مقالات

إردوغان وهرتسوغ و”نقش سلوان”

الإباء / متابعة

لن يتوقّف هذا المقال كثيراً عند التبريرات الهزيلة التي ساقها بعض مريدي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في محاولة بائسة لتخفيف قبح فعلته الأخيرة، حين استضاف رئيس الكيان المؤقت إسحاق هرتسوغ في أنقرة، معلناً بذلك إعادة الحميميَّة إلى العلاقات التركية الصهيونية التي لم تنقطع فعلياً في أي يومٍ.

ماذا يمكن القول في تبريرٍ على شاكلة “التمس لأخيك سبعين عذراً” أو تبريراتٍ ساقها آخرون من قبيل كون إردوغان “لا حول له ولا قوة في هذه القضية”، لأنه ورِث هذه العلاقات عن أسلافه! متجاهلين كلياً حقيقة تحويله نظام الحكم في تركيا إلى نظامٍ رئاسيٍّ، ما يمنحه صلاحياتٍ مطلقة تمكّنه من تعديل كل سياسات الدولة التركية، حتى صار بإمكان الرئيس التركي، وفقاً لنظام الحكم الجديد، إبقاء مستوى العلاقات مع الكيان المؤقت على حالها، وسحب اعتراف الدولة التركية به من أساسه، مصحِّحاً بذلك خطيئة أسلافه من جذورها، إن كان صادقاً فعلاً.

على أي حال، يعدّ رد فعل الشعب التركي وبعض الأحزاب التركية على سقطة الرئيس إردوغان أبلغ ردٍ على تلك التبريرات السخيفة التي ساقها بعض العرب والفلسطينيين من مريدي إردوغان بكلِّ أسى.

وتعدّ تلك التبريرات الهزلية تعبيراً عن مدى الحرج والمأزق الذي وقعت فيه بعض الحركات الإسلامية؛ تلك الحركات التي ربطت كلّ رهاناتها السياسية بنظام إردوغان، وحركاتٍ أخرى كانت قد أعادت تشكيل تحالفاتها بناءً على الهوى التركي، إما نتيجة لسطحيةٍ سياسيةٍ، وإما بسبب نزواتٍ واعتباراتٍ حزبيةٍ قاصرةٍ، لكن مهما كانت دوافع تلك الحركات، فقد دلّت الأحداث على أنها كانت تعبيراً عن مراهقةٍ سياسيةٍ، وعن ضياع البوصلة في مرحلةٍ مفصليةٍ من تاريخ أمتنا، فعسى أن تكون هذه الصفعة مناسَبةً لهم لإعادة النظر في حساباتهم، وفي خياراتٍ كانوا قد اتخذوها.

أما في ما خص لقاء الرئيس التركي برئيس الكيان المؤقت، فمن نافلة القول وصفه بالتطبيع، وكل تطبيعٍ يُعدّ خيانةً للأمة الإسلامية، وخيانةً للمسجد الأقصى وباقي المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين المحتلة، وطعنةً في ظهر القضية الفلسطينية؛ قضية العرب والمسلمين المركزية.

لكن في خضمِّ التصريحات التي سمعناها خلال بازار التطبيع هذا الذي تنطبق عليه مقولة “يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي”، كان هناك تصريحان لافتان للرئاسة التركية يجدر التوقف عندهما، إضافةً إلى خبرٍ كشفت عنه صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الصهيونية في 11 آذار/مارس الجاري.

في التصريح الأوّل، قال الرئيس التركي إنَّ “أنقرة لديها إمكانية للتعاون مع إسرائيل في القطاع الدفاعي”. إذاً، لا ينوي الرئيس إردوغان الاكتفاء بمساعدة الكيان الصهيوني في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية فحسب! ويمكن هنا طرح الأسئلة الآتية: أيّ مجالٍ دفاعيٍ يملكه هذا الكيان المؤقت وهو المعتدي والمحتل؟ وإلى صدر من سيوجِّه هذا المحتل دفاعه المزعوم؟ أليست حركات المقاومة مَن يستهدفها “دفاع” هذا المحتل؟

وما دام الرئيس إردوغان سيتعاون عسكرياً مع من يغتصب المقدسات والأرض، فلِمَ إذاً لم يتكرَّم ويقُم بتقديم، ولو رصاصةٍ واحدةٍ، لحركات المقاومة في فلسطين والإقليم، كي تُدافِع عن شعبها الذي يكابد الاحتلال ويذود عن المقدسات باللحم الحي؟ وهل سنرى في المستقبل مُسيَّرة “بيرقدار” تقصف في غزة ولبنان وسوريا وقد اتشحت بنجمة داوود؟

والأنكى من هذا وذاك، هو أنَّ الرئيس إردوغان يشترط على كلِّ من يقيم في تركيا ألا ينخرط حتى في أيِّ عمل يدعم المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وذلك تحت طائلة الترحيل من الأراضي التركية، كما حصل مع بعض قيادات حركة “حماس” سابقاً.

أما التصريح الثاني، فكان تكراره طرح فكرة إنشاء أنبوب غاز طبيعي من الكيان المؤقت إلى أوروبا يمر عبر تركيا، إذ ألمح إردوغان إلى أنَّ أوروبا يمكنها تقليل الاعتماد على الغاز الروسي من خلال مدّ خط أنابيب غاز من “إسرائيل” عبر تركيا.

ويعدّ هذا الأمر، في حال حصوله، مشاركة في سرقة الغاز العربي الذي يسرقه الكيان المؤقت من سواحل فلسطين ولبنان، وفي هذا الأمر كذلك مساعدةٌ للكيان المؤقت كي يحتل مكانةً استراتيجيةً حول العالم في سوق الطاقة.

وفي نظرةٍ أشمل، يكشف هذا الطرح أنَّ تركيا تجد نفسها أقرب إلى المعسكر الغربي ضمن الصراع المصيري الدائر حالياً في الأراضي الأوكرانية؛ هذا الصراع الدائر بين معسكرٍ أميركيٍ غربيٍ يخوض معركةً حاسمةً للإبقاء على هيمنته على شعوب المعمورة، ومعسكرٍ شرقيٍ طامحٍ لكسر الهيمنة الأميركية في سبيل عالمٍ متعدد الأقطاب، فهل في هذا الانسجام التركي مصلحةٌ لشعوب المنطقة التواقة إلى الخلاص من سطوة الأميركي وربيبه الكيان المؤقت؟

يجدر التذكير بأنَّ هذا التّصريح التركي ليس جديداً، فقد ورد غير مرةٍ على ألسنة مسؤولين أتراك خلال السنوات الماضية فكرة إنشاء أنبوب غاز شرق المتوسط. ولطالما أدرك الأميركيون، والغرب عموماً، حجم التحول الاستراتيجي الذي يصبّ في مصلحتهم إذا ما تحقق هذا المشروع على أرض الواقع، لكن كانت إمكانية مرور هذا الأنبوب من السواحل اللبنانية والسورية إحدى أكبر العقبات أمام تنفيذ مشروعٍ استراتيجيٍ كهذا، فهذا أمرٌ دونه موافقة لبنان وسوريا على الانخراط في مشروعٍ تطبيعيٍ مع الكيان المؤقت.

وتدرك كلٌ من أميركا وتركيا والكيان المؤقت استحالة حصول هذه الموافقة ما دام، أولاً، ثمة مقاومة لبنانية تتجلى في مقاومة حزب الله التي تمنع ذهاب الدولة اللبنانية إلى الاعتراف بالكيان المؤقت وتوقيع اتفاقية سلام معه، على غرار مشروع معاهدة 17 أيار 1983، الذي أفشلته المقاومة اللبنانية، بدعمٍ شعبيٍ لبنانيٍ وسوريٍ رسميٍ. ثانياً، ثمة نظام حكمٍ معادٍ للكيان المؤقت في سوريا ما زال يرفض الاعتراف بالكيان المؤقت، رغم كل ما تعرَّض له من ضغوطٍ وكل ما عُرِض عليه من إغراءاتٍ.

ويجد البعض في تجديد الرئاسة التركية الحديث عن خطّ أنابيب شرق المتوسط شاهداً آخر على صحة قراءتهم للأسباب الخفية وراء التدخل التركي في الحرب السورية، فإذا ما كانت الحرب على سوريا قد نجحت، وجيء – كما كان مرجواً – بنظام حكمٍ تابعٍ لتركيا، على غرار المجموعات المسلحة المتمركزة في إدلب حالياً، لكانت تركيا أنجزت في تلك الحالة قفزةً حاسمةً على طريق تنفيذ مشروع أنبوب غاز شرق المتوسط.

ولا تفوتنا هنا إشارة الكثيرين إلى “حرب أنابيب الغاز” في وسط آسيا وغربها، وموقعها في الأزمة السورية، في نظرةٍ أكثر عمقاً للأزمة السورية من تلك المبنية على الرواية الإعلامية المحصورة بقصة “نظامٍ يقتل شعبه”.

ونصل أخيراً إلى الطامّة التي كشفتها مؤخراً صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” الصهيونية، إذ كشفت عن موافقة حكومة إردوغان على تسليم “نقش سلوان” التاريخي للكيان المؤقت. ويعد هذا النقش البالغ من العمر 2700 عام الأثر التاريخي الأهم لدعم الرواية التوراتية من وجهة نظر الصهاينة، إذ إنَّه يُعدّ الوحيد الذي يمكنه بصورةٍ ما أن يشكِّل قرينةً على صحة الرواية التوراتية عن هيكلهم المزعوم، ما يجعل منه سلاحاً خطِراً ضد الرواية الإسلامية والعربية عن أحقيتنا في القدس والمسجد الأقصى، ولا سيما في أيادي من يمتهن تزوير الحقائق وتزيف التاريخ، فأين هذا الفعل من شعارات إردوغان بكون “القدس خطاً أحمر”؟ ناهيك بكون هذا النقش الفريد من نوعه يُعدّ إرثاً عربياً وإرثاً عثمانياً. وقد دأب الصهاينة على محاولة الحصول عليه من الأتراك منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي من دون جدوى، لكن يبدو أنَّ إردوغان سيحقّق لهم هذا الحلم أخيراً.

لا تعد علاقات الدولة التركية بالكيان المؤقت بالأمر الجديد، وحتى أثناء توتر العلاقات – بحسب توصيف الرئيس إردوغان – بين تركيا والكيان المؤقت، استمرَّت العلاقات التجارية، بل ازدهرت، وما انقطع يوماً التعاون الاستخباري والعسكري بينهما، فيما ينحصر دعم الرئيس إردوغان للقضيّة الفلسطينيّة بالدعم الإنساني والمواقف الخطابية، ويذهب كثيرون إلى توصيف حقيقة الموقف التركي على أنه قوةٌ ناعمةٌ تدفع برأس حربة المقاومة الفلسطينية، “حماس”، إلى اتخاذ مواقف أكثر “براغماتية”، هذا المصطلح الذي بات شماعة البعض من أجل تقديم تنازلاتٍ في الثوابت الوطنية والقومية والدينية.

أما إقليمياً، فكان تصرف إردوغان في العديد من الساحات العربية مدمراً، بغضّ النظر عن تغليف تصرفاته بالحديث عن الشعوب ونصرتها، فموقفه الذي أجَّج الحرب في سوريا لم يَعُدْ على سوريا إلا بالخراب، ناهيك بما تسببت به السياسات التركية من ضررٍ بالغٍ لحركات المقاومة الفلسطينية فعلياً، إذ إنَّ أيّة محاولةٍ لإضعاف قوى محور المقاومة ودولها تصب بالضرورة في مصلحة الكيان المؤقت، فضلاً عما أظهرته زيارة الرئيس الصهيوني لأنقرة من دوافع خفيّة وراء موقف إردوغان من الحرب على سوريا، فتركيا ما زالت دولةً أطلسيةً في نهاية المطاف، بغض النظر عن خطابات إردوغان النارية.

ولعلَّ الدرس المستفاد من هذه الزيارة المشؤومة يتلخّص بأن “ليس كل ما يلمع ذهباً”، فيجب على الفصائل الفلسطينية التفريق بين الحليف الاستراتيجي والحليف التكتيكي والصديق والمتعاطف والخصم والعدو، بناءً على واقع الأمور، لا بناءً على الخطابات العاطفية أو الانتماءات الحزبية أو العصَبيات القَبَلية.

وختاماً، لا يمكن لأي طرفٍ أن يكون حليفاً استراتيجياً لفصائل المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني إلا إذا انطبقت عليه 3 محدِّداتٍ:

–         ألا يكون معترفاً بالكيان المؤقت.

–         أن يشمل دعمه قبل كلّ شيء الدعم العسكري الذي يُعدّ الأساس في أي دعمٍ حقيقيٍ لحركات المقاومة.

–         ألا يكون دعمه منطلقاً من حسابات حزبية أو جهوية أو عصَبياتٍ قبليةٍ، بل أن يكون دافعه الرئيس دعم كل من يقاوم العدو في الميدان من دون تمييزٍ.

ومن لا تصحّ فيه هذه المحدّدات الثلاثة، يمكن أن يكون في خانة الحليف التكتيكي أو في خانة المتعاطف، ولكلٍ حساباته، وكما قيل في الأثر: “لستُ بالخبِّ، ولا الخبُّ يَخدعُني”.

*ملاحظة منذ كتابة هذه السطور، صدر البيان الاتي عن المديرية العامة للأوقاف والآثار والمتاحف التركية، وفيما يلي نص البيان:

“تناولت حسابات تواصل اجتماعي لبعض الجهات الإعلامية أخبار كاذبة حول تسليم مخطوطة سلوان الموجودة في متحف آثار إسطنبول لإسرائيل. المخطوطة تم العثور عليها في القدس عام 1880 عندما كانت جزءا من الدولة العثمانية، وتم الإتيان بها الى متحف الدولة في إسطنبول، وسجلت عام 1882. وجود المخطوطة لدينا بشكل قانوني ولا توجد مباحثات حول الموضوع بين البلدين. نتمنى عدم الاعتبار لمثل هذه الأخبار الزائفة والتي لا نعلم مصدرها ومغزاها”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى