مقالات

ضربة إيران الباليستية في أربيل.. رسائل النار

هدى رزق

تعود العلاقة بين “إسرائيل” والكرد في شمالي العراق إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، وجاءت كجزء من استراتيجية “تحالف الأطراف” التي تبنّاها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول، ديفيد بن غوريون، وقد استند إلى علاقات أوثق مع دول المنطقة ومع الأقليات العرقية والدينية داخل هذه الدول.

اكتسبت العلاقات بين “إسرائيل” وكردستان العراق زخماً ووضوحاً مع زيارات مصطفى برزاني (والد مسعود) لـ”إسرائيل” في عامي 1968 و1973. تطورت العلاقات حول ركائز رئيسية: التعاون الأمني، وعلى وجه الخصوص التدريب الاستخباري والعسكري، والتعاون الاقتصادي في مجال الطاقة والبناء والتكنولوجيا الزراعية والاتصالات والثقافة.

تُعتبر حكومة إقليم كردستان شريكاً ضرورياً من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.  لكن الطريقة التي تطورت فيها حكومة الإقليم بعد عام 2003، تمحورت حول الاعتماد على عائدات النفط لبناء المحسوبية السياسية والدعم الاجتماعي. وقد أدّى ذلك إلى تضخم هائل في رواتب القطاع العام، ونقص التمويل في البنية التحتية العامة والاستثمار، وتزايد المحسوبية الاقتصادية داخل النخب الحكومية والحزبية، الأمر الذي مكّن برزاني من الاحتفاظ بالرئاسة من دون موافقة الأحزاب المختلفة، بعد آب/ أغسطس 2015، ومن تجاهل البرلمان.

تم استحداث مديرية الشؤون اليهودية داخل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الكردية في عام 2015، واعترفت “إسرائيل” في تلك الفترة بأن 75 في المئة من الوقود الذي تستورده كان يأتي من كردستان العراق. ويأتي حرص تل أبيب على التعاون مع كردستان العراق واهتمامها بتعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية معها، رغبة بالدور الذي يمكن أن تلعبه إذا ما قيّد لها الاستقلال كدولة كردية مستقبلاً، ما يؤدي من وجهة نظر “إسرائيل” إلى إحداث تحول إيجابي عميق في البيئة الاستراتيجية والإقليمية المحيطة بالكيان الصهيوني، بالتساوق مع عملية التطبيع الجارية مع بعض الدول العربية.

وكانت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية قد كشفت أن الشركات الإسرائيلية تستثمر بكثافة في كردستان، ورأت أن دولة كردية شمالي العراق ستكون نواة لدولة كردية أكبر، بإمكانها مستقبلاً ضم المناطق الكردية في سوريا وتركيا وإيران. استغلت “إسرائيل” إقليم كردستان للعمل ضد إيران، وكشفت وسائل إعلام أجنبية أن وكالات التجسّس التابعة للموساد استخدمت كردستان كقاعدة لتنفيذ عمليات سرية ضد المنشآت النووية.

لطالما توجسّت إيران من الوجود الإسرائيلي في أربيل، واعتبرت أن الأخيرة تتآمر والكيان الصهيوني ضدها، فكانت الرسائل التي أرسلتها إيران عبر قصف مدينة أربيل يوم الأحد الـ 13 من آذار/ مارس بعشرات الصواريخ الباليستية موجّهة الى عدة اتجاهات، بعد تطورات شهدتها المنطقة. وجرى الحديث عن إصابة القنصلية الأميركية، لكن وزارة الدفاع في واشنطن أكدت أن المنشآت الأميركية لم تتعرض للقصف هذه المرة. بدوره، أكد حرس الثورة الإيرانية أنه نفّذ الهجوم على “مراكز استراتيجية” إسرائيلية، ما يؤشر على أنه انتقام من الضربات الجوية الإسرائيلية الأخيرة التي قتلت عسكريين إيرانيين في سوريا.

أكدت الصحف الأميركية الخبر، كذلك فعلت الصحف الإسرائيلية التي أشارت إلى أن المركز الذي تمّ استهدافه يقع إلى جانب القنصلية الأميركية الجديدة. وهي المرة الثانية التي تطلَق فيها صواريخ باليستية على قاعدة في العراق، بعد قاعدة عين الأسد التي كانت تستضيف القوات الأميركية في كانون الثاني/ يناير 2020، انتقاماً لاستهداف قائد قوة القدس الفريق قاسم سليماني.

جاءت ردود فعل القادة العراقيين غير متوازنة، عبر نفيهم لوجود مركز تدريب للموساد في أربيل، وتهجّم بعضهم على إيران، واتهامها ضمناً بخرق السيادة العراقية. هذه الردود عكست تخوّفها على التحالفات الانتخابية التي نسجها مقتدى الصدر مع الإقليم الكردي تحت شعار تحالف المنتصرين في الانتخابات الأخيرة، وهو بذلك حاول استبعاد بعض الرموز المقرّبة من طهران، فهل طالت فعلاً إحدى الرسائل قادة العراق من بين الرسائل الموجّهة الى تل أبيب والولايات المتحدة وحلفائها العرب؟

لا شك في أن الفترة الأخيرة كانت حبلى بالأحداث التي حتّمت موقفاً إيرانياً، فما هو فحوى رسائلها؟

من الواضح أن الرسالة الأولى وصلت “إسرائيل” التي قصفت مؤخراً المنشآت التي يديرها حرس الثورة الإيرانية بشكل مكثّف، وكانت إيران قد أكدت مقتل ضابطين إيرانيين برتبتين رفيعتين، في غارة إسرائيلية خارج العاصمة السورية.

تؤكد الضربة بالصواريخ الباليستية أن بإمكان إيران الوصول إلى أيّ مكان لتطال أعداءها وتحافظ على أمنها القوميّ، حتى لو أغضب الأمر القادة العراقيين الذين عليهم أخذ العلم بأنها لن تسمح لأي بلد جار لها بأن يكون موطئ قدم لأعدائها، الأمر الذي تتحمّل مسؤوليته هذه الدولة، وإلا فإن إيران يمكنها تولّي الأمر بنفسها، انطلاقاً من حق الدفاع المشروع.

وكان المرشد الإيراني علي خامنئي قد أكد الأسبوع المنصرم، في خطابه حول الجدل الدائر في الخارج والداخل بخصوص الدور الإقليمي لإيران، أن هذا الوجود يمنح إيران قوة داخلية وخارجية،  وأن “التراجع في مواجهة أميركا أو أي قوة أخرى لتجنّب العقوبات خطأ جسيم يوجه ضربة للسلطة السياسية”.

اعتراف حرس الثورة الإيرانية بشنّه هذا الهجوم وضع حلفاء إيران في العراق أمام مسؤولياتهم، ولا سيما في ظل التفاهم والمفاوضات بشأن تشكيل الحكومة المقبلة، بعد إجراء زعيم التيار الصدري اتصالاً هاتفياً مع رئيس ائتلاف دولة القانون والقيادي في الإطار التنسيقي الشيعي نوري المالكي، وبعد عقد اجتماع بين قيادات في الإطار التنسيقي وتحالف السيادة، والتحالف مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتعدّ أربيل مركز ثقله السياسي.

بضربها لأربيل تؤكد إيران أن أمنها خط أحمر، وهي رسالة الى بعض المتحمّسين للتطبيع مع “إسرائيل”، أو إلى من تراه إيران عدواً لها، سواء كان عربياً أم غربياً. الرسالة التي اعتبرت أن القرارات العراقية يجب أن تراعي أمن إيران بعد تأليف الحكومة، هي موجّهة بالنار أيضاً إلى كل الأطراف الإقليميين، بما يعكس نهجاً إيرانياً جديداً في توجيه الضربات الصاروخية المعبأة بالرسائل إلى جميع الأطراف.

إنه من دون شك وقت حساس بالنسبة إلى طهران، مع التحولات المرتقبة في موازين القوى في الشرق الأوسط، مع توقّف محادثات إحياء الاتفاق النووي الإيراني ودعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي الدول الخليجية، ولا سيّما السعودية، إلى تشكيل ناتو عربي في المنطقة. إنها رسالة الى الدول العربية التي تنافس طهران على الدور الإقليمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى