مقالات

نبض السفير في “نبض البلد”

موفق محادين

ختم السفير الأميركي في الأردن، هنري ويستر، حواره مع قناة “رؤيا” عبر برنامج “نبض البلد” الذي يديره الإعلامي محمد الخالدي، بطلب عدم نشر أية أخبار أو تصريحات روسية حول أوكرانيا عبر القناة، وخصوصاً إذا كان مصدرها “روسيا اليوم” و”سبوتنيك”. أما أجوبته الأخرى، فكانت واضحة أحياناً، ومواربة أحياناً أخرى، ومن ذلك:

على الصعيد المحلي:

1- الأردن من أهم شركاء واشنطن في المنطقة، بل في العالم.

2- بلاده لا تتدخّل أبداً في الشأن الأردني وفي أيِّ بلد آخر.

3- الاتفاقيات الأخيرة الموقعة بين الأردن و”إسرائيل” هي اتفاقيات تجاريّة لا سياسية.

4- يبدي السفير اهتمامه بالنساء والشباب في الأردن.

على الصعيد العربي والدولي:

1- في كلّ مرة وردت “إسرائيل” وسياساتها العدوانية في الأسئلة، لم يقم بإدانة أيّ سلوك لها.

2- أميركا أكبر مساهم “إنساني” في أوكرانيا وغيرها من بلدان العالم.

3- ذهبنا إلى أفغانستان لمواجهة الإرهاب، وكان الأردن شريكنا.

4- تدخّلنا في العراق لا يشبه “الغزو الروسي” لأوكرانيا.

5- لا تطبيع مع سوريا (استخدم عبارة “نظام الأسد”)، ولا تراجع عن قانون “قيصر”.

قبل التعليق على كلام السفير، لا بد من التعرف إلى سيرته السياسية والدبلوماسية، كما وردت في شبكات التواصل الاجتماعي:

1- مدير سابق في مجلس الأمن القومي الأميركي – وحدة آسيا الوسطى.

2- تخرج من قسم اللغات في جامعة ييل (تحدثنا سابقاً عن هذه الجامعة أكثر من مرة في معرض الحديث عن دورات خاصة لنشطاء الثورات الملونة، وآخرهم المعارض الروسي نفالني، إذ يجري في هذه الجامعة، كما غيرها من المعاهد والمؤسسات الأميركية، إعداد الناشطين السياسيين والأكاديميين، وخصوصاً الشباب والنساء. ومن هذه المعاهد والمؤسسات، كما هو معروف: نيد، كارينجي – فورد فاونديشين – راند – المجتمع المفتوح لجورج سوروس – معهد واشنطن…).

3- عمل في ساحات وحقول ذات اهتمام خاص بمجلس الأمن القومي، مثل روسيا وكازاخستان وباكستان وآسيا الوسطى عموماً، إضافةً إلى الخليج وشمال أفريقيا، وفي الملف الليبي بشكل خاص، والشرق الأوسط العربي والإسلامي.

4- تزامن ترشيحه في عمّان من قائم بالأعمال إلى منصب سفير مع الأحداث الساخنة في المنطقة، مثل أحداث سوريا، وكذلك توسيع دور البنك الدولي وبرنامج الخصخصة والقواعد الأميركية في الأردن.

وعلى الرغم مما قاله حول نهاية “صفقة القرن”، فقد نوقش ترشيحه أصلاً كدبلوماسي في الأردن في أيام ترامب في إطار هذه الصفقة وما عُرف بـ”الأردن الجديد”.

5- تميّز عن غيره من الدبلوماسيين في عمان باهتماماته وزياراته الواسعة التي شملت الجامعات والعديد من الوزارات والمؤسسات والمخيمات وقطاعات الشباب والنساء والمثقفين والأكاديميين.

6- اعتبرت أوساط إعلامية وسياسية عربية أنَّ تعيينه بصلاحيات واسعة (وزير مفوض) هو دلالة على اهتمامات أميركية بـ”الأردن الجديد” وموقعه في الترتيبات القادمة للمنطقة، وأسمته “الشبح الكبير”.

ملاحظات على كلام السفير

أولاً: في ما يخصّ طلب السفير من القناة عدم نشر أية أخبار روسية حول أوكرانيا، هل يجوز لدبلوماسي أن يتدخل في سياسة أية مؤسسة محلية؟ ناهيك بتعارض ذلك مع الحد الأدنى من “حكاية الديمقراطية” والتعددية التي تتوارى خلفها المتروبولات الرأسمالية، ومنها واشنطن!

ألا يقوم الخطاب الليبرالي المزعوم في الغرب الرأسمالي على فكرة التعددية والشفافية؟ ولماذا يخشى سفير الولايات المتحدة استماع الناس إلى الرواية الروسية؟

ثانياً: في ضوء ما سبق من محاولة تدخّل السفير في شؤون القناة الإخبارية التي استضافته، ناهيك بعقود من التجارب في هذا المجال، كيف لأحد أن يصدّق أن أميركا لا تتدخل البتة في شؤون الأردن وغيره؟

ثالثاً: كيف يجيب سعادته على تأكيده أنَّ الأردن شريك تاريخي لواشنطن، فيما تؤكد استطلاعات الرأي مراراً وتكراراً أن الغالبية الساحقة من الأردنيين، كما العرب وشعوب العالم الثالث، ينظرون بعين الكراهية إلى السياسة الأميركية في كل عهودها، وتحت حكم الحزبين الجمهوري والديمقراطي؟ وعلى ماذا بنيت هذه الشراكة كلّ هذا الوقت؟

هل الولايات المتحدة شريك في تفكيك الدولة الأردنية وتحطيم الطبقة الوسطى وتوسيع أحزمة البطالة والفقر والجوع والمخدرات؟ هل هذا هو عنوان “الأردن الجديد” الذي ناقشه الكونغرس عند الموافقة على تعيين السيد هنري في عمان؟

إذا لم تكن تلك السياسات وأدواتها الأميركية (معاهدة وادي عربة وتداعياتها الخطرة المعروفة على الأمن الوطني نفسه، والخصخصة وفلسفة السوق والليبرالية المتوحشة) والتغطية على الفساد والتدخل في الانتخابات جزءاً من دمج بلد مثل الأردن في السوق العالمي، بالنظر إلى تواضع الاقتصاد الأردني، فهل هي جزء من دمجه في مشروع “البنيلوكس” الإسرائيلي المفتوح على الخليج والنفط والغاز المسال (مركز إسرائيلي ومحيط أردني – فلسطيني – خليجي)؟

رابعاً: هل اهتمام سعادته منذ ما يقارب عقداً من الزمن في الأردن بالشباب والنساء، هو ما تعبر عنه السياسات الأميركية برفع الدعم الحكومي عن الخدمات الأساسية، مثل التعليم الجامعي، وتحويل دراسة أبناء الفقراء إلى كابوس مرعب للإنفاق الجامعي، ناهيك بالبطالة التي باتت تطال أكثر من نصف الشباب المؤهلين والخريجين وانتشار المخدّرات والفكر التكفيري وانحطاط الذائقة الثقافية؟

وبالمثل، إنَّ نسبة النساء العاملات تبلغ أقل من 15%، رغم أنّهن يشكّلن أكثر من نصف الجامعيين.

خامساً: هل دعم الاقتصاد الأردني يتمّ بتدمير البنى الإنتاجية، وتحويل الأراضي التاريخية لزراعة القمح إلى جامعات، ونهب الموارد العامة باسم برنامج الخصخصة المدعوم أميركياً؟ وهل يتمّ دعم الاقتصاد بمضايقة التجار والصناعيين الأردنيين الراغبين في التواصل مع سوريا؟ وهل لهذه المضايقة علاقة بتنشيط ميناء حيفا الصهيوني؟

سادساً: أما موضوع المياه وجفاف البحر الميت الَّذي حظي باهتمام السفير عبر الاتفاقية مع العدو الصهيوني (“إسرائيل” بالنسبة إلى السفير)، فهو محصّلة السياسات الصهيونية العدوانية التوسعية التي حظيت على الدوام بدعم أميركي كبير، ومنها تجفيف نهر الأردن وتحويل مياهه إلى بحيرة طبريا المحتلة، وضخ نفاياته في الأردن، ما تسبب بتخريب محطة زي وغيرها.

ومن اللافت إلى الانتباه أنَّ عاصمة السفير وغالبية العواصم الأوروبية فضّلت مصالح “قتلة المسيح”، وساهمت في تجفيف النهر الذي تعمّد فيه يسوع، وحولته إلى مكرهة صحية (صلب النهر كما المسيح).

على الصعيد العربي والدولي

1- قال سعادته إنَّ أميركا عبر تاريخها هي أكبر مساهم إنساني في أوكرانيا وغيرها من بلدان العالم. هل من المساهمة الإنسانية قصف المدن بالقنابل الذرية (اليابان)، وقصف الأرياف بالسائل البرتقالي (فيتنام)، وقصف الأنهار والقرى وسواد العراق باليورانيوم المنضب، وقبل ذلك كلّه دعم الكيان الصهيوني بأشدّ الأسلحة فتكاً وإجراماً؟ هل من المساهمة الإنسانية أن تتضاعف موازنة البنتاغون بعد الانهيار السوفياتي وحلف وارسو عشرات المرات؟

سيقول إنَّ ذلك لمواجهة الإرهاب. ماذا إذاً عن اعترافات هيلاري كلينتون (من الحزب الديمقراطي) وترامب (من الحزب الجمهوري) باختلاق الدواعش ودعمهم؟

والحقّ أنَّ سعادته كان مصيباً في التمييز بين أميركا في العراق وروسيا في أوكرانيا، ولكن من منظور مختلف. بوصف سعادته مديراً سابقاً في مجلس الأمن القومي الأميركي – وحدة آسيا الوسطى، وانطلاقاً من أنه يعرف روسيا جيداً، فلا بدّ من أنه اطّلع على الاستراتيجية الأميركية المستمدة من كتابات بيرجينسكي (فيلسوف الإمبريالية الأميركية الأكبر)، والتي دعا فيها منذ 40 عاماً تقريباً إلى السيطرة على أوكرانيا وكازاخستان، في سياق السيطرة على “قلب العالم” وأوراسيا، حيث يتشكّل العالم الجديد.

انطلاقاً من ذلك، كانت العملية العسكرية الروسية الشجاعة جزءاً من استراتيجية الدفاع الاستباقية (الدفاع خارج الأسوار)، بعد أن سقطت أوكرانيا بقبضة الإمبرياليين عبر الثورة الملونة بقيادة النازيين.. النازيين يا سعادة السفير!

أما الغزو الأميركي للعراق وتدمير دولة وشعب عرف الحضارة قبل اجتياح الأنجلوسكسون للقارة الشمالية وإبادة سكانها، فقد كان جزءاً من استراتيجية النهب والهيمنة الأميركية على العالم.

2- بخصوص سوريا، يذكر سعادته بالتأكيد تصريحه عن الرحيل الوشيك لما أسماه “نظام الأسد”، وذلك في شباط/فبراير 2012، وها هو النظام باقٍ، وعلى رأسه الأسد، على الرغم من وجود نصف مليون مرتزق وتكفيري يعرف سعادته جيداً من درَّبهم وسلّحهم وجلبهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى