مقالات

المشهد العراقي: الانسداد أو التوافق الهش!

عادل الجبوري

مرت 5 شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة في العراق، وما زالت الخلافات والتقاطعات بين الفرقاء السياسيين تلقي بظلالها الثقيلة على عموم المشهد العام في البلاد، بحيث بات أفق الانفراج والحل الحقيقي بعيداً إلى حد كبير عن متناول اليد.

وبينما كان مأمولاً ومتوقعاً أن يصار إلى معالجة الإشكاليات التي واجهت العملية الانتخابية والسياسية خلال المراحل السابقة، وتجنب المسارات الخاطئة التي أوصلت إلى محطات حرجة ومنعطفات خطرة، فإنَّ الأمور ازدادت سوءاً، والسلبيات تفاقمت، لتضع الجميع أمام تحدٍ كبير واختبار عسير يتطلّب اتخاذ قرارات حاسمة وحازمة تشمل تنازلات أو قل مساومات وترضيات، وعدم الإصرار على التشبث بالسقف الأعلى للمطالب والاستحقاقات والطموحات والاشتراطات.

في السابق، كانت العقدة الأساسية تكمن في اختيار رئيس الوزراء في إطار المكون الشيعي، كما حصل في العام 2005، حين احتدم التنافس بين القيادي السابق في حزب الدعوة الإسلامية إبراهيم الجعفري والقيادي السابق في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي عادل عبد المهدي، لتنتهي الأمور لمصلحة الأول، بفضل دعم وإسناد التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر.

وبعد الانتخابات البرلمانية الأولى في نهاية العام 2005، في ضوء الدستور الجديد الذي تم التصويت عليه وإقراره في 15 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، لم يكن ممكناً للجعفري البقاء في المنصب، بسبب الرفض القاطع له من قبل أطراف المكون الكردي ومعظم أطراف المكون الشيعي، لتوكل المهمة إلى القيادي الآخر في حزب الدعوة نوري المالكي.

 وبعد 4 أعوام، واستناداً إلى مخرجات انتخابات العام 2010، ونتائجها المتقاربة بين ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي وائتلاف الوطنية بزعامة إياد علاوي، احتدم التنافس بينهما على كرسي رئاسة الوزراء وامتد فترة 9 شهور، حتى انتهى لمصلحة المالكي.

 وفي العام 2014، بدا واضحاً منذ وقت مبكر أن الأخير يخوض معركة خاسرة للفوز بولاية ثالثة، في خضم ظروف وأوضاع سياسية وأمنية معقدة وشائكة، طغى عليها حدث اجتياح تنظيم “داعش” الإرهابي مدينة الموصل ومدن عراقية أخرى في حزيران/يونيو من ذلك العام.

وبالفعل، أدى التصدّع في كيان حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون إلى قطع الطريق على المالكي وتمهيده للقيادي الآخر في الحزب في حينه والوزير السابق حيدر العبادي لتولي المنصب التنفيذي الأول، بعد تجاذبات حادة امتدت حوالى 5 شهور.

ورغم أنّ ولاية العبادي الممتدة بين العامين 2014 و2018 شهدت هزيمة “داعش” وتحجيم النفوذ الكردي في محافظة كركوك الغنية بالنفط ومناطق ومدن أخرى، وتجنيب البلاد خطر الانهيار الكامل، فإنّ العبادي لم ينجح في الحصول على ولاية ثانية، كما نجح سلفه المالكي من قبل، ليغادر المنصب بعد انتخابات 2018، وسط مطالبات ودعوات كثيرة وقوية بإسناد المنصب إلى شخصية مستقلة غير محسوبة على لون حزبي معين.

وقد تم التوافق والاتفاق على عادل عبد المهدي، الذي شغل بعد سقوط نظام صدام عدة مواقع عليا في الدولة، من بينها وزير المالية في الحكومة الانتقالية برئاسة إياد علاوي في العام 2004، ثم نائب رئيس الجمهورية في عهد حكومة المالكي الأولى، ثم وزير النفط في حكومة المالكي الثانية، قبل أن يستقيل من المنصب ويخرج من المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، الذي كان أحد أعضاء هيئته القيادية حتى العام 2017.

ولم يتمكَّن عبد المهدي، تحت ضغط التظاهرات الاحتجاجية الواسعة في بغداد والمحافظات الأخرى ودعوات المرجعية الدينية إلى الإصلاحات، من البقاء في منصبه أكثر من عام وشهور قلائل، ليكون أول رئيس وزراء عراقي بعد العام 2003 يترك المنصب قبل إتمام ولايته الدستورية المحددة بأربعة أعوام.

وقد خلفه رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، بعد أن أخفق اثنان من المرشحين للمنصب، هما الوزير السابق محمد توفيق علاوي ومحافظ النجف الأسبق عدنان الزرفي، في نيل ثقة البرلمان وقبول القوى السياسية.

وفي ظلِّ كلّ ذلك الشد والجذب المحتدم والمتواصل على طول الخط حول رئاسة الوزراء، كانت الأمور تسير بانسيابية في عملية اختيار رئيس الجمهورية. وبينما كان أول رئيس جمهورية بعد سقوط نظام صدام من المكون السني، وهو غازي عجيل الياور، نجل شقيق محسن الياور، شيخ قبيلة شمّر، التي تعد واحدة من أكبر القبائل العربية في العراق، والتي يمتد وجودها إلى سوريا وبعض دول الخليج، انتقلت الرئاسة منذ العام 2005 إلى المكون الكردي، لتكون رئاسة البرلمان من حصة المكون السني.

وقد تولى الزعيم الكردي الراحل جلال الطالباني (1933-2017) رئاسة الجمهورية في مطلع العام 2005، وبقي في منصبه حتى العام 2014، ليخلفه القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني فؤاد معصوم لمدة 4 أعوام.

وبما أنَّ الحزبين الكرديين الرئيسيين، الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل جلال الطالباني والديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، يتقاسمان السلطة والنفوذ في الإقليم منذ عقود من الزمن، فإنهما توافقا على أن يكون منصب رئيس الجمهورية من حصة الاتحاد، فيما يكون منصب رئيس الإقليم والحكومة المحلية في أربيل من حصة الديمقراطي. وقد سارت الأمور على هذا المنوال حتى العام 2018، حين رفض الديمقراطي مرشح الاتحاد برهم صالح تولي منصب رئيس الجمهورية، وأخفق في إقناع الاتحاد بطرح مرشح آخر.

لذلك، أقدم على طرح مرشحه الخاص، وهو فؤاد حسين، الذي كان يشغل منصب رئيس ديوان رئاسة الإقليم، ونجح صالح في حصد العدد الأكبر من أصوات أعضاء البرلمان الاتحادي، ليتغلب بفارق كبير على منافسه حسين، الأمر الذي أغضب الحزب الديمقراطي، ومثل ذلك بداية تصدع التوافق الكردي. وربما كان رحيل الطالباني وحدوث انشقاقات في حزب الاتحاد من بين أبرز عوامل تصدع التوافق الكردي.

وإذا كان ممكناً تطويق الخلاف الكردي – الكردي في العام 2018 وحصره عند حدود ومساحات معينة، فإنَّ ذلك لم يعد ممكناً بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2021، حتى وصل الأمر إلى أن يشكل موضوع رئاسة الجمهورية عقدة رئيسية لا تقل في استعصاء حسمها عن عقدة رئاسة الوزراء. والدليل على ذلك أنها لم تحسم بعد أكثر من شهرين على انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب العراقي، في الوقت الذي يفترض – وبحسب السياقات الدستورية – أن ينتخب البرلمان رئيساً جديداً في غضون 30 يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى بأغلبية ثلثي الأصوات.

ولكن الدخول في لعبة التنافس بين الحزبين الكرديين على المنصب، والذهاب إلى المحكمة الاتحادية أكثر من مرة، وعدم نجاح أي من الطرفين في حشد العدد المطلوب لضمان فوز مرشحه، ومماطلة رئاسة البرلمان بإدراج موضوع انتخاب الرئيس الجديد في جدول أعمال جلساتها، على أمل التوصل إلى توافقات وتفاهمات سياسية تجنّب الفرقاء الذهاب إلى خيار كسر العظم. كل ذلك جعل الأمور تزداد سوءاً، كما جعل مظاهر الانسداد السياسي تتسع بشكل واضح.

إنَّ خطورة الأمور تكمن في إخفاق الفرقاء الكرد بالتوصل إلى حلول توافقية، إذ تؤكد أوساط ومحافل سياسية من بغداد وأربيل أن إصرار الديمقراطي على التنافس على منصب رئاسة الجمهورية، جاء كرد فعل على إصرار الاتحاد الوطني على ترشيح برهم صالح تحديداً دون غيره، بحيث إن الديمقراطي طرح مرشحاً آخر هو وزير الداخلية في حكومة الإقليم المحلية ريبر أحمد، بعد أن قطعت المحكمة الاتحادية العليا الطريق على القيادي في الحزب ووزير الخارجية والمالية الأسبق هوشيار زيباري من الترشح والتنافس على منصب الرئيس، علماً أن الحزب الديمقراطي عرض عدة خيارات ومقترحات على حزب الاتحاد لاحتواء الأزمة والتفاهم والتوافق على حل وسط يرضي الطرفين، إلا أن الأخير بقي متشبثاً بموقفه وخياره.

وبحسب التسريبات الإعلامية، طرح رئيس الحزب مسعود البارزاني جملة مقترحات على الأمين العام للاتحاد بافيل الطالباني خلال اللقاء الذي جمعهما معاً في مقر البارزاني في منتجع صلاح الدين في العاشر من شباط/فبراير الجاري، والتي تمثلت، “إما بقبول الاتحاد بالمناصب الوزارية التي تعد من حصة الكرد في الحكومة الاتحادية المقبلة مقابل التخلّي عن منصب رئاسة الجمهورية، وإما تقديم مرشح توافقي بديل وسحب المرشحين الحاليين”.

وقبل ذلك، كان متداولاً اسم القيادي المخضرم في الاتحاد الوطني الكردستاني ووزير الموارد المائية الأسبق في الحكومة الاتحادية، عبد اللطيف رشيد، لتولي المنصب كبديل توافقي، لكن لم تسفر الجهود والتحركات بهذا الاتجاه حتى الآن عن نتيجة واضحة وملموسة.

وفي الوقت الذي تأمل أطراف المكون الشيعي، وتحديداً قوى الإطار التنسيقي والتيار الصدري، بأن يفلح الفرقاء الكرد في التوصل إلى صيغة توافقية بينهما، حتى لا تجد نفسها – أي أطراف المكون الشيعي – محرجة ومرغمة على الاصطفاف إلى جانب طرف كردي على حساب الطرف الآخر، يعتقد الكرد أن نجاح الفرقاء الشيعة في التفاهم والتوافق على آلية تشكيل الحكومة المقبلة، ومن يتولى رئاستها، ومن يساهم في تشكيلها، من شأنه أن يفضي إلى حلحلة عقدة رئاسة الجمهورية.

هذا الأمر يعني أن الانسداد السياسي السائد من الصعب إنهاؤه من دون تفاهمات الفرقاء في كل الفضاء الوطني، سواء من خلال تشكيل حكومة توافقية أو الذهاب إلى حكومة أغلبية موسعة يشارك فيها من يرغب في المشاركة. ومن الطبيعي أن ذلك لن يتحقق ما لم تتضح هوية الرئيس واسمه ورسمه، لأنه هو الذي سيكلّف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة.

ولا شكّ في أن التوافقات سوف تكون هشة وقلقة، لأن ولادتها عسيرة، وقد تؤدي إلى إعادة تدوير أغلب المشاكل والأزمات، لكن مهما يكن الأمر، فهو أفضل – أو أقل سوءاً وخطراً – من الانسداد والذهاب إلى المجهول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى