مقالات

في الجغرافيا السياسية لمشروع تطويق روسيا وتفكيكها

إبراهيم علوش

على الرغم من أن أدوات الحرب على روسيا تبقى في الأعم الأغلب، حتى الآن، ذات طبيعة اقتصادية، عقوباتٍ وحصاراً، وعلى الرغم من سعي الناتو إلى مزاوجة حربه الاقتصادية على روسيا بحرب استنزافٍ طويلة الأمد، تفصح عنها الشحنات العسكرية الغربية لأوكرانيا المتكوّنة من عشرات آلاف المقذوفات المضادة للدبابات والطائرات، يبقى هدف الحرب على روسيا، مهما كانت أدواتها، جغرافياً – سياسياً في المحصلة.

لقد كُتب وقيل الكثير عن قضم الناتو لدول أوروبا الشرقية، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى إكمال الطوق حول روسيا من الغرب، بضم أوكرانيا، بما يسمح بوضع صواريخ متوسطة المدى على بعد بضع مئات من الكيلومترات فحسب عن موسكو.

الموجات الثلاث لتمدّد الناتو شرقاً

جاء تمدُّد الناتو شرقاً، بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، على شكل موجات، كانت أولاها عام 1999، فيما روسيا في حالة ضعف شديد، وقد ضمَّ فيها الناتو جمهورية التشيك وهنغاريا (المجر) وبولندا. ولا ننسى ضم ألمانيا الشرقية عام 1990 إلى الناتو، بعد إعادة توحيد ألمانيا في ذلك العام طبعاً، فيما الاتحاد السوفياتي في طور التفكك.

وجاءت الموجة الثانية عام 2004، وقد ضم فيها الناتو دولاً مثل بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، فيما كانت روسيا تتعافى من الوهن الشديد، وهي غير مهيّأة للمواجهة بعد.

وجاءت الموجة الثالثة بالتدريج، على شكل “وجبات سريعة”، ضم فيها الناتو دولاً بعيدة عن روسيا نوعاً ما، مثل ألبانيا وكرواتيا (التي كانت جزءاً من الاتحاد اليوغوسلافي) عام 2009، وجمهورية الجبل الأسود (التي كانت جزءاً من صربيا) عام 2017، ومقدونيا الشمالية (التي كانت جزءاً من يوغوسلافيا أيضاً) عام 2020.

انحصرت الموجة الثالثة لتمدّد الناتو في منطقة البلقان، أي في أوروبا الجنوبية، في البلدان المطلة على البحر الأدرياتيكي المشرف على البحر الأبيض المتوسط من الغرب، والمحيطة بصربيا، قلب الاتحاد اليوغوسلافي السابق، من الشرق، الذي بات مطوّقاً بهذه الخطوة من قبل الناتو، ولا سيما أن رومانيا وبلغاريا وهنغاريا كانت قد أُلحقت بالناتو من قبلُ، كما سبقت الإشارة. أما البوسنة وكوسوفو (الحلقة الأخيرة لإكمال الطوق حول صربيا من الغرب)، وجورجيا، وأوكرانيا، فأعضاء مرشّحون في الناتو.

خطوط متوازية بين جورجيا وأوكرانيا

مثّل سعي الناتو لضمّ جورجيا إليه، بناءً على توصية مباشرة من الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، في مؤتمر الناتو في بوخارست في نيسان/ إبريل عام 2008، وهو الأمر الذي عارضته ألمانيا وفرنسا بقوة آنذاك، الخلفية المباشرة لانفجار الوضع في جورجيا عسكرياً في صيف عام 2008. وكانت جورجيا قد عاشت تجربة “ثورة وردية” Rose Revolution عام 2003، دفعت بأقسام من الرأي العام الجورجي إلى حضن الغرب، كما تفعل “الثورات” الملوّنة دوماً.

مُنحت جورجيا صفة “عضو طامح”، أو مرشح، من قبل حلف الناتو رسمياً في عام 2011، ولا يزال وجود قوات روسية على “أراضيها”، أي في جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، العائق الرئيسي أمام ضمّها إلى الناتو رسمياً.

البديل الآخر بالنسبة إلى الناتو طبعاً هو الاعتراف باستقلال الجمهوريتين، وفي ذلك معنىً كبير يتصل بما يجري في أوكرانيا اليوم، وسعيها للانضمام إلى الناتو، بعد “الثورة البرتقالية” فيها عام 2004، وتتمتّها عام 2013، كما يتصل بأهمية دونيتسك ولوغانسك الأوكرانيتين، ومعنى وجود قوات روسية فيهما، كعامل إعاقة لضم أوكرانيا إلى الناتو.

وكان ديميتري مدفيديف، عندما كان رئيساً لروسيا، قد خطب في الجنود الروس قرب الحدود الجورجية، بحسب رويترز في 21/11/2011، قائلاً إن العملية العسكرية الروسية في جورجيا عام 2008 هي التي منعت توسيع الناتو ضمن الحيّز السوفياتي.

ما برح الناتو يطوّر علاقته مع جورجيا بكل تأكيد، وما فتئت روسيا تراقب وتحذِّر. وفي 26/9/2019 صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لوسائل الإعلام بأن ضمّ جورجيا إلى الناتو، تحت بند الدفاع المشترك عن المناطق التي تسيطر عليها تبليسي (يعني حتى من دون أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا)، سوف يؤدي إلى “تقويض العلاقات” مع الناتو ومن ينضم إليه. والرسالة الروسية واضحة.

لا يزال هذا الملف مفتوحاً بالمناسبة، لا بل يبدو أن الناتو يسعى إلى تفجيره، من خلال تسريع خطوات ضم جورجيا إلى ما يسمى “خطة عمل عضوية الناتو” Membership Action Plan. كما أن وزير الدفاع الجورجي صرّح في 17/2/2022، عقب اللقاء مع الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، بأن الانضمام إلى الناتو بات الطريقة الوحيدة للحفاظ على “السلامة الإقليمية لجورجيا”. وليس من المستغرب على الغرب أن يزجّ بجورجيا في أتون النار (إذا لم تتّزن)، ليتخلى عنها بعد ذلك، كالعادة، من أجل تخفيف الضغط عن أوكرانيا وتشتيت روسيا.

الناتو يهدّد قلب روسيا الأوروبي

قدّمت أوكرانيا، من جهتها، طلباً رسمياً للانتساب إلى الناتو عام 2008، وقد طُويَ الطلب ووُضِع طيّ الأدراج عام 2010، بعد انتخاب رئيسٍ موالٍ لروسيا هو فيكتور يانوكوفيتش. هنا دخل الناتو وفعّل “الموسم الثاني” من “الثورة البرتقالية” في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2013. وكان اسم تلك التتمة “انتفاضة ميدان الاستقلال”، الساحة الرئيسية في كييف. وكان يانوكوفيتش ضعيفاً، فهرب تاركاً بلاده فريسةً للطامعين. وهكذا بدأت الأزمة الأوكرانية فعلياً، إذ جاء حكمٌ موالٍ للناتو في أوكرانيا، وكان الانضمام إلى حلف الناتو أحد أهداف “الثورة” المزعومة، كما هو دأب مثل تلك “الثورات” دوماً!

لم يكن من الممكن لروسيا أن تترك القرم والمناطق الروسية في أوكرانيا منطلقاً لإكمال الطوق الناتوي من حول عنق روسيا، فضمّت روسيا شبه جزيرة القرم (التي يتكوّن 65.3%، أي نحو الثلثين، من سكانها من الروس)، وانفجرت مشكلة الدونباس بدعم روسي واضح، على غرار ما حدث تماماً في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا عام 2008.

على الرغم من ذلك، لم تدخل روسيا أوكرانيا حتى تسارعت خطوات ضمّ أوكرانيا إلى حلف الناتو.

وفي الـ 14 من حزيران/ يونيو عام 2021، في مؤتمر حلف الناتو في بروكسل، صدر بيان رسمي يؤكد ضمّ أوكرانيا إلى “خطة عمل عضوية الناتو” Membership Action Plan. وفي الـ 28 من الشهر ذاته، بدأت مناورات عسكرية مشتركة بين الناتو والنظام الأوكراني في البحر الأسود. وفي 16/12/2021، رحّب الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ بالرئيس الأوكراني، الممثل والراقص الخلاعي فولوديمير زيلينسكي، في مقر حلف الناتو في بروكسل، حيث عقدا مؤتمراً صحافياً مشتركاً هدّدا فيه روسيا بصورة تعوزها اللياقة الدبلوماسية.

وفي 11/1/2022، نقلت وسائل الإعلام عن مجموعة نواب جمهوريين في الكونغرس الأميركي أنهم ينوون عرض مشروع قانون يعلن أوكرانيا عضواً في الناتو – بلس (ما يعني أن تصبح أوكرانيا عضواً في الناتو و”حبة مسك”) NATO-plus، ويعلن روسيا دولةً راعيةً للإرهاب… وها نحن نرى النتيجة اليوم. فمن يحكم في الكرملين ليس ضعيفاً أو مدمناً أو مستخزياً للغرب كبوريس يلتسِن أو غورباتشيف، بل فلاديمير بوتين. والقصة لا تتعلق بفرد، بل بما يمثله من سعيٍ روسيٍ لترميم الجرح الوجودي، ولا سيما بالنسبة إلى مكانة روسيا الدولية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

في الجغرافيا السياسية لمشروع تطويق روسيا

رُب قائلٍ: وما المشكلة في انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو؟ فهي ليست المرة الأولى التي تنضم فيها دولة مجاورة لروسيا إلى الناتو. فالنرويج، العضو المؤسّس في الناتو منذ عام 1949، تشاطر روسيا حدوداً مشتركة طولها نحو 200 كيلومتر، من جهة أقصى الشمال الغربي الروسي، بين البحر النرويجي وبحر بارنتِس، منذ الاتحاد السوفياتي. ودول البلطيق الثلاثة، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، التحقت بالناتو عام 2004، وكالينينغراد، الجيب الروسي المعزول المطل على بحر البلطيق، تحيط به بولندا، العضو في الناتو منذ عام 1999، وليتوانيا. فلمَ الجلبة لانضمام أوكرانيا إلى الناتو إذاً؟ ولمَ معارضة روسيا لحقِّها في أن تختار الالتحاق بمن وما تريد؟

من منظور الجغرافيا السياسية، ليست كل الدول، ولا كل الحدود، سواسية. فالدول الصغيرة، التي يراوح عدد سكانها بين مليون وثلاثة ملايين نسمة، ليست مثل أوكرانيا التي تزيد مساحتها على 600 ألف كلم مربع، ويقارب عدد سكانها 45 مليوناً. وبولندا التي لا تحدّها حدودٌ مباشرةٌ مع روسيا الاتحادية، باستثناء جيب كالينينغراد على البلطيق، الساقط عسكرياً بالتعريف، ليست مثل أوكرانيا التي يبلغ طول حدودها مع روسيا نحو 2300 كلم. وموضع تلك الحدود الأوكرانية – الروسية، عند شغاف القلب الروسي الأوروبي، ليس مثل موضعه البعيد مع النرويج في أقصى الشمال الغربي، على المياه المتجمدة.

جورجيا صغيرة جداً بالمقارنة مع أوكرانيا (أقل من 70 ألف كلم مربع)، ولا يزيد عدد سكانها على أربعة ملايين نسمة، ومع ذلك، فإن حدودها مع روسيا، التي يبلغ طولها نحو 900 كلم، ربما تأتي في المقام الثاني في الأهمية الجغرافية السياسية بعد حدود أوكرانيا. كما أنها طريق روسيا البري إلى تركيا وإيران والعراق، من جهة أقصى الجنوب الغربي لروسيا وأذربيجان وأرمينيا. وهي تطل مباشرةً على القوقاز شمالاً. فلا مزاح هناك. ولا مجال للتساهل في تحوّلها إلى قاعدة للناتو. وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا هما منطقتان عازلتان، من المنظور الجغرافي – السياسي، ما دامت جورجيا قد قرّرت التحول إلى قاعدة ضد روسيا، تماماً كما أن دونيتسك ولوغانسك هما حاجزان جغرافيان – سياسيان يحميان القلب الأوروبي لروسيا من جهة أوكرانيا.

أضف إلى ذلك العنصر الثقافي؛ فعلى الرغم من وجود نسبة من السلاف تراوح ما بين الربع والثلث في جمهوريات البلطيق الثلاث، وفي جورجيا (أساساً في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا)، فإن ثمة فرقاً جوهرياً آخر بين أوكرانيا وغيرها، وهو أنها ليست سلافية فحسب، بل سلافية شرقية تحديداً، أي من عظام رقبة الأرومة التي ينتمي إليها الروس والروس البيض (بيلاروسيا)، وعليه، فإن حسابها، بالنسبة إلى الروس، يشبه وضع صواريخ روسية، لا في كوبا فحسب، بل في ولاية تكساس أو كاليفورنيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وهنا يصبح تغلغل الناتو فيها تعميقاً للجرح الوجودي الروسي بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي.

فالحدود الإستونية مع روسيا تقابلها مدينة سان بطرسبرغ، ثاني أهم مدينة روسية، وأهم مدينة/ مرفأ على بحر البلطيق، أما الحدود الأوكرانية مع روسيا فتقابلها موسكو ذاتها، وبالتالي فإن حشد القوات البرية للناتو، ابتداءً من عام 2016، في بولندا ودول البلطيق الثلاث، أكد لروسيا خطأ انسياقها خلف “دعاية السلام” الأطلسية، مع العلم بأن إستونيا ولاتفيا وليتوانيا نالت استقلالها مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وضمّها ستالين إلى الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية.

خطايا يلتسِن الجغرافية – السياسية

نقول تفكيك الاتحاد السوفياتي، ولا نقول تفكّكه، لأن النهج الذي سار عليه يلتسِن، وغورباتشيف من قبله، يثير الكثير من التساؤلات. على سبيل المثال، لا الحصر، قيل وكتب الكثير عن تعهدات الناتو بعدم التوسع شرقاً، ولست في صدد إعادة سردها هنا، لكن لاحظوا ما يلي: خلال زيارة يلتسِن لبولندا، في آب/ أغسطس عام 1993، قال يلتسِن للرئيس البولندي آنذاك، ليخ فاليسا، إن “روسيا لا تعارض عضوية بولندا في الناتو، ولا تنظر إلى عضويتها في الناتو كتهديد لروسيا”. وبعد ضغط شديد من الداخل الروسي، سحب يلتسِن التصريح في الشهر الذي يليه.

رُب قائلٍ إن يلتسِن لم يكن بوعيه الكامل ربما عندما أدلى بمثل ذلك التصريح (أو أن الفودكا البولندية لم تلائمه كالروسية؟!). لكن لا! لم تكن تلك مجرد هفوة مخمور. ففي الـ 27 من أيار/ مايو عام 1997 حضر يلتسِن قمة الناتو في باريس، ووقّع اتفاقية تعاون رسمية مع الناتو، تقول تأويلات غربية (وروسية معارِضة آنذاك) إن سطورها تسمح بتوسيع الناتو شرقاً بموافقة روسيا! (انظر مثلاً تقريري الـ CNN في الـ 26 والـ 27 من أيار/ مايو 1997). وبعدها ببضعة أشهر، أصدرت روسيا “مسوّدة استراتيجية الأمن القومي” التي تعدّ توسيع الناتو شرقاً خطراً ماثلاً.

من البديهي أن تفريط الزعماء التابعين للغرب لا يلزم الشعوب والأمم بشيء، من روسيا إلى الوطن العربي إلى غيره، لكنْ من الإنصاف الإشارة، بعيداً من إدمان يلتسِن أو تبعيته للغرب، إلى أن الجو العام في التسعينيات كان جو الأحادية القطبية الأميركية. وخلال ذلك العقد، عام 1994 تحديداً، أطلق الناتو ما سمّاه “الشراكة من أجل السلام”، التي مثّلت توطئة لضم دول الاتحاد السوفياتي السابق، ومنها روسيا، وضم الدول الأوروبية المحايدة، التي لم تنضوِ إلى الناتو من قبلُ، مثل فنلندا والنمسا وسويسرا، إلى حلف الناتو على المدى البعيد، بحسب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عام 1994، في محضر وثيقة أمن قومي أميركي تم الإفراج عنها عام 2019، أي بعد 25 عاماً.

بريجينسكي ومشروع تفكيك روسيا بعد الاتحاد السوفياتي

لعل مشكلة النخب الأطلسيةِ التوجّه في روسيا، كما مشكلة النخب ذاتها في الوطن العربي، هي أنها لا تقرأ الجغرافيا السياسية، إذ لا يجوز عند الأميركي أن تبقى أقطابٌ قوية، أو أن تمتلك دولٌ إمكانية التحول إلى أقطاب قوية تتحداه، حتى ضمن دائرة نفوذه. وذلك أن “الاستثنائية الأميركية” تتطلب عقائدياً أن يظل الآخرون غير استثنائيين، فإن أبوا، يصبحون خطراً على “الأمن القومي الأميركي”، أي على مشروع الهيمنة، ولو استخزوا للأميركي، مثل نظام يلتسِن وغورباتشيف.

وروسيا الكتلة الجغرافية السياسية خطرٌ موضوعي ومستقبلي، حتى وهي نائمة أو تائهة. ولهذا فإن مشروع تفكيك الجغرافيا والديموغرافيا يظل حاضراً على الطاولة دوماً. ومشروع تفكيك روسيا، بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، يبرز هنا إلى المقدمة، إذ إن ما يتبع التطويق هو الاحتواء والإسقاط والتفكيك، تماماً كما حدث مع يوغوسلافيا السابقة، حتى يتحول أي عائق جغرافي سياسي أمام الهيمنة الغربية إلى شذرات، وهذا هو معنى تمدّد الناتو موضوعياً.

من المعروف أن مثل هذا الطرح كثيراً ما يُتّهم بتبنّي “نظرية المؤامرة”. ومن البديهي أننا لن نترك مثل تلك التهمة تمر مرور الكرام، لأن المؤامرة موجودة، ولكننا لا نتحدث هنا عن مؤامرة بالمعنى الحرفي، لأن المؤامرة تتطلب السرية، والعمل من خلف الستائر ومن تحت الطاولة، فيما بلورة التوجهات الاستراتيجية في الغرب، مثل مشاريع تفكيك الوطن العربي أو روسيا، تجري ضمن إطار النخب بشكلٍ مفتوح في أوراق ومؤتمرات ونقاشات يمكن متابعتها، أما عندما يتم تبنّي توجهٍ استراتيجيٍ ما، وينتقل المشروع من إطار التخطيط إلى إطار التنفيذ، أي إلى خطة عمل بجداول زمنية وآلية إدارية إلخ… فهناك تنتقل ترجمة ذلك التوجه إلى حيّز المؤامرة السرية.

ويعدّ مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجينسكي (توفي عام 2017) أحد كبار المفكرين الاستراتيجيين في عالمنا المعاصر، وقد طرح رسمياً مشروع تفكيك روسيا، في ورقة نشرتها مجلة “فورن أفيرز” Foreign Affairs المرموقة، عدد أيلول/ سبتمبر – تشرين الأول/ أوكتوبر عام 1997، وأترجم حرفياً:

“إن أولوية روسيا الأولى يجب أن تكون تحديث نفسها بدلاً من الانخراط في جهدٍ عقيمٍ لاستعادة منزلتها كقوة عالمية. وبالنظر إلى حجم البلد وتنوّعه، فإن نظاماً سياسياً لامركزياً واقتصاد السوق الحرة من المرجّح أن يكونا الأكثر قدرةً على إطلاق العنان للإمكانيات الإبداعية للشعب الروسي وموارد روسيا الطبيعية الهائلة. إن روسيا كونفدرالية فضفاضة، متكوّنة من روسيا أوروبية، وجمهورية سيبيرية، وجمهورية الشرق الأقصى، سوف تجد أن من الأسهل عليها أن تبني علاقات اقتصادية أوثق مع جيرانها. كل من تلك الكيانات المؤتلِفة سيكون قادراً على الاستفادة من إمكانياته الإبداعية المحلية، التي طالما قيّدتها يد موسكو البيروقراطية الثقيلة على مدى قرون. في المقابل، فإن روسيا اللامركزية ستكون أقل عرضة لتعبئة ذاتها إمبراطورياً”.

الكلام واضح، وهو لا يصدر من هاوٍ غرٍ أو باحثٍ عن شهرةٍ “فايسبوكية”. والهدف هو تدمير الدولة المركزية، وتقسيم روسيا إلى ثلاث دول مبدئياً (وتشجيع النزعات الانفصالية في الاتحاد السوفياتي السابق، في موضعٍ آخر)، وإعاقة قدرتها على استعادة منزلتها كقوة عالمية. وما من شك في أن كل منظومة العقوبات التي فرضها الغرب مؤخراً تستهدف ضرب الدولة المركزية الروسية، بذريعة حماية أوكرانيا.

من البديهي أن “نقّاد نظرية المؤامرة” قد يردّون بأن بريجينسكي مجرد كاتب يعبّر عن رأيه الفردي ربما. والحقيقة أن من السهل إيجاد دراسات أخرى تتحدث عن مشروع تقسيم روسيا، يمكن أن يقال عنها إنها “مجرد رأي الكاتب”، لكن بريجينسكي قصة أخرى. فهو لم يكن مشاركاً في صنع القرار التنفيذي الأميركي فحسب، بل كان من أهم من صاغوا توجّهاته الاستراتيجية. وقد وضع كتاباً عام 1970، بدا عنوانه وقتها كأنه من كوكبٍ آخر، وهو “ما بين عصرين: دور أميركا في الحقبة التكنوترونية”، درس فيه، عام 1970، كيف يمكن أن تؤثر التكنولوجيا ووسائل الاتصال الجماهيري في تشكيل دور الولايات المتحدة عالمياً! (هل تتبادر الثورات الملوّنة و”الربيع العربي” إلى البال؟)

وعندما كان بريجينسكي مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر، عمل على تعزيز العلاقات مع الصين لعزل الاتحاد السوفياتي، وقد اقترن اسمه بالذات، كعرّاب، بأمرين ما زلنا نكابد آثارهما حتى اليوم: 1) اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر والعدو الصهيوني، و2) حركة “الجهاد الأفغاني”. وقد ظل بريجينسكي مساهماً فعالاً في بلورة التوجهات الاستراتيجية الأميركية الكبرى حتى وفاته، ولا تزال رؤاه الجغرافية السياسية تقضّ مضجع العالم حتى يومنا هذا، مشروع تفكيك روسيا أنموذجاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى