرض نفسه.

وليس ذلك فحسب، ففي أوج الاصطفاف الغربي لمحاصرة لروسيا، قام وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان بزيارة لموسكو أواخر الأسبوع الماضي، أكد خلالها تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقة بين البلديين وتعزيز التعاون في مجال سوق الطاقة والأمن الغذائي، ومناقشة ملفات رئيسية حول سوريا واليمن وأفريقيا وليبيا.

زيارة أتبعتها الإمارات بإعلان عودة العلاقة مع دمشق واستقبال الرئيس السوري بشار الأسد في أبو ظبي، ما أثار حفيظة واشنطن التي قالت في بيان لها إنها تشعر بخيبة أمل كبيرة وبقلق من هذه المحاولة الواضحة لإضفاء الشرعية على الرئيس بشار الأسد.

من جانب آخر، وعلى الرغم من أن الخليج يبدو المستفيد الاقتصادي الأول من الحرب الروسية الأوكرانية التي تسببت في ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، فإن من غير المستبعد أن يحاول الاستفادة من هذه الحرب في السياسية أيضاً، ولا سيما في ظل تنامي الحاجة العالمية إلى زيادة إنتاج النفط بالضغط على الولايات المتحدة الأميركية من أجل تزويدها بمزيد من الأسلحة الدفاعية والهجومية التي تستفيد منها في حربها على اليمن، أو بالتوقف عن ملاحقة الخليج، وتحديداً السعودية، في ملف حقوق الإنسان.

وما هو لافت أن إعدام 81  سعودياً مرّ من دون إدانة تُذكر، وربما يتجاوز ذلك السعي إلى انتزاع اعتراف أميركي بسلطة ولي عهد السعودية كحاكم فعلي للمملكة، وخصوصاً في ظل إصرار بايدن على عدم إجراء اتصال مباشر مع ولي العهد محمد بن سلمان، بحجة أن الرئيس لا يكلّم إلا نظراءه.

روسيا شريك رئيسي للخليج في “أوبك بلاس”

تعتبر كل من السعودية والإمارات روسيا الشريك الرئيسي في منظمة “أوبك بلاس”، التي تضم أعضاء المنظمة ودولاً أخرى من خارجها، يُضاف إلى ذلك التطور الملحوظ الذي شهدته العلاقات بين الطرفين، بعد زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لموسكو في عام2017 .

فعلى الصعيد العسكري، وقّعت المملكة مذكرة تفاهم مع شركة (روزوبورن إكسبورت) لتصدير الأسلحة والمنتجات العسكرية التابعة لروسيا الاتحادية، والتي تشمل نقل تقنية صناعة أنظمة صاروخية متطورة ومضادة للدبابات.

وفي عام 2019 حلّ بوتين زائراً في المملكة، وتم خلال الزيارة فتح باب التفاوض لشراء ونشر منظومة صواريخ إس-400 الروسية للدفاع الجوي، هذه المنظومة التي تسبّبت في خلاف بين واشنطن وتركيا التي أصرّت على المضي قدماً في إتمام الصفقة مع روسيا، ما أدّى إلى استبعادها من نظام أف 35 من قبل واشنطن.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد وقّعت روسيا اتفاقاً مع شركة أرامكو السعودية لشراء 30% من أسهم شركة نوفومت الروسية لمعدات النفط، مع استمرار النقاش للتعاون بين شركة غازبروم الروسية وشركات سعودية، إذ لا يبدو أن الخليج يريد خسارة روسيا. باختصار، تبدو المصلحة الخليجية ميّالة أكثر إلى سياسة عدم الانحياز، والحفاظ على علاقة متينة مع روسيا، كما أنها صارت أكثر جرأة في تبنّي خطوات وسياسيات أكثر استقلالية، وفي تنويع شراكاتها الاستراتيجية، ونجاح بوتين في تحقيق أهدافه في أوكرانيا قد يشجّع الخليج أكثر نحو روسيا والصين، مع عدم إغفال ما قد يحمله الموقف الخليجي من محاولة لابتزاز واشنطن بهدف تحصيل بعض الامتيازات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى