مقالات

سوريا والعرب.. زيارة الرئيس الأسد للإمارات وما بعدها

جو غانم

تزامناً مع الذكرى الحادية عشرة لاندلاع الأزمة السوريّة، التي تطوّرت إلى حرب مدمّرة شاركت فيها، بطريقة أو بأخرى، وغذّتها، عشرات الدول، وفي مشهدٍ فاجأ الكثيرين في المنطقة والعالم، وأثار ردود أفعال متباينة ومتناقضة ومشوّشة، رسميّاً وشعبيّاً، على مستوى واسع، ظهر الرئيس السوريّ بشّار الأسد في دولة الإمارات العربيّة المتحدة، مساء يوم الجمعة، في الثامن عشر من هذا الشهر آذار/مارس، مستقبَلاً بحفاوةٍ شديدة من جانب المسؤولين في تلك البلاد.

بدايةً، لم تفاجئ هذه الزيارة عدداً من السوريين والمراقبين المتابعين للحراك السياسيّ الدائر منذ أكثر من عام على هذا الصعيد، فلقد تلقّى الرئيس الأسد دعوة إلى زيارة دولة الإمارات، نقلها وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيّان، حين زار دمشق في التاسع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، في أول زيارة لمسؤول خليجيّ رفيع لسوريا منذ نحو عشرة أعوام، والتي مهّد لها اتّصال هاتفيّ بين الرئيس السوري ووليّ عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، جرى في العشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر الذي سبقه.

في معلومات أوّلية، فإنّ هذه  الزيارة لن تكون يتيمة لمنطقة الخليج، فالأرجح أنْ يُستقبَل الرئيس الأسد بمثل تلك الحفاوة، في بلد عربيّ خليجيّ آخر في المدى المنظور القريب، بل إنّ معلومات متقاطعةٍ (لم يتمّ الجزم بها بعد) تحدّثت عن لقاء جرى في أبو ظبي، خلال هذه الزيارة، بين الرئيس الأسد ومسؤول خليجيّ يشغل منصباً متقدّماً في دولة خليجية كبيرة.

وبالعودة إلى ردود الأفعال، فالأبرز هنا هو التصريحات الأميركيّة التي عبّرت، في مجملها، عن “خيبة أملٍ وانزعاج عميقين من إضفاء الشرعيّة على الأسد”. وهو كلام يُذكّر بالتصريحات ذاتها التي علّقت على المكالمة بين ولي العهد الإماراتي والرئيس الأسد، وعلى زيارة وزير الخارجية الإماراتي لدمشق. وهو كلام يثير بدوره أيضاً، ردود أفعال قد تبلغ حدّ السخرية من واقع السياسة الخارجية الأميركية حول العالم. فقلائل في سوريا والمنطقة عموماً، يُصدّقون أنّ واشنطن بلغت هذا الحدّ من “الغيبوبة”، التي تجعلها لا تسمع ولا ترى ولا تعرف ماذا يجري في الأروقة السياسية لحلفائها الأقربين في المنطقة. كما أنّ من الصعوبة بمكان، تصديق أنّ المجال السياسيّ، الذي بدأت تلك الدول العربية المناورةَ فيه، اتّسع إلى درجة ألّا  تخطر واشنطن في بال الساسة العرب الذين تربطهم بالولايات المتحدة علاقات جذريّة، ويستقبلون قواعدها العسكرية وسفاراتها الفاعلة، سياسيّاً واستخباريّاً، في بلادهم، وخصوصاً أنهم يعملون على مستوى مسألة تخصّ سوريا تحديداً، الدولة التي يقودها رئيس فعلت الولايات المتحدة وجميع حلفائها وأتباعها، كل ما يمكن فعله لإسقاطه، أو عزله تماماً.

 لكنْ، على الرغم من كلّ ذلك، فإنّ القول بموافقة الولايات المتحدة على هذا الشكل وهذا المستوى من التواصل مع دمشق، هو أمر بعيد عن الواقع، فهناك فعلاً معارضة قوية من بعض التيارات المؤثّرة في واشنطن، لعودة سوريا إلى المجالين العربي والدولي. ويمكن القول هنا إنّ ذاك الهامش الذي بدأت الإمارات وبعض الدول الخليجية اللَّعبَ فيه سياسيّاً، وسّعتْهُ تطورات سياسية عالميّة لا يمكن تجاوزها أو غضّ الطرف عنها، فالجميع هنا بدأ يستشعر ضعف الإدارة الأميركية الواضح للعيان، ويتابع الأزمات الداخلية المتصاعدة في الداخل الأميركيّ، ويلمس تراجع نفوذ واشنطن في المنطقة والعالم؛ هذا التراجع الذي ترى عدة أنظمة عربية (وخصوصاً الإمارات والسعودية) أنّه قد يتسبّب لها بكثير من الأذى، إنْ لم تبادر إلى توسيع مروحة علاقاتها ونفوذها مع القوى الصاعدة في المنطقة والعالم. وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ علاقة الدول الخليجية تلك بكيان الاحتلال الإسرائيليّ، تأتي في هذا السياق أيضاً، في محاولة للتعويض عن التراجع الأميركيّ، وكسب نقاط تحسب تلك الأنظمة أنها قد تزيد

في قوتها ونفوذها في المنطقة والعالم. وجاءت الحرب الروسيّة ـ الأوكرانيّة، لتزيد في هذا الوضع العالميّ تعقيداً أمام تلك الدول، وخصوصاً مع ما كشفته عن واقعٍ أميركيّ متخبّط وعاجز عن الفعل المؤثّر، وعن احتمال انتقال الكتلة المالية العالميّة في اتّجاه الصين بصورة خاصة، ودول أخرى تتقدّم نحو الصفّ الأول من المنافسين السياسيين والاقتصاديين في قيادة العالم، والذي لا تقف فيه واشنطن في موقع المهيمن القوي، كما كانت حالها قبل أعوام قليلة.

ولدى الحديث عن الوضع الحالي الذي أوصلَ إلى هذا اللقاء السوريّ ـ الإماراتيّ، يجب أنْ نذكر أنّه، خلال الأعوام الأخيرة من عمر الحرب السوريّة، وبعد جلاء الغبار عن جبهات كثيرة واستراتيجية في الميدان السوريّ، وصعود محور المقاومة في سوريا والمنطقة، عسكريّاً وعمليّاً على وجه الخصوص، وتمدّد النفوذين الروسيّ والإيراني في المنطقة، حاولت الولايات المتحدة استغلال “شعرة معاوية” التي أبقاها الإماراتيون موصولة بدمشق، من أجل تجريب استراتيجية جديدة، بعد فشل مشروع تحويل سوريا إلى دولة فاشلة  لمصلحة كيان الاحتلال الإسرائيليّ.

أرادت واشنطن تجريب سياسة “الترغيب” مع دمشق، وتناست أنّها بدأتها قبل أنْ ترسل أول مرتزق أو إرهابيّ تكفيريّ لقتال الدولة السوريّة، وقبل أنْ يتكبّد السوريون كل تلك الخسائر الفادحة، أو يقدّموا تلك التضحيات الجسيمة، بسبب أنهم رفضوا تلك السياسة تحديداً. وتمثّلت “الإغراءات” القديمة ـ الجديدة بإعادة التواصل الطبيعي مع القيادة السورية، بما في ذلك عودتها إلى شغل مقعدها في الجامعة العربية، وإعادة إعمار سوريا وتعويم اقتصادها، في مقابل القطع مع الحليفة إيران وسائر قوى محور المقاومة، وإبداء الاستعداد للمضيّ في محادثات سلام مع كيان الاحتلال الإسرائيليّ (لم تبلغ الأماني الأميركيّة، في رسائلها تلك، حدَّ وضع طلب “التطبيع” مع كيان الاحتلال ضمن القائمة، أبداً). واعتقد الأميركيون والعرب، في الخليج تحديداً، أنّ المعاناة السوريّة الكبيرة، والخسائر العظيمة التي لحقت بالدولة والمجتمع جرّاء الحرب التي شنّوها على البلاد، قد تدفع دمشق إلى الموافقة على الطلبات الأميركيّة المُزمنة، وهو أمرٌ يستند إليه، ربّما، عدد من المعلّقين العرب على زيارة الرئيس الأسد الأخيرة للإمارات، وهو يكشف عن قراءة ضعيفة للموقف السوريّ المبدئيّ تجاه ملفات كثيرة، على رأسها الحلف مع قوى المقاومة، والثبات على الكرامة الوطنية للدولة السورية، والموقف تجاه العدو الإسرائيليّ.

أمّا الهامش الذي اشتغلت عليه تلك الدول العربية المنضوية في الحلف الأميركيّ (باستثناء دولة قطر)، والذي أتاحته لها علاقتها القوية بإدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، فكان متعلّقاً بتركيا وجماعة “الإخوان المسلمين” من ناحيةٍ أساسيّة. فالتوسّع الاحتلاليّ التركيّ في سوريا، وتمدّد نفوذ أنقرة في المنطقة العربيّة وشمال أفريقيا، أزعجا هؤلاء العرب كثيراً، ليس من منطلق “عروبيّ” بالطبع، بل لأنّ هذا التوسّع يهدّد مصالح تلك الأنظمة واستقرارها، وخصوصاً أنّ أنقرة تعتمد، في جزء كبير من هذا التمدّد، على سيطرتها على “جماعة الإخوان المسلمين” التي تملك رصيداً شعبيّاً مؤذياً لتلك الأنظمة داخل مجتمعاتها. لذلك، كانت الحاجة إلى التواصل مع دمشق، عربيّة على هذا المستوى، لا أميركيّة بحتة. وهي متعلّقة أيضاً بإيران وقوّتها الآخذة في الاتساع في المنطقة، وفي دول عربيّة مؤثّرة وكبيرة، كسوريا والعراق وفلسطين المحتلّة، بالإضافة إلى لبنان  الذي يحتضنّ أقوى جماعة عربيّة مقاوِمة، وهي المقاومة الإسلامية المتمثّلة بـ”حزب الله”.

هذا ناهيك بحاجة دول عربية أخرى (كالأردن ولبنان) إلى التواصل مع دمشق وإعادة العلاقات بها، لأسباب اقتصادية ملحّة جدّاً في الدرجة الأساسية. واستطاع الأردن انتزاع موافقة أميركية على الاستثناء من “قانون قيصر”، وإعادة تفعيل الحركة التجارية بين البلدين، بينما لم يستطع لبنان تجاوز العقدة الأميركية حتى اللحظة.

إذاً، لم يبدأ التواصل العربي مع سوريا البارحة، بل إنّ ما حدث في الإمارات، مساء الجمعة، هو نتيجة حراك حثيث استمر أكثر من عامين. لكنْ، ما هو الجديد في هذه الزيارة؟ وماذا بعدها؟

أوّلاً، تشير معلوماتنا المتقاطعة إلى أنّ حلفاء دمشق (وعلى رأسهم طهران وموسكو) كانوا على علم بالزيارة، بل كانوا ناشطين في هذا الحراك الذي أفضى إلى القمّة السوريّة ـ الإماراتيّة. وإنّ اللقاء جرى ضمن حركة سياسية تشمل عموم المنطقة تقريباً، وتهدف إلى خلق واقع جديد يستطيع فيه جميع الأفرقاء العمل على تصفية بعض الأزمات الخطيرة العالقة، أو حلحلتها، ومنها الوضع في سوريا والعراق ولبنان، والحرب على اليمن، والعلاقات العربيّة ـ الإيرانيّة، وذلك استغلالاً للضعف الأميركيّ في المنطقة، وتراجع قدرة واشنطن على الضغط الحازم في هذه الملفات.

ثانياً، يحاول كيان الاحتلال الصهيونيّ، بمساعدة الحلفاء العرب الجدد (وعلى رأسهم الإمارات والسعودية)، استغلال الوقائع الجديدة في المنطقة والعالم،  من أجل طرح صفقة جديدة  تقضي بمقايضة الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الأراضي العربية، في مقابل “خروج إيران” من سوريا، وانسحاب قوات الاحتلال الأميركيّ من شرقيّ الفرات، وبدء مرحلة “سلام” في المنطقة، تكون فيها “إسرائيل” مقبولة وفاعلة في الإقليم.

يعرف السوريون والحلفاء في طهران كلّ هذا، لكنّ الأكيد أنّ “صفقتهم” تتباين جذريّاً وتتعارض مع الخطط الإسرائيليّة. وأيّ قول غير هذا، ينمّ عن عدم معرفة بمبادئ العاصمتين وثوابتهما، بل بحجم تقديرهما للموقع الذي بلغه محور المقاومة بتضحياته التي لا تقدَّر بثمن.

وفي المعلومات، وبناءً على قراءات مطّلعة أيضاً، فإنّ التواصل مع دمشق وطهران سيأخذ منحىً تصاعديّاً في المرحلة المقبلة، وقد يُفضي هذا الحراك إلى وقف الحرب في اليمن، وعودة العرب إلى سوريا، وحلحلة الأوضاع في لبنان، لكنّ خروج قوات الاحتلال الأميركيّ من الشرق السوري هو نتيجة تعمل عليها دمشق ومحور المقاومة، بغضّ النظر عن أيّ خطط عربية أو غيرها. أمّا “خروج إيران” من سوريا، فهو أمر سيصطدم به كلّ المتقدمين بصفقات جديدة ومغرية، فلا جيش لإيران في الأراضي السوريّة، ولا وجود لمجرّد شُبهة في دمشق، بشأن تغيير مستوى العلاقات بالحلفاء الاستراتيجيين، وعلى رأسهم طهران.

إنّ موضوع “عودة سوريا إلى محيطها العربي”، هو واقع مقبل بسرعة، ويتّكئ على حاجة عربيّة ملحّة، بحيث يرى هؤلاء أنّ في استطاعة دمشق أنْ تؤدّي دوراً أساسيّاً مهمّاً في عدد من الملفات المفيدة لهم، والمتعلقة بالأمن القوميّ العربيّ، والعلاقة بإيران وروسيا، وتحجيم النفوذ التركيّ. وهذا كلّه سيقود إلى مشهد جديد في الفترة القريبة المقبلة، بحيث سيظهر الرئيس السوريّ بشار الأسد في مطارات عربية جديدة، أقربها الرياض والقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى