مقالات

هل يستغلّ الخليجيون أزمة أوكرانيا للاستفادة من واشنطن؟

عباس الجمري

في الأيام الماضية، ورغم انشغال العالم باحتدام المعارك في أوكرانيا، والتي يعلم الجميع أنها بين روسيا والناتو، وليست بين روسيا وكييف، فإنَّ قادة خليجيين سعوا لاستثمار هذه الفرصة إلى أقصى حدّ يمكنهم الوصول إليه.

وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية يوم الثلاثاء 8 مارس/آذار الجاري أنَّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد رفضا الرد على مكالمة للرئيس الأميركي جو بايدن. وقد نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي وجود مكالمة مرفوضة من الأصل، وجاء المؤتمر الصحافي بعد يوم من نشر الخبر.

هذا الخبر أخذ يتراوح بين التأكيد والنفي؛ فبتاريخ 10 آذار/مارس الجاري، نقلت “رويترز” عن مصدر خليجي سبب رفض ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد التحدث مع بايدن، بالقول: “ليس ثمة مشكلة، لكنهما سيتحادثان في وقت قريب”، مضيفاً: “كان على واشنطن التصرّف قبل الغزو الروسي. الولايات المتحدة كانت تعلم بحدوث أزمة. لذا، كان ينبغي لها أن تحافظ على علاقة ثابتة مع حلفائها”، بحسب “رويترز”. وقد نشرت صحيفة “التلغراف” البريطانية في اليوم نفسه خبراً مفاده أنَّ أميركا تحدثت إلى البريطانيين بشأن عدم تجاوب الخليجيين مع المطالب الأميركية.

وبما أنَّ الخبر أخذ وتيرة المراوحة، وظلّت مصادر تؤكده وأخرى تنفيه، فإننا سنتعامل معه بوصفه غير دقيق، ولا توجد مكالمة مرفوضة من الأصل، والمقاربة الممكنة في هذه الحالة تشير إلى أن الخبر مجرّد تسريب من جهة خليجية، وخصوصاً أن موضوع المكالمة، كما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، مشحون بالطلبات الخليجية.

وبحسب الخبر، كان موضوع المكالمة زيادة إنتاج النفط للتعويض عن النقص الذي سيخلفه قرار الرئيس الأميركي بحظر استيراد النفط والغاز من روسيا. ورغم أن الخطوة، من حيث الدلالة الاقتصادية، رمزية بالنسبة إلى روسيا، فإنَّ دلالتها السياسية ليست بالحجم نفسه، وخصوصاً إذا كان هذا الحظر مقدّمة للضغط على الأوروبيين للقيام بالخطوة نفسها أو على الأقل التخفيف من الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية.

في المقابل، صرّح سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة يوم الأربعاء 9 آذار/مارس أنّ بلاده تفضّل زيادة الإنتاج. ونشرت وكالة الأنباء الرسمية الإماراتية “وام” في اليوم التالي تصريحاً لوزير الطاقة والبنية التحتية سهيل المزروعي، قال فيه: “إنَّ دولة الإمارات تؤمن بالقيمة التي تقدمها “أوبك+” لسوق النفط العالمي، إذ لا يوجد أي اتفاق لزيادة الإنتاج بشكل منفرد خارج اتفاق “أوبك+”، في ظلِّ دعم دولة الإمارات المتواصل لجهود التحالف النفطي والتزامها بهذا الاتفاق”، وهذا التذبذب له دلالاته التي قد نتعرض لها في مطاوي هذا المقال.

رجوعاً إلى الخبر الأول “المختلق”، والذي ورد في صحيفة “وول ستريت جورنال”، عن امتناع ولي العهد السعودي ونظيره الإماراتي عن تلقي مكالمة من الرئيس الأميركي جو بايدن، فإنَّ محمد بن سلمان لديه مطالب أبلغها للأميركيين، تتمثّل بزيادة مساعدته في حرب اليمن للخروج منها منتصراً، ومساعدة الرياض في تدشين مشروع نووي سلمي يستطيع من خلاله منافسة المشروع الإيراني.

وطالب – وفق الصحيفة – برفع القيود القانونية وإسقاط الدعاوى القضائية المرفوعة ضده على خلفية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي بطريقة مروعة في سفارة السعودية في تركيا في تشرين الأول/أكتوبر 2018.

كما أنَّ لولي العهد الإماراتي مطالب تتعلَّق بتأمين بلاده من الضربات الصاروخية التي يقوم بها اليمنيون بين فترات متقاربة، وخصوصاً في الآونة الأخيرة، حين دخلت أبو ظبي بشكل واضح وكثيف في الضغط على جبهة مأرب. إضافةً إلى كلّ ذلك، هناك تخوّفات مشتركة من إحياء الاتفاق النووي الإيراني. لذلك، يطالب القائدان الخليجيان الحليف الأميركي بما أسمياه ضمانات أمنية تضمن أمنهما في حال رجوع طهران إلى المسرح الدولي من دون حظر أو عقوبات.

دلالة التمنّع الخليجي المزعوم

لم يتحدَّث الخلجيون عن الأزمة في أوكرانيا، ولم ينتقدوا صراحة العملية العسكرية لروسيا، رغم الضغط الأميركي، وبدرجة أقل الضغط الأوروبي. وقد قُرئ الأمر في بداية تشكل المواقف العالمية والعربية على أنه محاولة لضبط الإيقاع بين القوى الكبرى، بينما ثمة ما يخبئه وليا العهد السعودي والإماراتي بشأن مصالحهما التي قد تختلف في بعض تفصيلاتها، لكن تتّفق في محاولة التخلص من الساحة اليمينة بطريقة مشرّفة والحصول على ضمانات أمنية، وربما سياسية، بعد إحياء الاتفاق النووي مع إيران.

هذه الحالة الخليجية في لحظة فارقة كلحظة الحرب الدائرة بين روسيا والناتو على الأراضي الأوكرانية، تشي بأنَّ لحاقاً خليجياً يُراد له أن يقطف المكاسب، وإن كانت القدرة على الاستطالة لا تكفي بالوصول للثمرة، فما يفعله محمد بن سلمان ومحمد بن زايد هو رمي النرد على رقعة المجهول، لعلَّ نردهما يختطف مرادهما، وهذا أحد التفاسير.

وثمة تفسير آخر يذهب إلى أنَّ ثمة “غنجاً” في السياسة، كما يوجد “غزل” أيضاً. هذا النوع من الغنج مفاده أن التمنّع الذي نبديه لك يا سيّد البيت الأبيض، إنما يأتي حباً بك، وإيماناً برجولة الكوبوي الذي يمتطي فرس السياسة الدولية ويسرجه بآلته الاقتصادية الضاربة. أيها الكوبوي العتيد، إنما نمتنع عن الرد، لأننا نريد أن نحادثك في أقرب وقت، لكن مع قليل من الاهتمام بنا، والرعاية لنا، والحب والنظر إلينا.

نوع كهذا من الغنج السياسي هو تأكيد على المؤكد: “إننا في بيت طاعتك، وتحت قيموميتك، ورهن إشارتك. وإذا بدر منا قليل من الممانعة، فلا تصدق أنَّها ممانعة تطول في زمنها أو تستطيل في مدّ عنقها إلى غضبك وسخطك وجليل عذاب عقوبتك وحصارك. إنها ممانعة قصيرة مدتها، لا تبحث عن أفق غير أفق عينيك وعرض كتفيك وابتسامة الرضا من صدعيك”.

هذا التفسير يرى أنَّ الحالة الخليجية هي الأقرب إلى حالة كهذه لعدة أسباب:

– هذه الأنظمة صمّمها البريطانيّ بطريقة ذكية جداً، بحيث لا تستطيع أن تعتمد على نفسها. وضمن الأمثلة على ذلك القطاع الأمني، سواء على مستوى الداخلي في هذه البلدان أو الخارجي، بحيث لا تخرج المنظومة الأمنية، سواء سابقاً أو حالياً، عن هندسة القوى المهيمنة، سواء في طريقة العمل أو هندسة السياسات. والأنكى أنّ الخبراء الأجانب ما زالوا منذ تأسيس هذه الأنظمة وحتى اليوم يشرفون على منظومتهم الأمنية.

–  باتت الدول الخليجية أكثر هشاشة من ذي قبل؛ ففي أيام الشيخ زايد والملك فهد والشيخ جابر الصباح، كانت هذه الدول أكثر رسوخاً في التقليد السياسي، أي أنَّ السمت السياسي الذي كانت تنتهجه كان هادئاً، بحيث كان من الصعب الولوج إلى نقاط ضعفها. أما الآن، فقد باتت مكشوفة، بسبب سياسات متهورة عديدة.

وبناءً عليه، من الصعب على هذه الدول تغيير مشغلها. وإذا كان هذا الخيار صعباً، فخيار الاستقلال عن كلّ مشغل أصعب. وبذلك، فهي تدرك حرج اللحظة، وتفضّل البقاء في بيت الطاعة الأميركي البريطاني الذي يقيها من مدلهمات المجهول.

– هناك حيثيّة مستجدّة في الأزمة الأوكرانية، تتمثل بأنَّ سوق الطاقة على مرجل من المتغيرات الجيوسياسية، والذي قد يغير العقلية السائدة في الإمدادات التي تعودت على سياسات “أوبك +” والحصص المعروفة، فاحتمال دخول النفط الفنزويلي والغاز والنفط الإيراني، وتشجيع تركيا “إسرائيل” على مد أنبوب غاز من فلسطين المحتلة عبر الأراضي التركية لأوروبا، وفرضية إغلاق “نورد ستريم 1″، كلها تجعل الرؤية لسوق الطاقة غير ثابتة وغير مستقرة. وأصلاً، هذا هو أحد أسباب ارتفاع أسعارها إلى مستويات قياسية.

ترسيخ التبعيّة لواشنطن

من دلائل البقاء تحت المنظومة الأميركية، وعدم تغير أيّ سياسة من سياسات الخليج، ما جاء في مقابلة محمد بن سلمان مع مجلة “ذا أتلانتك” في 3 مارس/آذار الجاري. ورغم اللغة الجافة تجاه جو بايدن كشخص، فإنّ ولي العهد السعودي يؤكد أهمية العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة.

كما أنّ سؤالاً وُجه إلى وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي مع نظيرته البريطانية يوم الأربعاء 9 مارس/آذار، عن عدم رد ولي العهد السعودي والإماراتي على بايدن، ردَّ بلينكن بلغة بالغة الدبلوماسية: “علاقتنا جيدة. أتواصل دائماً مع نظيري السعودي، ولدينا أعمال مشتركة وكثيرة”.

أما ما ذكره الأمير السعودي في المقابلة نفسها مع مجلَّة “ذا أتلانتك” عن أنَّ إيران بلد جار، وأنه يتطلع إلى العلاقة معها، فإنَّ مثل هذا الكلام ورد في أكثر من مقابلة، منها مقابلة مهمّة بُثَّت على جميع القنوات السعودية في نيسان/أبريل من العام 2021 مع عبد الله المديفر، إذ ردّد الكلام نفسه، وأشاد بـ”أنصار الله”، فهل كان كلامه للاستهلاك الإعلامي؟

لم يكن كلامه للاستهلاك الإعلاميّ، ولعلَّه يريد فعلاً تحقيق تقدم في ملف العلاقة مع إيران. وقد عقدت 4 جولات في بغداد بين وفدي البلدين للتباحث في القضايا العالقة، إلا أنَّ المشكلة تكمن في أن هذه القضايا العالقة ملغومة من الداخل، ويتطلب حلّها أن تظهر السعودية بثوب المخطئ أو المهزوم، وهذا ما يستثقله محمد بن سلمان بشكل كبير، وهناك حديث عن جولة خامسة ستُعقد في بغداد بين الطرفين، لكن لعلَّها ستتأخر بسبب الظروف العالمية الاستثنائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى