مقالات

هل ينهار الاقتصاد الروسي نتيجة العقوبات الغربية؟

عماد الحطبة

يحاول الإعلام الغربي تصوير العقوبات الاقتصادية كأنها الرد الكفيل بدفع روسيا إلى التراجع عن عمليتها العسكرية في أوكرانيا، وأن الأمور قد تصل إلى سقوط الرئيس بوتين نفسه. هذا ما حمله تعليق وزير المالية الفرنسي خلال مناقشة الاتحاد الأوروبي لفكرة حظر روسيا عن نظام سويفت عندما قال: “إن هذا الحظر يعتبر بمنزلة قنبلة نووية اقتصادية”.

فعلياً، تم حظر سبعة بنوك روسية من نظام سويفت، وهي البنوك التي يعتقد الاتحاد الأوروبي أنها قريبة من الرئيس بوتين وتسهم في تمويل العملية العسكرية في أوكرانيا. استثنت تلك العقوبات أكبر بنكين في روسيا، وهما “بنك سيبر” الذي يدير العمليات المرتبطة بـ 50% من تجارة روسيا الخارجية، و”بنك غاز بروم” الذي يُعتبر البنك الرئيسي في التعاملات المالية المرتبطة بالصادرات الروسية من الغاز والبترول.

بحسب الدكتورة أليستر مايلن، أستاذة الاقتصاد التمويلي في بريطانيا، فإن الإجراءات التي اتخذتها الدول الأوروبية في ما يتعلق بنظام سويفت ستضع بعض العصيّ في “دواليب” الدبابة، لذلك فهو إجراء ليس له أثر يُذكر. وأضافت: “إذا أردنا تحقيق نتائج ملموسة، ليس أمامنا سوى خيارين؛ الذهاب إلى الحرب، أو سنّ تشريعات تجرّم التعامل التجاري مع روسيا”.

كلا الخيارين غير ممكن، وهو ما يشدّد عليه زعماء الدول الأوروبية الكبرى، وخاصة المستشار الألماني أولاف شولتز، الذي صرّح بأن قطع إمدادات النفط والغاز الروسيين يعني إفقار جزء كبير من الشعب الألماني. وكانت وكالة بلومبرغ قد قالت إن ألمانيا كانت حجر العثرة في وجه المخططات الأميركية – الأوكرانية لضم “بنك سيبر” إلى قائمة البنوك المحظورة في نظام سويفت.

يسهب المحللون الاقتصاديون في تقديم الدراسات المتعلقة بأثر العقوبات الاقتصادية على روسيا، بما في ذلك حظر الأجواء ومصادرة الأصول الموجودة في الخارج، وتعليق العمل بخط “نورد ستريم 2” . رغم كل هذه العقوبات، فإن أكثر التوقعات تشاؤماً تقدّر أن العقوبات ستؤدي إلى تراجع الاقتصاد الروسي بنسبة 5– 6%، ولا يقدّم هؤلاء المحللون أرقاماً تشير إلى نسب تراجع الاقتصادات الغربية.

بعيداً عن النفط والغاز وأسعارهما، وقد أصبحت قصة معروفة للجميع، ستعاني أوروبا من أزمات في معظم المجالات الاقتصادية. في السياحة توجد دولتان أوروبيتان (إسبانيا 700 ألف سائح وإيطاليا 579 ألف سائح) من بين أكثر عشر دول يقصدها السياح الروس. كما أن عشر دول أوروبية تقع بين أكثر 25 جهة يقصدها الروس باستخدام الطيران. دفع الحظر الجوي للطيران فوق روسيا الكثير من شركات الطيران الأوروبية إلى إلغاء بعض رحلاتها إلى آسيا، وهو ما فعلته شركة الطيران الفنلندية التي ألغت رحلاتها إلى هونغ كونغ ومدينة أوساكا اليابانية، كما اضطرت شركات أخرى إلى تأخير رحلاتها والحصول على طرق جديدة أطول وأكثر تكلفة. انعكست الأزمة على أسعار أسهم شركات الطيران الأوروبية التي انخفضت بنسبة 5– 8%.

سوف يمتد أثر الأزمة إلى القطاعات الغذائية، وخاصة صناعة اللحوم والألبان، والتي تشكل الغذاء الرئيسي في بعض الدول مثل ألمانيا وهولندا. وبسبب نقص توريد الذرة الأوكرانية التي يذهب 80% منها لأعلاف الحيوانات، ونقص القمح والأسمدة الآتية من روسيا، من المتوقع أن ترتفع أسعار هذه المواد بشكل متصاعد مع استمرار الأزمة، وهو ما قصده المستشار شولتز بقوله “غالبية الشعب الألماني ستعاني من الفقر”. هذا الأثر لن يقتصر على أوروبا، بل سيمتد عالمياً، وهو ما حذّر منه ديفيد بيزلي، مدير برنامج الغذاء العالمي، عندما صرّح من اليمن قائلاً: “نعلم أن 283 مليون إنسان يعانون من الجوع، وأن 45 مليوناً منهم تقرع المجاعة أبوابهم… لا يستطيع العالم تحمل أزمة أخرى تزيد من عدد الجائعين في العالم”. وقد أكدت وكالة بلومبرغ هذا الاستنتاج عندما اعتبرت أن البحر الأسود هو أهم الممرات العالمية للحبوب والمحاصيل الزراعية، ومنع خروج هذه المنتجات سيفاقم أزمة الغذاء العالمية.

تُضاف إلى كل ما سبق خسارة المئات من الشركات المتعددة الجنسيات أعمالها وأسواقها في روسيا وأوكرانيا، وهو ما سبّب خسائر بعشرات المليارات لهذه الشركات. والكثير من هذه الشركات أوروبي، مثل نستلة ورينو وبنك سوسييتيه جنرال.

كل هذه الأزمات، مضافاً إليها نقص إمدادات الغاز والنفط، ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وبالتالي، ارتفاع نسب التضخم في الدول الأوروبية التي بالكاد بدأت تتعافى من الآثار الاقتصادية لوباء كورونا. وهو ما عكسته الأرقام الدولية بشأن تراجع الإنتاج العالمي بنسبة 1% خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الأزمة. يمكننا الوصول إلى استنتاج منطقي مفاده أن خسائر أوروبا من الأزمة تعادل، أو تفوق، خسائر روسيا.

على الجانب الروسي، وكما أوضحت الدكتورة أليستر مايلن، بدأت الإدارة الاقتصادية للدولة الروسية باتخاذ إجراءات وقائية لحماية الاقتصاد الوطني منذ عشر سنوات، وأن هذه الإجراءات تسارعت بعد أزمة القرم عام 2014. فقد بادرت روسيا إلى تفعيل نظامها الخاص للدفع الدولي SPFS، وربطه بنظام الدفع الإيراني SEPAM، علماً بأن إيران محظورة في نظام سويفت منذ العام 2012، وفي العام 2019 اكتمل ربط النظام الروسي بنظام الدفع الصيني CIPS، ولاحقاً انضمت الهند والبرازيل إلى النظام الروسي، ووصل عدد الدول التي تستخدمه إلى 180 دولة، وهو يدير حالياً ما يقارب 20% من المعاملات المالية التجارية للحكومة الروسية.

في الفترة نفسها رسّخت روسيا علاقاتها التجارية مع الصين، من خلال التحالف الاستراتيجي الذي تم تأكيده خلال لقاء الرئيسين الروسي والصيني خلال الألعاب الاولمبية الشتوية، وكذلك العلاقات مع الهند وباكستان وإيران بشكل يسمح بإيجاد أسواق جديدة لمنتجاتها.

ما يغيب عن التحليل الاقتصادي البحت، حقيقة مفادها أن المواطنين الروس سيكونون أكثر قدرة على احتمال آثار العقوبات الاقتصادية، وهو ما تثبته أحداث التاريخ الروسي بجلاء؛ فالحرب بالنسبة إليهم تتعلق بأمنهم ووطنهم وجيشهم. تجلّى هذا الموقف الشعبي الروسي في ما أبدته استطلاعات الرأي العام من ارتفاع في شعبية الرئيس بوتين. أما المواطن الألماني والفرنسي والإيطالي فلن يجد مبرراً لسلوك حكوماته، وخاصة عندما ينتهي “السيرك” الإعلامي الإنساني، ويبدأ غلاء الأسعار بالنيل من تفاصيل حياتهم اليومية.

لن تكون العقوبات من دون أثر على روسيا، لكن روسيا أقدر من أوروبا على تحمّل تبعاتها، ولن يمضي وقت طويل قبل أن تجد أوروبا نفسها غير قادرة على احتمال تبعات الأزمة، وقد تضطر إلى مغادرة الموقف الأميركي– البريطاني والسعي إلى هدنة اقتصادية مع روسيا، بغض النظر عن مسارات العملية العسكرية ومآلاتها في أوكرانيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى