تقارير

الأزمة الروسية الاوكرانية: خلفياتها وتداعياتها وتأثيراتها المحتملة

الإبـــاء/متابعة

الأزمة الروسية الاوكرانية: خلفياتها وتداعياتها وتأثيراتها المحتملة على النظام العالمي ومنطقة الشرق الأوسط

أوكرانيا دولة تقع في شرق أوروبا وتحيط بها عدد من الدول الأوربية أهمها روسيا الاتحادية ، وتبلغ مساحتها الجغرافية ٦٣٠,٥٥٠ الف كم٢ فيما يصل عدد سكانها قرابة ٤٣ مليون نسمة.

ولأجل معرفة أسباب الأزمة الراهنة بين روسيا واوكرانيا ، ينبغي تسليط الضوء ولو بشكل سريع على تاريخ العلاقة بين البلدين والمراحل التي مرت بها وبالخصوص منذ انتصار الثورة البلشفية في روسيا ، وتسلم الحزب الشيوعي السلطة بعد القضاء على حكم القياصرة في عام ١٩١٧ .

تطورت العلاقة بين الدولتين على أساس رسمي منذ القرن السابع عشر ، لكن هذه العلاقة شابها نوع من الفتور والقطيعة ، وبعد الثورة البلشفية عادت العلاقات مرة اخرى وذلك في العام ١٩١٧ ، وفي العام ١٩٢٠ اجتاحت القوات الروسية أوكرانيا وتحولت العلاقات بين الدولتين من الإطار الدولي الى الداخلي حيث دخلت أوكرانيا ضمن الاتحاد السوفيتي الذي تأسس في عام ١٩٢٢.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١ ، مر طابع العلاقة بين روسيا واوكرانيا من العلاقات الطيبة ، والتوترات والعداء الصريح من روسيا .

قبل احتجاجات الميدان الأوروبي ( ٢٠١٣-٢٠١٤) وتحت حكم رئيس أوكرانيا فيكتور يانوكوفيتش كانت العلاقات بين البلدين ذات طابع تعاوني ، بوجود اتفاقات تجارية متنوعة .

وعلى أثر سقوط حكومة ياناكوفيتش الموالية لروسيا في ٢٠١٤ ، قامت القوات الروسية بالسيطرة على شبه جزيرة القرم ، وفي ١٤ مارس ٢٠١٤ نظمت الحكومة الموالية للروس استفتاء القرم إذ صوت الناخبون بأغلبية ساحقة للانضمام الى روسيا ، وعلى أثر ذلك انسحبت القوات الاوكرانية  من الجزيرة .

ومع مجيء حكومة موالية للغرب في أوكرانيا بزعامة اليهودي فولوديمير زيلينسكي أخذت العلاقات بين روسيا واوكرانيا بالتدهور ، وفي ١٤ أيلول ٢٠٢٠ وافق الرئيس الاوكراني على استراتيجية الأمن القومي الجديدة لأوكرانيا والتي تنص على تطوير شراكة متميزة مع حلف الناتو بهدف الحصول على العضوية الدائمة فيه . كما وقع في ٢٤ آذار ٢٠٢١ مرسوما بالموافقة على استراتيجية إنهاء الاحتلال وإعادة دمج الأراضي المحتلة لجمهورية القرم الى أوكرانيا .

نشر بوتين بعدها وتحديدا في تموز ٢٠٢١ مقالا بعنوان ” الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين ” أعاد فيه تاكيد وجهة نظره القائلة بأن الروس والأوكرانيين هم شعب واحد .

في الأول من ديسمبر أتهمت روسيا أوكرانيا بنشر حوالي ١٢٥ الف جندي في اقليم دونباس لمواجهة الانفصاليين الموالين لروسيا .

في ٢٤ فبراير ٢٠٢٢ بدأ الرئيس بوتين بشن عملية عسكرية روسية في اقليم دونباس شرقي أوكرانيا ، وبدأت الحملة بعد حشد عسكري طويل ، وبعد الاعتراف الروسي باستقلال جمهوريتي دونتيسك ولوغانسك في شرق أوكرانيا في ٢١ فبراير ٢٠٢٢ .

  • الأسباب التي دفعت الرئيس فلاديمير بوتين الى التدخل العسكري

بعد أن عرفنا الخلفية التاريخية للصراع ، أصبح لزاما معرفة الأسباب التي دفعت الرئيس فلاديمير بوتين الى التدخل العسكري المباشر وارسال قواته الى أوكرانيا ، وحسب ما تنشره المواقع الإخبارية والمراكز البحثية ، علاوة على التصريحات التي تصدر من موسكو وكييف ، يمكن ان نلخص الأسباب بالنقاط التالية :

١- رفض الولايات المتحدة وحلف الناتو تقديم الضمانات الأمنية التي طلبتها روسيا ومنها : عدم ضم أوكرانيا الى حلف الناتو ، والحد من نشر قوات الحلف في الشرق الأوروبي والذي يمثل في الواقع تنفيذا لما تعهد به بوش الأب لميخائيل جورباتشوف عشية انهيار الاتحاد السوفيتي ، وجعل أوكرانيا دولة محايدة ومنزوعة من السلاح الأستراتيجي .

٢- هناك من يرى أن احد العوامل المهمة للعملية العسكرية الروسية الراهنة كان انفصال الكنيسة الاوكرانية عن الكنيسة الروسية عام ٢٠١٨ ، إذ كانت جزءا منها منذ عام ١٦٨٦ ، وهذا بحد ذاته يشكل ضربة قوية وخطيرة لطموحات بوتين والكنيسة الروسية على مستويات عدة إذ يمثل الأوكرانيون الأرثوذكس ٣٠٪؜ من مجمل المسيحيين التابعين لبطريك موسكو ، ويعني الانفصال خسارة ملايين الاتباع وملايين الدولارات من املاك الكنيسة ، والعاصمة كييف تعد بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكس بمثابة القدس ، لذلك فإن الصراع على أوكرانيا هو ايضا صراع على أي ارثوذكسية ستطبع وجه أوروبا الشرقية ، ويعود السبب في ذلك الى رمزية كبرى تتحلى بها مدينة كييف في تاريخ المسيحية الأرثوذكسية إذ أنها لعبت دورا في تأسيسها وتعد الموطئ الأول للمذهب في الوعي الجمعي الروسي .

وعموما فإن القيادة الروسية تشعر بالخطر الداهم ، حيث وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١ ، لم يتوقف تعزيز التواجد العسكري للبلدان الغربية وأمريكا ، واستطاع الغرب من ضم معظم البلدان الأوروبية الشرقية التي كانت سابقا جزءا من الاتحاد السوفيتي الى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ( البانيا ، بلغاريا ، كرواتيا ، هنغاريا ، بولندا ، رومانيا ، التشيك ، سلوفاكيا ، سلوفينيا ومونتينيغرو ) ، وبسبب هذه التطورات اصبح الأمن القومي الروسي مهدد بالخطر وبالخصوص من جارتها أوكرانيا التي كانت حجر الزاوية في دول الاتحاد السوفيتي ، كما كانت أكبر الجمهوريات السوفيتية الخمسة عشر من حيث عدد السكان بعد روسيا ، وبحكم موقعها كانت موطنا للإنتاج الزراعي والصناعات الدفاعية العسكرية للاتحاد السوفيتي بما في ذلك أسطول البحر الأسود وبعض الترسانة النووية .

  • تداعيات الأزمة على النظام العالمي والاستقرار في أوروبا

يتفق المحللون على أن الأزمة الاوكرانية تمثل الأزمة الأخطر على الساحة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينات القرن العشرين ، وقد تسفر عن زعزعة أسس النظام العالمي الذي تهيمن عليه حاليا الولايات المتحدة ، وعن تمهيد الطريق أمام قيام نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يكون لروسيا والصين دور فاعل فيه .

وبما أن أزمة أوكرانيا مركبة ومعقدة ولها ابعاد دولية ، فإن تأثيراتها سوف تتجاوز النطاق الأوروبي لتصل الى كل نقاط العالم خاصة في الأبعاد الاقتصادية والمالية والتجارية وهذا ما برز بعيد اندلاع الأزمة بوقت قليل حيث شهدت أسعار النفط والغاز ارتفاعا حادا وهو ما سيؤدي بالضرورة الى ارتفاع أسعار النقل والإنتاج بالنسبة لجميع السلع سواء الصناعية أو الزراعية والحيوانية .

  • الأزمة وتأثيراتها على الشرق الأوسط

هذه الأزمة التي دخلت شهرها الثاني لها تاثيرات وانعكاسات على الأمن الغدائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، وقد أثارت الحرب مخاوف بشأن الأمن الغذائي والاستقرار السياسي .

وبهذا الصدد قال صندوق الأمم المتحدة للتنمية الزراعية إن تاثير ارتفاع أسعار الغذاء ونقص المحاصيل بدأ يتضح بالفعل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وقال رئيس الصندوق غيلبرت هونغبو ” قد يتسبب ذلك في تفاقم الجوع والفقر ، مع تداعيات وخيمة على الاستقرار العالمي .

وكتب محللون في معهد الشرق الأوسط ومقره واشنطن ” مابين ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع أسعار الغذاء ، يمكن ان تؤدي أزمة أوكرانيا الى تجدد الاحتجاجات وعدم الاستقرار في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “.

لكن أوجه تأثير الأزمة على دول المنطقة ستكون مرتبطة الى حد كبير بطبيعة السيناريوهات التي يمكن أن تتطور وفقها الأزمة ، إذ يرسم الخبراء سيناريوهات متباينة لمآلات صراع القوة المفتوح بين الغرب وروسيا ، وهي تتراوح بين سيناريو حرب واسعة أو محدودة ، وسيناريو استمرار التوتر الحاد ، وسيناريو اتجاه الأزمة نحو الانفراج بناء على تسوية مؤقتة أو بعيدة المدى .k

 

تقرير/فهد الجبوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى