تقارير

حسابات بكين في الحرب الروسية الأوكرانية والنظام العالمي الجديد

الإباء / متابعة

تتضارب الرؤى حول دور الصين في الأزمة الروسية- الأوكرانية الراهنة، خاصة مع تباين موقفها الدبلوماسي الذي بدأ بالامتناع عن إدانة التصعيد العسكري الروسي.

وبالتزامن مع رفضها تقديم الدعم اللوجيستي لروسيا عبر رفض تزويدها بقطع غيار للمقاتلات العسكرية، ما يؤيد إمكانية أن تلعب الصين دوراً محايداً خلال الأزمة الراهنة بين روسيا والغرب.

خبراء أكدوا أن عدم قدرة بعض الشركات على تصدير قطع غيار يعود إلى طبيعة تلك الشركة وأسهمها ورأس المال الأجنبي أو الغربي داخلها، وعلاقاتها التجارية بالغرب، ويروا أن الصين تحرص على استثمار الفرص التي تنطوي عليها الأزمة، إلى جانب احتواء التحديات التي قد تشكلها عليها، لضمان الحفاظ على نتائج تفضي بتسجيل نقاط لصالح تعزيز تموضعها في النظام العالمي الجديد.

معركة مشتركة

ويقول مدير مركز الحوار الروسي- العربي في سانت بطرسبرغ، دكتور مسلم شعيتو، إن الموقف السياسي للصين واضح، منوهاً بأن روسيا والصين تعتبران المعركة مع الولايات المتحدة الأمريكية مشتركة، لذا فإن سقوط أحدهما يعني سقوط الآخر.

لافتاً إلى أن الموقف الصيني الخاص بما يحدث في أوكرانيا، ينطلق من اللقاء الأخير الذي عقد بين الدولتين قبل بداية الألعاب الأولمبية عندما وصف الرئيس الصيني، شي جين بينغ، العلاقات مع روسيا بـ”فوق الاستراتيجية” منوهاً بأن العلاقات بين البلدين انتقلت إلى مرحلة متطورة اقتصادياً، إذ تخطى حجم التبادل التجاري بينهما 140 مليار دولار، في وقت تطمح الدولتان في دفع هذا التبادل حتى يصل إلى 250 مليار دولار سنوياً.

وأكد شعيتو على أن الصين تتفوق أحياناً في بعض التفاصيل الاقتصادية، غير أن هذا التفوق بسيط ولا يؤثر على الموقف الاستراتيجي، لافتاً إلى أن امتناع بعض الشركات عن تصدير قطع غيار يعود إلى طبيعة تلك الشركة وأسهمها ورأس المال الأجنبي أو الغربي داخلها، بالإضافة إلى العلاقات التجارية مع الغرب.

لافتاً إلى أن الصين تدعم روسيا في صراعها الحالي مع أوكرانيا، مشدداً على أن العلاقات بين البلدين تمثل عنصر أمان لروسيا، يساعدها في التقدم بخطواتها السياسية دون التقيد بالإجراءات الاقتصادية، بالإضافة إلى أن التكامل الاقتصادي بين كل من روسيا والصين مع رفع مستوى العلاقات السياسية يحرر روسيا من الارتهان للغرب في الحصول على سلع أو خدمات، خاصة مع الدور الصيني الهام داخل الاقتصاد العالمي والخدمات العالمية التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً حال احتدم الصراع، حتى فيما يتعلق باستخدام نظام «السويفت» والعملات وخلافه.

علاقات ثنائية

وتابع: «يجب ألا ننسى أن العلاقات الثنائية بين كل من (الصين وإيران)، (روسيا وإيران)، (الصين وباكستان)، (الهند وروسيا)، بغض النظر عن التناقضات الداخلية أو بعض الصراعات فيما بين البعض منهم، إلا أن لديهم هدفاً مشتركاً واحداً يجمعهم، يتمثل في رفض التوجهات السياسية الأمريكية في علاقاتها بالدول.

وتحديداً الصين التي ترغب في أن تصبح لاعباً مهماً داخل كافة دول العالم، وبالتحديد آسيا إذ إنها تطمح في نقل بضائعها عبر طريق الحرير من آسيا إلى أوروبا.

مؤكداً أن روسيا بدورها أبدت استعداداً في مساعدة الصين إذا ما افتعلت الولايات المتحدة الأمريكية أزمات حول هذا الطريق، إذ أكدت على لسان وزير الدفاع عن طريق بديل عبر المحيط الشمالي، الذي تؤمنه روسيا باستمرار، بغض النظر عن الجليد، لافتاً إلى أن روسيا شيدت أسطولاً هاماً يحتوي على “كاسحات جليد” تسبق القوافل التجارية، بما يضمن استمرار تدفق السلع بين الصين وأوروبا طوال العام بحسب «شعيتو».

وأوضح مدير مركز الحوار الروسي- العربي في سانت بطرسبرغ، أن الأزمة الحالية جزء من صراع كبير بين روسيا والغرب، مشدداً على أن الصين تنظر إلى ما يحدث في أوكرانيا وتنتظر الوقت المناسب لضم تايوان إلى الوطن الأم.

موضحاً بأن مصلحة الصين أن تخرج روسيا منتصرة من الصراع الحالي، مشيراً إلى أن الدور المحايد الصيني لا يمكن أن يكون سلبياً بالنسبة لروسيا أو الصين.

ويرى أنه يتطلب تقديم تنازلات من قبل أوكرانيا، بالإضافة إلى تمتين العلاقات مع الصين سياسياً واقتصادياً، الأمر الذي قد يرضي الغرب حال ضمان حياد الصين تجاه روسيا، لافتاً إلى أن الصين ستعمد إلى استخدام الأمر بما ينفع حركتها الاقتصادية ونهجها الجديد بالدخول على خط الأزمات العالمية، بما يفتح أمامها أبواباً جديدة من العلاقات.

مدللاً على ذلك باستخدام الصين إلى جانب روسيا حق الفيتو داخل مجلس الأمن في القضايا المتعلقة بروسيا (رغم أن فيتو واحد قادر على إبطال المشروع) بما يؤكد أن الصين تسير بخطوات هادئة تضمن أن تصبح جزءاً من الحركة السياسية في العالم.

استثمار الفرص

وبدوره يشير نائب رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، دكتور أحمد القرني، إلى أن الصين تنظر إلى الأزمة الروسية- الأوكرانية الراهنة باعتبارها حلقة مهمة ضمن حلقات سابقة، في إطار عملية تراكمية في تحول النظام العالمي إلى متعدد الأقطاب.

لافتاً إلى أن مواقفها من الأزمة تتحدد وفق أهدافها ورؤيتها المستقبلية، خاصة فيما يخص نتائج الأزمة على بنية النظام الدولي قيد التشكيل، باعتباره هدف صيني- روسي مشترك تم التعبير عنه في مناسبات مختلفة.

منوهاً بأن الصين تحرص على استثمار الفرص التي تنطوي عليها الأزمة واحتواء التحديات التي قد تشكلها، إلى جانب الحفاظ على نتائج تفضي بتسجيل نقاط لصالح تعزيز تموضعها في النظام العالمي الجديد.

وأكد القرني أن الصين تسعى إلى إفشال حلف الناتو في تحقيق انتصار عسكري ضد روسيا، باعتباره محفزاً للعمل الجماعي مستقبلاً ضد الصين بما يشكل تحدياً جيوسياسياً، لافتاً إلى أن الصين تعمل منذ فترة بشكل غير مباشر على إضعاف فعالية العلاقات الأمنية والدفاعية الأمريكية- الأوروبية، أو تشكيل تكتل سياسي قوي من قبل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية باتجاه روسيا.

مشدداً على استفادت الصين من فك ارتباط ضفتَيْ الأطلسي، إذ إن مزيداً من التوافق بينهما يمكن أن يزيد من هيمنة الولايات المتحدة على أوروبا والتأثير في قراراتها.

الصين.. وعرقلة “سويفت”

وأشار نائب رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، إلى أن الصين ستعمل في الجانب الاقتصادي على عرقلة العمل بنظام التبادل المالي الدولي “سويفت”، خاصة أن نجاح الغرب في توظيفه ضد روسيا، يعني امتلاك أداة مالية يمكن توظيفها ضد الصين مستقبلاً، مؤكداً حرص الصين على عدم تأثر علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية والغرب بما يعرقل مشروع “الحزام والطريق”.

وأكد أن الصين تظهر نفسها طرفاً محايداً، تسعى للترشح للقيام بدور وسيط منافس لدور السعودية والإمارات، غير أن الغرب يدرك استثمار الصين للأزمة ويضمن عدم حيادها، ووقوفها إلى جانب حليفتها روسيا ضد الولايات المتحدة الأمريكية، مدللاً على ذلك بمرونة الموقف الصيني المعلن في أعقاب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، إذ لم توصف العمليات العسكرية الروسية داخل أوكرانيا بأنها «غزو»، أو «اعتداء» على السيادة الأوكرانية، على نحو ما ذهبت إليه المواقف الأمريكية والأوروبية.

حياد بكين

وشدد القرني على صعوبة حياد الصين في ظل تأملاتها بنجاح روسيا في أوكرانيا، ما يعطي رسالة واضحة للولايات المتحدة والغرب والنخبة الحاكمة في تايوان، أن قضايا الأمن القومي لا تخضع للمساومات، خاصة أن الحسابات الروسية في قضية توسع “الناتو” في اتجاه الحدود الروسية ينطبق أيضاً على قضية تايوان باعتبارها قضية أمن قومي بالنسبة للصين، لافتاً إلى أنه لا يمكن استبعاد استخدام الصين القوة العسكرية في حالة إقدام النخبة الحاكمة في تايوان على إعلان الاستقلال من جانب واحد أو بدعم من الولايات المتحدة.

وأوضح أن الأزمة الأوكرانية تشكل فرصة ثمينة للصين، بعد أن جعلت كثيراً من دول العالم تعيد التفكير في علاقتها بواشنطن باعتبارها ضامناً أمنياً، لافتاً إلى أن العقوبات الغربية على روسيا أظهرت للعالم دور مؤسسات دولية في التحكم بمستقبل دول، ما يجعل دول العالم الكبرى والصاعدة تبحث عن بدائل للأنظمة المالية والترتيبات التجارية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية.

تخوفات صينية

في السياق ذاته يؤكد أستاذ الاقتصاد والسياسة الدولية بجامعة سوربون، دكتور كميل الساري، على أن الصين حليفاً لروسيا دون أدنى شك، غير أن الصين تتخوف من فرض عقوبات مماثلة لتلك العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، حال أقدمت على غزو جزيرة تايوان.

لافتاً إلى أن الصين لا تعد هذا الأمر غزواً، إنما إعادة ضم الجزيرة إلى الوطن الأم، مشيراً إلى إشكالية أخرى تواجه الصين وتتمثل في خسارة أسواق كبيرة مقارنة بالسوق الروسي، ما يجعل الصين تتوانى عن مساندة روسيا بشكل علني دون تحفظ، لذا هي تعمل على مساندة روسيا دون الخصام مع الغرب، بدليل عدم إدانتها العملية العسكرية لأوكرانيا حتى اليوم.

وأشار الساري إلى أن الصين حريصة على عدم خروج روسيا مهزومة من تلك الحرب أمام الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بما يشكل بروز قوة إمبريالية (الولايات المتحدة الأمريكية).

مؤكداً على سعيها إلى تكوين أقطاب متعددة تحجم سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية المطلقة، خاصة أن الأوساط المسيرة للعملية السياسية الأمريكية بداية من الكونغرس، والرئاسة، وأوساط الجمهوريين ترى الصين أخطر على الولايات المتحدة الأمريكية اقتصادياً، إذ تهدد سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي وبالتبعية الاقتصاد الأمريكي، متوقعاً صعود الصين لتحتل المرتبة الأولى عالمياً على مستوى الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي تتحسب منه الولايات المتحدة الأمريكية.

وساطات غربية

وأوضح أن الوساطات الأوروبية من قبل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني، أولاف شولتس، تعدها موسكو ضغوطات أكثر منها وساطة، مدللاً على ذلك بإعلان بوتين أن العقوبات الأوروبية تعد بمثابة إعلان حرب، الأمر الذي يجعلها طرفاً في النزاع، مشيراً إلى أن الوساطة الإسرائيلية والتركية لم تفضِ إلى شيء.

ويتوقع كميل دخول الصين على خط الوساطة مع اقتراب نهاية التدخل العسكري، لافتاً إلى أن بوتين سيوقف العملية العسكرية بعد أن تحقق أهدافها، لا سيما أن موازين القوى تؤكد تفوق روسيا خاصة مع حياد الجانب الغربي ورفض الإعلان عن حظر الطيران فوق أوكرانيا لتجنب نشوب حرب عالمية ثالثة، مؤكداً أن محاولات الإعلام الغربي إعطاء صورة مغايرة حول صمود أوكرانيا وهزيمة روسيا لا تغير الواقع على الأرض، لافتاً إلى أن بوتين سيفرض واقعاً جديداً بعد تحقيق الأهداف العسكرية، ربما يطلب حينها وساطة صينية باعتبارها قوة اقتصادية وبشرية يمكن أن تلعب دور الوسيط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى