مقالات

السودان.. مرجل الغليان الذي لا يهدأ

محمد المحجوب

يعيش السودان منذ 3 سنوات في دوامة مستمرة من التظاهرات والإضرابات والاضطرابات. كرّ وفرّ يمتد على ساحات العمل العام. أسماء تظهر وأخرى تختفي بسرعة. وساطات تمدّ ومبادرات تمتدّ، ولا حلّ يظهر في الأفق، وما يطرح من حلول يجد المعارضين قبل المؤيدين… فما السبب، ولمَ لا يهدأ السودان؟

ماذا يحدث، حسناً ماذا حدث أولاً؟

حسناً، مما لا ملل منه التذكير بثنائيات الأمور في السودان، ثنائيات قطبية تصنع حقلاً ممغنطاً من الجاذبية والانحياز: وطني وأمة، إخوان وشيوعيون، مدنيون وعسكريون، غرب وشرق، بل وحتى هلال ومريخ!

هذه الثنائيات لطالما تلاعبت بمصير السودان، بدءاً من عصر الحكم الاستعماري، مشكّلة حاجزاً أمام أي تفكير بتجديد المسرح السياسي في السّودان، حتى الثنائية التاريخية في علم السياسة والأيديولوجيات من يمين ويسار لا تنطبق بمفهومها المجسم على السّودان. ولأنّ “البنية التحتية”، بكلمات كارل ماركس، للمجتمع في السودان هي بنية قديمة عصية على التغيير إلا باللتا واللتيا، فالفشل سيكون مصير كلّ الأفكار المستوردة من دون إضفاء نوع من “السودنة” عليها.

السيرك الإعلامي المنصوب حول السودان زاد من تفاقم الأوضاع، ووصل ببعض الحالمين إلى مقارنة الوضع الحالي بذلك القائم حالياً في دولة كأوكرانيا، وما أبعدها من مقارنة، غير أنها تكشف عمق أزمة الفهم لدى بعض المثقفين والإعلاميين، أزمة تتجلى في جهل شبه كلي بما يتعلق بالسودان، أرضاً وإنساناً، جهل عمقه تعتيم إعلامي مزدوج ومركب من طبقتين، أداء داخلي حبيس ومتواضع، وخارجي موجه وسلبي، فلا يمكن لكل الثورات أن تغير انطباعاً سلبياً رسمته عقود من الغياب الدبلوماسي والإعلامي وحروب طاحنة وأزمات إنسانية في 3 سنوات، حتى كأس العالم يحتاج إلى 4 سنوات ليطويه المتابعون من اهتمامهم، ولو جزئياً، ناهيك بثورة أطاحت نظام فرض سيطرته عبر 30 سنة مضت.

جمود صامت.. وزلزال خارج التغطية

في كلّ الأحوال، ما زال المشهد كما هو، وخفتت الأخبار والعواجل الآتية من بلد المليون ميل سابقاً، ربما بسبب أوكرانيا، ربما بسبب غيرها، غير أنَّ الحاصل هو انحسار المستجدات، في ظل جمود يحكم الموقف؛ جمود وضع الرياضيين المتمرسين في ركوب موجات الرأي العام في وضع لا يحسدون عليه، فلا بد من معطيات لممارسة نوع من التحليل، أليس كذلك؟

حسناً، ليس تماماً، فالصمت لا يعني الجمود دائماً. منذ مطلع مارس/آذار الجاري، وعلى امتداد أسبوعين منه، خرجت تظاهرات متفاوتة في العاصمة وبعض الولايات، بينما عاد الطابع الرئيسي والسمة الأصيلة للاحتجاجات التي أججت شرارة الغضب الاجتماعي منذ 3 سنين للظهور مجدداً؛ طابع عفوي يحركه العامل نفسه الذي حرّك ثورات السودان منذ العام 85: الغلاء!

من عمق البؤس، اجتمعت الأزمة الطاحنة المستمرة منذ صيف 2018م، الناتجة من تطبيق غير مباشر لبرنامج خصخصة مبالغ بطموحه أصاب دوائر الدولة بالشلل، مع أزمات الثورة والثورة المضادة، ثم أزمة كورونا، وأخيراً أزمة أوكرانيا التي سددت لكمة قاضية إلى قطاع القمح؛ المكون الأساسي للسلعة الأساسية في بلد مستهلك كالسودان: الخبز!

الخبز ذاته الّذي تسبّبت زيادة سعره، إضافةً إلى زيادة سعر “سندويشة” الفلافل البسيطة الشعبية، في مقصف المدرسة الصناعية في مدينة عطبرة العمالية خريف 2018م بالدحرجة الأولى لكرة الثلج التي تضخّمت لتطيح نظام “الإنقاذ” بعد شهور قليلة، الخبز ذاته يتم اليوم التحرك تدريجياً من قبل قطاع الإنتاج والاستيراد المحلي لإيصال القطعة الواحدة منه في المخابز، البلدية منها والحديثة، إلى 50 جنيهاً (يعادل 12 سنتاً أميركا تقريباً)، وسط استهلاك مرتفع للخبز، وجوانب متصاعدة لرأسمالية متوحشة تمثلت برفع الدعم نهائياً عن الخبز، وشيء من “السمسرة” غير المباشرة والمضاربة في الأسعار، وتهريب وتوزيع لبعض حصص المخابز المخصصة للخبز إلى مخابز الحلويات وغيرها، ما جعل توفير وجبة الغداء الرئيسية لأسرة متوسطة مكونة من 4 أفراد مهمة لا تخلو من الهموم.

وإذا ردّدنا مع ماري أنطوانيت جملتها الأثيرة: “فليأكلوا الكعك إذا!”، فليس هناك أموال كافية في جيوب الناس، بعدما وصل سعر قنينة الزيت المحلي إلى 2000 جنيه (تقريباً 10 دولارات) في بلد يعيش نصف سكانه تقريباً على دخل يوميّ يبلغ أقل من دولارين، إضافةً إلى كيلو اللحم الذي يقترب من حاجز 4000 جنيه (يقارب 6 دولارات) والذي اختفى من موائد الكثيرين في بلد يحوي 10 ملايين رأس من الثروة الحيوانية، وكذلك السكر، ذلك الذي أشعل ثورات في ما مضى من تاريخ البشرية، يشتعل سعر الكيلو منه ليقترب من 800 جنيه.

ويمتدّ الغلاء إلى المكون الأهم والطعام الأساسي: الفول المصري، الذي يقترب سعر القيراط الواحد منه إلى حاجز 10000 جنيه، فيما إذا قررت اتباع حمية غذائية، فمن الضروري معرفة أن غلاء الأسعار ضرب قطاع الأدوية كذلك، بعد أن وصلت أسعار أخف الأدوية من الإنتاج المحلي إلى 300 جنيه للعلبة.

وبعد الصدمة التي تصيب القارئ، تقرر العودة إلى المنزل، فتتذكّر زيادة تعرفة المواصلات لتصبح أدنى أجرة 100 جنيه يثقل كثير من ركاب المواصلات (أغلبهم طلبة جامعيون) بعبئها، والسبب أزمة الوقود الحادة التي رفعت بدورها سعر ليتر البنزين إلى قرابة 600 جنيه، ثم بعد ذلك كلّه تصل إلى البيت، لتسمع بزيادة مجنونة في إيجارات المنازل، التي تتسبب السمسرة غير المنظمة بوصول إيجار الشقق الشهري إلى 100,000 جنيه وأكثر، بينما تتكدس العقارات الفارغة بتناقض جلي من تناقضات الوفرة الرأسمالية.

كل هذا ولم تنزل تداعيات أزمة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وهما البلدان المتصدران قائمة مصدّري الزيوت والقمح في العالم، لم تنزل بعد بشكلها المكثف على السوق. ولزيادة الطين بلة، يقترب شهر رفع الأسعار السنوي “شهر رمضان الكريم” من الحلول. كل هذا وأكثر أقصى عديد الأسر من عداد الطبقة المتوسطة نحو أسفل المؤشر، فيما تحتفظ النخبة الحاكمة بامتيازاتها الإرثية في غالبها.

كلّ المأساة المكتوبة أعلاه، والتي تتكفل بإخراج أكثر الشعوب هدوءاً وعقلانية إلى الشارع، برغم مشابهتها لأزمات المنطقة المزمنة، إلا أن أمرين يجعلان ألمها أشد وطأة: غياب التغطية الإعلامية، وهذا هين نوعاً ما، والأسوأ: السلاح، فهناك دائماً خطر السلاح، سلاح نظامي، وسلاح غير نظامي، سلاح خفيف، وأخف، وثقيل، محمول ومثبت، سلاح في كل مكان، سلاح بلا حرب، توتر يجعل من المحافظة على هدوء الأعصاب مهارة مطلوبة، وخصوصاً في مجتمع غالبيته (وفق قاعدة 20/80) من الشباب والمراهقين الذين اكتووا بلهيب أزمات ولدت قبلهم، ولم يعرفوا حلاً لها بعد، فيخرجون كلّ كذا يوم إلى الشوارع، من دون تغطية سياسية أو نقابية منظمة، في عفوية مبعثرة ترسم مستقبلهم الذي لا يزال مجهولاً.

أزمة سياسية أيضاً، فالأزمات لا تنتهي

الحديث عن الأزمة الراهنة يكاد يكون تاريخ السودان المعاصر، فمنذ اللحظة الأولى كانت هناك أزمة راهنة، حتى ما قبل رفع العلم والجلاء. هناك في أقصى الجنوب، اندلع التمرد في 1955م، احتجاجاً على “خيانة” داخلية في البرلمان لتفاهم أدى بنتيجته إلى موافقة النخب الجنوبية للاستقلال عن الحكم الاستعماري.

منذ تلك اللحظة البعيدة بعمر السنين، منذ 70 عاماً، ما زالت هناك أزمة “راهنة” في وطن “رهينة” حسابات سياسية “مرهونة” بتوافقات معقدة متقاطعة داخلياً/خارجياً، محلياً/إقليمياً، توافقات تذكر بالثنائيات المذكورة آنفاً، راسمة بذلك حقل ألغام سياسياً شديد الحساسية، ألغام انفجرت حتى بوجه واضعيها في أحيان ما. ولزيادة الأسى، لا دليل لعبور الحقل بعد.

بعيداً عن الإنشاء والتركيب، منذ إقالة حكومة “الوحدة الوطنية” التوافقية الائتلافية التي شكلتها قوى منقسمة على نفسها وعلى الحكم؛ إقالة جاءت في خطاب شهير بخطاب “الصفرية” دشن خلاله الرئيس المعزول عمر البشير الذي ما زال بحكم الأمر الواقع آخر رئيس جلس على منصب الرئاسة حكومة عسكرية شملت وجوها من المخضرمين من “صقور” إدارته بالتعبير الأميركي، كوزير الدفاع والداخلية الدائم عبد الرحيم حسين والنائب الخفي القوي بكري صالح، وكلاهما يقبع الآن في المعتقل ذاته السيئ الصيت (سجن كَوبَر) الذي زجّا فيه معارضيهما على سنة أسلافهم في حكم السودان، ذلك الخطاب في 22 شباط/فبراير كان الأخير قبل سقوط الإنقاذ المدوي في 11 أبريل/نيسان من العام 2019م، حين انقلبت اللجنة الأمنية التي شكلها البشير نفسه على النظام، وعزلت رؤوسه، وتحفظت على قياديين من الصفوف الأولى، بينما تركت قياديين آخرين يتجولون ما بين المنافي والمشافي، بعضهم سيعود بواجهات مختلفة للسلطة لاحقاً، لكن في تلك اللحظة ووسط الزخم الثوري، كان لا بد من وجوه جديدة شابة وجذابة.

القادمون الجدد، قادمون جدد؟

تسلّم العسكريون المترددون السلطة في بلد شبه منهار، وفي وضع إقليمي ملتهب يضع كل سلطة في زاوية حادة. بادر العسكريون بدعوات حذرة للحوار وإطلاق سراح المعتقلين الذي سيعيدون اعتقالهم أيضاً لاحقاً. ورغم “لاصوابية” الجماهير السياسية المفترضة، اعتمدت واجهات إعلامية معينة خطاباً ترويجياً مصممة فيه أن الوجه الجديد للسودان هو وجه ليبرالي، صبغة وصيغة عززها حضور مفاجئ لطبقة جديدة، من رياضيين وإعلاميين وصحافيين واقتصاديين وأكاديميين وغيرهم، طبقة قدمت نفسها أنها جديدة وقادمة بقوة من “قلب الجماهير”، وهي في الواقع قادمة من منافيها الذاتية المخملية في ضواحي لندن وباريس أو أبراج الخليج وغاباته الإسمنتية، نخب اصطلح شعبياً تسميتها أهل “اللايفات: (جمع لايف البث المباشر على منصة “فيسبوك” للتواصل الاجتماعي)”، التي اعتمدت نوعاً ونمطاً جديداً من الخطاب السياسي، تركز في جرعته المعززة نحو “التحرير” الاقتصادي و”التغيير” الثقافاتوي و”العقلانية” السياسية، بمعنى آخر وأدق: الخصخصة واللبرلة والتطبيع!

بالطبع، هذه النخب لم تكن لتظهر في زمن “الإنقاذ”، ليس لتصلبها العقدي، وهي التي احترفت الرقص على سلم التناقضات، وإنما لخطورة صناع هذه الصورة ونخبها “المثقفة” المفرطة في التفاؤل، نخبة جديدة مسلحة بكم من الوسوم والـ”تريندات” ومقاطع الفيديو، معبأة بالمصطلحات والصور النمطية التي تختزل في خطورة قضايا مصيرية، فتحول الهم المهم والشغل الشاغل بدلاً عن لقمة العيش وإحلال السلام وإعادة النقابات والقصاص للثوار وإطلاق العملية السياسية، تحول إلى حقوق المجتمعات التي لم توجد بعد في السودان، بل حتى لم يعرف بها أولئك القاطنون في عالم ما وراء العاصمة المثلثة الصاخبة ذات البضع ملايين قاطن، أولئك الذين بدأوا ثورة ارتدت عليهم بغلاء ودخول لمجاميع مسلحة وصعود لطبقة جديدة قبلية بدأت تعبث بتهور بميزان القوى القبلي المحلي المشابه للعرف الحاكم للصعيد المصري وقوانين “الحير” القبلية الحاكمة للسهل الصومالي، قوانين تحظى وتحتفظ بسطوة أقوى من كل الدساتير المكتتبة في الخرطوم، والتي كانت دوماً دساتير انتقالية، فكيف تحظى بدستور دائم في بلد أغلب حكوماته انتقالية ومعظم أحزابه منشقة؟

فليأتِ القادمون إذاً، لنرى ماذا بجعبتهم؟

بالعودة إلى القادمين الجدد، أدى هؤلاء دوراً محورياً في المفاوضات برغم حداثة عهدهم منذ اللحظة الأولى في كل ملاعب المفاوضات، تلك في الخرطوم، أو في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا الجارة الغامضة، أو القاهرة الجارة الأخرى الكبرى التي لا تغفل عينها عن السودان، بل ولا يجلس حاكم، ولو مؤقت، على عرش السودان من دون رضاها أو على الأقل علمها.

في ظروف كهذه، عقدت جولات المفاوضات التي شارك فيها القادمون إياهم، ممررين أجنداتهم وسط المباحثات، متسببين بولادة حكومة لم تعمر حتى لعام، وجاءت كارثة جائحة كورونا لتسدد لها ضربة قاسية أجبرتها على إطاحة بعض ثقلها لعبور موجات الأزمة، ثم جاءت فيضانات خريف 2020م الكارثية متناقضة مع الجفاف الَّذي يأكل أطراف المساحات الزراعية الشاسعة في بلد سمي بسلة غذاء خامدة، فيضانات اجتاحت حتى أبواب العاصمة المترنحة، ومعها اتفاق جوبا للسلام الذي كان مهرجاناً للترضية، فيما تركت أطراف مؤثرة من أحزاب سياسية ونقابات موازية وحركات مسلحة من دون حتى استشارة شكلية، وضع سيتفاقم تدريجياً مع التعديل الحكومي الثاني في أقل من عام الذي أدرج وزراء الأطراف الموقعة لاتفاق جوبا مقحماً إياهم في الحكومة ومجلس السيادة، ليأتي الخريف الثالث بعد الثورة، وقد أغلق النافذون القبليون المنضوون تحت سلطة “الإدارات الأهلية” البوابة البحرية الرئيسية للبلد في بورت سودان، إغلاق فجر أزمة سياسية احتقنت بالمحاولة الانقلابية في 21 أيلول/سبتمبر 2021م التي قادها عسكريون من القوى التقليدية داخل المؤسسة العسكرية، ثم بعد إفشال دراماتي “فوقي” لتلك المحاولة غير المرتّبة، جاء انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر في مشهد ذكر الجيل السابق من السودانيين بالجو العام قبيل انقلاب الإنقاذ عينه الذي تسبب بكل هذا، ففي أيار/مايو 89م، وسط أزمة حادة خانقة طحنت عامة السودانيين في الوطن والمغترب، نفذ ضباط من رتب وسيطة انقلاباً مصغراً اصطلح عليه باسم” مايو 2″ تيمناً بانقلاب 25 أيار/مايو 1969م الحلقة الأولى من مسلسل الانقلابات الشمولية العقدية في السودان، انقلاب مصغّر أفشلته بصعوبة بالغة حكومة الائتلاف للعهد الديموقراطي الثالث بزعامة الصادق المهدي، الذي أكد لحكومته وللشعب المنهك فشل الانقلاب وسقوط قادته في السجن، ليلحق بهم هو الآخر بعد أسابيع قليلة سجينا في المعتقل ذاته السيئ السمعة [كوبر] إثر انقلاب الإنقاذ. المشهد نفسه يتكرر بعد 30 سنة، ليقدم حمدوك استقالته مطلع العام الحالي مغادراً البلاد إلى منفى اختياري بدأ في أديس أبابا التي عرفها مذ كان طالباً، ومنها إلى الإمارات العربية المتحدة، الطامحة لإيجاد نفوذ غير اعتيادي في السودان، الشريك المترنح في حربها المشتركة في اليمن، والمورد لأهم صادرات الزراعة والثروة الحيوانية وآلاف الشباب الحالمين بـ”تكوين أنفسهم” سريعاً في اقتصاديات الخليج البترودولارية.

فشل جديد.. هل ييأس القادمون؟

حتى كتابة هذه السطور، وعقب زيارة قائد الجيش ورأس السلطة الحاكمة إلى الإمارات، تجري مفاوضات حثيثة سرية تكشفت بعض ملامحها في شكل إشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بين السلطة الحاكمة وحمدوك مجدداً.

الجديد هذه المرة، وبحسب الإشاعات، حضور القادمين الجدد برموزهم الحقيقية هذه المرة، لدعم الوساطة وإنجازها بأي ثمن، مثل رجل الأعمال السوداني/الإنكليزي السبعيني المخضرم، وأحد الوجوه المعروفة في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات والداعم لليبرالية في السودان، محمد “مو” إبراهيم، الذي يوصف بأنه “محمد الفايد” النسخة السودانية، إضافةً إلى سياسيين من التيار الليبرالي نفسّه، والذين توجهوا مسبقاً إلى الإمارات سراً للتجهيز لتلك المفاوضات.

ولأنَّ الجماهير الواهية، بفعل سياسات التجويع والقهر، لا تقوى على التفكير، فقد قبلت سابقاً باتفاقيات الإنعاش السياسي، أملاً بالاستقرار وعبور الأزمة من دون ذل الانهزام أمام شبح الثورة المضادة. أما الآن، وقد فقد عدد من السودانيين وظائفهم أو مساكنهم أو أقاربهم بفعل كورونا وأزمات الدواء، أو خسروا أرواحهم بفعل الاضطرابات والعنف القبلي الذي راح ضحية آخر فصوله في دارفور الملتهبة أصلاً قرابة 20 قتيلاً.

أما الآن، فيحدث العكس. بعد انتشار أولى الإشاعات عن قرب التوصل إلى الاتفاق المزعوم، خرجت التظاهرات في عطبرة مجدداً قبل أن تخرج عن الخدمة الكهربائية بفعل حادث ضرب محطتها الرئيسية للكهرباء، بينما خرجت التظاهرات في غرب الخرطوم وشرق أم درمان، وبشكل خاص في بحري، رافضةً عودة حمدوك.

الرجل الذي خرجت الجماهير لتندد باعتقاله صبيحة الإثنين 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ها هي تخرج الآن رفضاً لاحتمال عودته، ومطالبة برحيل مجلس السيادة وسلطة الأمر الواقع الحاكمة للبلاد. هذا المطلب، على عفويته، يظل صعباً، بالنظر إلى التوافقات المحلية التي جاءت به، والمعادلات الخارجية الحاكمة له إقليمياً ودولياً، في ظلِّ اصطفافات غير معلنة، كان آخرها زيارة مطولة لنائب رئيس السلطة ومجلس السيادة وقائد قوات “الدعم السريع” إلى روسيا؛ الشريك العسكري الأول للسودان، استغرقت قرابة أسبوعين، وامتناع مثير عن التصويت لقرار الإدانة الأممية للعملية العسكرية الروسيّة في أوكرانيا، وصولاً إلى زيارة إلى الإمارات، وأخرى قادمة إلى السعودية، وهما الدولتان اللتان تشاركان السودان، إلى جانب الحرب في اليمن، الامتعاض من تصرفات واشنطن وتحركات حلفائها الأوروبيين المزعجة، فهناك بريطانيا التي تخوض صراعاً منفرداً بمساعدة أميركية ضد الصين في الشرق الأفريقي. وفي الجهة الأخرى، هناك فرنسا التي تحدق بالسودان من بوابة تشاد، وألمانيا التي تهتم بشكل خاص بأفريقيا لإعادة وجودها الزائل قبل قرن، ولإيجاد مناجم للطوارئ في حال تحقق الكابوس وأغلقت روسيا منافذ الطاقة التي تحتاجها بشغف وتستهلكها بنهم.

ولا تذكر واشنطن من دون ذكر “غواصتها” المتوغلة في عمق المنطقة، الوكيل الصهيوني الهزيل، الَّذي يئس من دون إقرار استسلامه من تمرير تطبيع سريع في السودان، بل بات بعض مهووسيه المتطرفين يحلمون بـ17 أيار سوداني، للتفرغ للمواجهة القادمة مع كل من الجزائر وسوريا، ومناورات إثيوبيا التي لا تمانع مقايضة “دعمها” الثورة وتطلعات الشعب مقابل تمرير مشاريعها الطموحة، وهي مشاريع لا تراها مصر؛ القطب الآخر على أطراف المغناطيس الشرق أفريقي، إلا كابوساً ممنوع التحقيق، وهي التي ترى السودان في عين الجيوسياسة القطعة الأهم في مجالها الحيوي.

كلّ هذا وأكثر وأخطر يحدق بالعمليّة السّياسية في السودان، ويهيج الحشود التي لا تهدأ، ويفشل المبادرات قبل أن تطرح. ولا يزال القادمون الجدد، الذين ليسوا في واقع الأمر سوى الطبقة الليبرالية ذاتها التي لم تحسن يوماً اعتلاء السلطة في السودان لاعتبارات عديدة يصعب شرحها من دون الخوض في سرد تاريخي مطول مستفيض، جيل جديد إذاً من تينك الطبقة، لكنَّ لفظَ “جديد” هنا لا يعني بالضرورة الشباب، بل وللدهشة، بعض لاعبي هذه الطبقة يكتبون تاريخ السودان في محك مفصلي، وللمرة الثالثة!

أيام عصيبة، وأزمات قريبة، وتحركات غريبة، تمر في القريب من مقبل الأيام، وسط تراكم الخطابات وتزاحم الاتهامات، وفي ظل موقد مشتعل بالمعاناة، يسخن من فوقه السودان؛ المرجل الذي يغلي باستمرار ولا يهدأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى