مقالات

عن أطماع “المجتمع المدنيّ” في لبنان وأنانيّته ومراهقته

غسان سعود

بموازاة المعارك داخل الحزب الواحد بالنسبة إلى تيار المستقبل والقوات اللبنانية والكتائب، والمعارك الكبرى بين بعضهم البعض، تتفجَّر معارك حقيقية داخل ما يوصف بالمجتمع المدنيّ: مجتمع مدني مؤيد للتحالف مع البيوتات السياسية التي تتوارث المقاعد النيابية منذ أكثر من 100 عام، ومجتمع مدني يرفض التحالف مع هؤلاء. مجتمع مدني يريد أن يكون تحرير لبنان من “الاحتلال الإيراني” عنواناً للمعركة، ومجتمع مدني لا يحمل أي خارطة طريق لحل أزمة واحدة من أزمات البلد الكثيرة. مجتمع مدني ممول من الخليج والسفارة الأميركية ضد مجتمع مدني ممول من خليج آخر ومن الاستخبارات الفرنسية.

ما سبق ليس مجردَ عناوينَ أو نكتٍ، إنما هو واقع تعيشه المجموعات في غالبية الأقضية، حيث تحتدم الخلافات، ولا يكاد يُحفظ اسم مجموعة حتى يختلف أعضاؤها، وينشقون عن بعضهم البعض، ولا تكاد تفهم آخر تركيباتكم حتى يصل تسجيل صوتي ينبئ بانهيار هذه التركيبة، كما لا يُعقد اجتماع تنسيقي مفترض حتى ترى الكراسي تتطاير من نوافذه مع الشتائم والاتهامات.

لا شكّ في أنّ الرأي العام لا يفهم غالباً سبب مهاجمتهم لبعضهم البعض، ظناً منه أنَّ المجتمع المدني “كله ع بعضه” هو حزب آخر، فيما الواقع مختلف بالكامل، إذ يكاد يكون كل ناشط وكل جمعية حزباً بحد ذاته، وهذا الحزب يستشعر الخطر على تمويله واستمراريته من الحزب المجاور له المتمثل بالناشط الآخر أو الجمعية.

ولا شيء يوتر الناشط أكثر من الحديث بإيجابية عن ناشط آخر يفترض أنه زميل له، فهم يكرهون بعضهم البعض أكثر من أي شيء آخر، لأن الحزب التقليدي لا يسعى لمقاسمتهم اللقمة أو التمويل، وهم يعتبرون بالتالي أن نجومية أي ناشط أو مجموعة إنما تعزز حظوظه بالحصول على التمويل بدلاً منهم.

المثل واضح: هناك موازنة محددة للبنان، كان يمكن أن يذهب الجزء الأكبر منها إلى فلان وعلتان، لكن نجومية النائب المستقيلة بولا يعقوبيان وما راكمته من خبرة تسويقية في الإضاءة على عملها الاجتماعي بموازاة الموقف السياسي الواضح، يتيح لها الحصول، بدلاً منهم، على الجزء الأكبر من هذه الموازنة، وهو ما يفاقم نقمتهم عليها، ويضاعف انتقاداتهم لها، باعتبار أنها – لا الأحزاب التقليدية – تأخذ التمويل من دربهم.

وإذا كانت يعقوبيان هي المثل السياسيّ الفاضح، فإن هذا التفصيل يحكم علاقات ما يسمى بالمجتمع المدني على جميع المستويات. الناشط البيئي يخشى من الناشط البيئي الآخر، والناشط الحقوقي يخشى من الناشط الحقوقي الآخر إلى ما لا نهاية، وهو ما يجعلهم يستنفرون على جميع المستويات لتهشيم سمعة بعضهم البعض وفضحها وتشويهها.

في دائرة بعبدا مثلاً، يوجد مقعد ماروني واحد من أصل 3 يمكن أن يقنع هؤلاء أنفسهم أن بوسعهم الفوز به، وإذا بالمفاجأة تكمن في وجود أكثر من 19 مرشحاً من هذا المجتمع المدني المفترض يتنافسون للترشح عنه.

وإذا كانت فضيحتهم تتمثّل بأنهم شكلوا 3 لوائح في دائرة الشوف – عاليه في انتخابات 2018، فإنهم يستعدون هذه المرة لتشكيل 4 لوائح “تأكل جميعها من الصحن نفسه”، مع العلم أن مجموع أصوات اللوائح الثلاث في الانتخابات السابقة كان نحو 18 ألف صوت، لكنها لم تتمكن من الفوز بأيّ مقعد نيابي، رغم أنَّ الحاصل كان نحو 13 ألف صوت فقط، وذلك نتيجة تقاسم اللوائح الثلاث للأصوات، فكيف الحال اليوم مع 4 أو أكثر! لا شكّ في أنّ الوقت يمضي ضد هؤلاء، في ظلِّ الانشغال الأميركي اليوم بساحات النزاع الأهم، إضافةً إلى الاشمئزاز الغربي العام من كلّ ما يتصفون به من أنانية مفرطة وطمع وفساد.

أما في المتن الشمالي، فكان ثمة لائحة واحدة يمكن وصفها بلائحة مجتمع مدني في تلك الانتخابات. أما اليوم، فهناك لائحة “الكتائب وبعض المجتمع المدني الكتائبي”، ولائحة للقوات وبعض المجتمع المدني، ولائحة ثانية باسم المتن المستقل، ولائحة ثالثة باسم المتن السيادي، ورابعة وخامسة، وربما سادسة وسابعة.

والمفارقة الكاريكاتورية المضحكة جداً أنَّ بعض هذه اللوائح يعلم جيداً أنها لا يمكن أن تحصد بمرشحيها الثمانية أكثر من 500 صوت، فيما الحاصل الانتخابيّ أكثر من 12 ألفاً، لكنَّهم يتمسّكون بالترشيح وخوض الانتخابات، ظناً منهم أن بوسعهم مقايضة انسحابهم بعائدات مالية أو معنوية.

وفي دائرة الشمال الثالثة، يتكرر المشهد نفسه: ميشال رينيه معوض ومجد بطرس حرب وبعض المجتمع المدني، القوات وبعض آخر من المجتمع المدني، “شمالنا” وبعض المجتمع المدني المناهض لمعوض، رابعة خاصة بالمجتمع المدني المؤيد لمعوض، وخامسة وسادسة في أقل تقدير.

في السابق، كان لكل ناشط في المجتمع المدنيّ جمعية أو أكثر. واليوم، لكل جمعية لائحة انتخابية أو أكثر، في وقت يفترض أن يتجاوز عدد اللوائح في طرابلس عديد المتظاهرين في ساحة النور في زمن البث التلفزيوني الثوري المباشر.

والواضح في هذا السّياق أنَّ الكثير من هؤلاء الصبايا والشباب لا يعرفون الفرق بين المرشح والنائب، إذ يبدو طموحهم الأعظم هو الفوز بلقب مرشح للنيابة، وليس النائب بحد ذاته، وهم لا يحسبون في غالبيتهم أية حسابات انتخابية لها علاقة بالأرقام أو الماكينات أو تقدير عدد الأصوات التي يمكن أن يجمعوها.

وإذا كان المرشح التقليدي يحسب حساب حزبه أو “البهدلة” أمام عائلته وجيرانه في حال نيله القليل من الأصوات، فإنَّ هؤلاء لا يحملون أنفسهم أعباء الهموم المماثلة، إذ يمكن للأصوات القليلة التي سينالونها أن تكون مصدر فخر لهم، بحكم سعادتهم بمعرفة أن المجتمع يكرههم، وهم غالباً ما يقيسون نسبة نجاحهم بنسبة استفزازهم الرأي العام لا العكس، مع العلم أنَّ التدقيق في نتائج انتخابات 2018 يظهر أنّ من تطلق على نفسها صفة خبيرة في شؤون النفط لوري حبطايان حصلت على 218 صوتاً من أصل 134736 ناخباً في دائرة بيروت الأولى أو ما نسبته 0.16% من الناخبين، لكنها لم تخجل أبداً أو تقيّم تجربتها أو تستخلص العبر، إنما واصلت الأداء الهزليّ بحماسة أكبر.

أما في بيروت الثانية، فيتبيَّن أنَّ 3 لوائح لما يسمى المجتمع المدني تضمّ كلّ واحدة منها أكثر من 8 مرشحين، نالت أقل من 900 صوت، بمعدل أقل من 100 صوت لكل مرشح. ومع ذلك، إن المجموعة التي كانت تشكّل لائحة واحدة في تلك الانتخابات، وقد نالت مجتمعة أقل من ألف صوت، انقسمت إلى 3 مجموعات أو أكثر اليوم.

وإذا كانت انتخابات 2018 مثلت أكثر من فرصة للاتعاظ وأخذ العبر بالنسبة إلى الأحزاب والكثير من المرشحين الذين دفعوا من لحمهم الحي ثمن جهلهم بالقانون الانتخابيّ، وهو ما يدفعهم إلى عدم الترشح اليوم، فإن ما يحصل على جبهة ما يوصف بالمجتمع المدنيّ يؤكد عدم تقييم هؤلاء لتجاربهم أو الخجل أو الاتعاظ من أخطائهم واستخلاص العبر منها.

المشهد باختصار: أنانية مقززة، عقول ترفض مناقشة الأرقام، تعالٍ مفرط، عدم تقبّل أيّ شكل من أشكال الرأي الآخر أو الوقوف في الصف أو احترام تراتبية ما أو أي شكل من أشكال الهيكلية، تناقض هائل في التحالفات بين ما يقولونه وما يفعلونه، إصرار على طغيان آرائهم على جميع الآراء الأخرى، تكفير في كل صغيرة وكبيرة، رفض لأيّ شكل من أشكال العمل الجماعي، بما في ذلك تشكيل اللوائح، سعي جنوني للوصول إلى السلطة، وهوس مطلق بالإعلام، مع العلم أنَّهم بغالبيتهم يتلقون الدورات التدريبية نفسها، ويظهرون تطابقاً استثنائياً في المواصفات.

بدلاً من تقديم نموذج يحتذى في المشروع والعمل الجماعي وتضافر الجهود و”حل النزاعات بالطرق السلمية”، يصارع ما يوصف بالمجتمع المدني بعضهم البعض، ويأكلون بعضهم البعض، ويشمتون ويشتمون ويتقاتلون ويناحرون ويحاربون بعضهم البعض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى