مقالات

العقوبات الأحادية الغربية على روسيا.. مسار خارج سياق الواقع

وسام إسماعيل

بالانطلاق من أساسيات العلاقات الدوليَّة، أخذت الدبلوماسية الاقتصادية حيزاً كبيراً في السياسات الخارجية للدول والمنظمات الدولية، إذ إنَّها دأبت على استخدام الأدوات الاقتصادية كوسيلة للتأثير في السلوك الخارجي للدول الأخرى.

وبالعودة إلى تاريخ استخدام هذه الأدوات، يمكن الجزم أنَّ الولايات المتّحدة الأميركيّة لم تكن سباقة في استخدامها، بل عمدت إلى اعتمادها كوسيلة أساسية في علاقاتها الخارجية، نتيجة فقدانها ميزة التفوق النووي بعد الحرب العالمية الثانية، وانتظام العالم وفق ثنائية قطبية تعزز الخشية من تدهور الأوضاع إذا ما تطوّر أيّ نزاع إلى حرب عسكرية، ولو عبر استخدام أسلحة تقليدية.

عبر مرحلة طويلة من التجاذبات التي حكمت واقع العلاقات الدولية، تنبَّه العالم إلى أهمية الأدوات الاقتصادية ودورها في العقاب أو التأثير في الدول التي تخالف القواعد الدولية المتعارفة، فميثاق عصبة الأمم، على سبيل المثال، نصّ على العقوبات الاقتصادية كسبيل لمنع الحرب من دون اللجوء إلى القوة العسكرية، إذ إنَّ الدمار الهائل الذي سببته الحرب العالمية الأولى دفع الدول المنتصرة إلى ابتكار وسيلة تساعدها على ردع الدول التي تهدد السلم والأمن الدوليين من دون استخدام الآلة العسكرية. وفي فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تكرَّس الاعتماد على هذه الوسيلة من خلال تشريع نظام العقوبات كآلية دائمة للتأثير في حياة الدول والكيانات.

ولكنَّ جملة من المعطيات فرضت نفسها على هذا النظام، بحيث تحوّل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي من نظام أممي يتطلَّب قرارات تصدر عن مجلس الأمن، لقرّر فرض عقوبات وتشكيل لجان تحت مسمى لجان العقوبات، تنحصر مهمتها في مراقبة تنفيذ الحظر بأنواعه والآثار المترتبة عنه، إلى نظام أحادي استنسابي تستخدمه الولايات المتحدة الأميركية كآلية لتنفيذ سياساتها الخارجية، في إطار المحافظة على موقعها المهيمن وعلى مصالحها القومية والاستراتيجية.

وبالعودة إلى تاريخ استخدام الولايات المتحدة لهذا النظام، فإن القرن التاسع عشر شهد عقوبات اقتصادية أميركية بحق بريطانيا، بسبب مضايقة الأخيرة للبحارة الأميركيين، ثم استمرت هذه السياسات، إذ إنَّ أشهر حالات فرض العقوبات كانت في نهاية أربعينيات القرن العشرين، حين هددت الولايات المتحدة دولة هولندا بإمكانية حرمانها من المساعدات المقررة بموجب خطّة مارشال، بسبب إشكالية العنف المفرط الذي مارسته في إندونيسيا، ثم عمدت في العام 1956 إلى قطع معوناتها الاقتصادية عن الكيان الإسرائيلي بسبب عدوانه على مصر، وواظبت في ما بعد على استخدامها من أجل إضعاف المشاريع المناوئة لسياساتها في كوريا والصين والاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعراق وليبيا وغيرها من الدول التي يتجاوز عددها 30 دولة.

وللإشارة، إنَّ استخدام الأدوات الاقتصادية في محاولةٍ للضغط على الدول الأخرى من أجل دفعها إلى التخلي عن سياساتها لم ينحصر بإمكانية قطع المعونات الاقتصادية أو قطع العلاقات الاقتصادية الثنائية معها فقط، إنما تعداه إلى إمكانية إلزام دول أخرى بهذه العقوبات، من أجل فرض حظر شامل عليها، بما يضعفها ويضعضع بنيانها من الداخل، إذ يفقد نظامها شرعيته، لعدم تمكّنه من القيام بوظائفه تجاه شعبه.

وفي نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي، وتربّع الولايات المتحدة على عرش الأحادية القطبية، نجحت في تحوير الإطار النظري لهذا النظام، عبر تحويله من أداة للأمن الجماعي إلى ما يمكن اعتباره إحدى أهم أدوات القوة التي تستند إليها في علاقاتها الخارجية.

وفي هذا الإطار، تبرز عدة إشكاليات تفترض الحاجة إلى البحث، من حيث شرعية استخدامها ومدى توافقها مع مبدأ السيادة ومبادئ القانون الدولي، إضافةً إلى فعاليتها في مواجهة القوى الكبرى، وكذلك فعاليتها في ظلِّ التحولات التي غيرت طبيعة التوازن الدولي من أحادية أميركية إلى نظام تتكرّس مرتكزاته وفق أسس تعددية قطبية.

إنّ ميثاق الأمم المتحدة يكرّس المساواة في السيادة كأول مبدأ ترتكز عليه المنظمة في نشأتها، بما يعني خضوع كلّ الدول، من دون تمييز من حيث القوة والمقدرات، للقاعدة القانونية نفسها، وبما يجعل شخصية الدولة مصونة، مع واجب التزامها بتأدية واجباتها والتزاماتها الدولية.

وإذا كان الميثاق قد ربط صون السيادة بالالتزام بالواجبات، فإنَّ مجلس الأمن وحده من يملك صلاحية تقدير التزام الدول من عدمه، فالميثاق في فصله السابع يملك وحده حق تسطير عقوبات اقتصادية ضمن خيارات أخرى، في حال تقديره أنَّ ما تقوم به الدولة المستَهدفة يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

وبناء عليه، إن ما قد يتخذه مجلس الأمن من تدابير يستهدف حفظ السلم والأمن الدوليين فحسب، ولا ترتبط قراراته أبداً بمصلحة أيٍّ من القوى المكونة للمجلس. وفي هذا الإطار، تبرز عدم شرعية العقوبات الأحادية في ميثاق الأمم المتحدة لارتباطها بمصالح قوى معينة، ولارتباط تقريرها بأجهزة تخضع لسيادة دولة ما ضد سيادة دولة أخرى.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية، وخلفها القوي الأوروبية، نجحت في فرض هذا السياق منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، فإنَّ هذا النجاح لم يكن مستنداً إلى قاعدة من قواعد القانون الدولي الآمرة، إذ إنها استغلَّت فقدان التوازن الدولي وعدم قدرة أي من القوى الدولية الفاعلة على الاعتراض.

أما تأثيرها في القوى الدولية، فالمسلّم به أن العقوبات الاقتصادية قد تفرض نفسها ضيفاً ثقيلاً على الدول المتخلفة أو تلك التي تعاني اقتصاداً مشوهاً يعتمد على سلعة واحدة، أو يعتمد على الإعانات والمساعدات التي تجعله أسيراً للعملات الأجنبية، فعرقلة تصدير هذه السلعة أو تعليق المساعدات والإعانات قد يؤدي إلى انهيار اقتصاد الدولة المستهدَفة، بسبب غياب بديل فاعل تستطيع من خلاله الدولة المعنية أن تضمن حسن سير عملها، غير أن عملية فرض هذه العقوبات على الاقتصادات القوية والمتينة قد تأتي بنتائج عكسية وتجعل من الضروري دراسة جدواها.

وإذا ربطنا هذا الأمر بما تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية في مشروعها لفرض عقوبات على الدولة الروسية، فإن الواقع سيفرض مقاربةً مختلفة من حيث تفصيلاتها عما حدث في العراق وفنزويلا سابقاً على سبيل المثال.

إنَّ الدولة الروسية، بما يشكّل اقتصادها من قوة ترتكز على تنوع أساسه ثروة نفطية وغازية حيوية لأوروبا، إذ تؤمن 40% من حاجات الأخيرة، معطوفاً على اكتفاء ذاتي زراعي يؤمن أكثر من 17% من حاجات الكوكب من القمح، وتقدم تقني وعسكري معقد، إضافة إلى علاقات دولية سياسية واقتصادية متينة عبر البريكس وشنغهاي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، مع الإشارة إلى أهمية الاتفاقات الاقتصادية الثنائية مع الصين والهند وباكستان والجمهورية الإسلامية الإيرانية وغيرها، ستضمن تأثراً محدوداً بالعقوبات الأحادية الغربية مقارنةً بمستوى تأثر الغرب بها.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية، وخلفها الدول الأوروبية، تهدف إلى تطويع الدولة الروسية وحثها على القبول بالتقوقع ضمن حدودها، وإلزامها بالتزام حدود المصلحة الأميركية والأوروبية، فإنَّ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تشكّل بالنسبة إلى الدولة الروسية أساساً استراتيجياً لمشروع روسي بمفاعيل عالمية، لا يمكن لحزمة عقوبات أميركية وغربية أن تفرمله.

وبناء عليه، يمكن القول إنَّ تلك العقوبات لا تعدو كونها، وفق المنطق الروسي، مساراً عبثياً بتأثير لا يُذكر، ضمن سياق واقع دولي في طور التشكيل عبر العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى