مقالات

حركة الميدان السوري ومؤشّراته على وقع الصراع العالمي في أوكرانيا

جو غانم

بينما تتصاعد حدّة المعارك على الجبهات الأوكرانية، وتتقدّم القوات العسكريّة الروسيّة على الأرض، ويتّخذ طابع “التعاطف” الغربيّ مع أوكرانيا أشكالاً غير مسبوقة على مستويات عديدة، منها تقديم السلاح بكثافة، ودعوة المرتزقة بشكل علنيّ ورسميّ أحياناً إلى الذهاب والقتال ضد “المعتدين” الروس، وانهمار العقوبات الأميركية والغربيّة كزخّ المطر، لدرجة أنها لم توفّر حتى سلالات القطط الروسيّة، تحاول بعض الأطراف والقوى المحلية والدولية على وقع هذا الحدث العالميّ الكبير تحريك الميدان السوريّ سياسيّاً وعسكريّاً، لإشغال روسيا أو إضعافها على تلك الجبهة، والاتّكاء على “الفورة” الغربيّة الجامحة ضد موسكو للمطالبة بالتسليح من جديد، وبأسلحة نوعية هذه المرّة، بهدف تغيير موازين القوى في الميدان السوريّ، وإيلام روسيا في تلك الساحة، في استغلالٍ لموجة العداء الغربي غير المسبوقة لها ولرئيسها فلاديمير بوتين على وجه التحديد.

ونظراً لتداخل خطوط النفوذ العسكريّ وخرائطه على الجغرافيا السورية، فإنّ قوى عديدة تقف في حالة التأهّب الشديد على هذه الساحة، إمّا خوفاً من أنْ يؤدّي الموقف من الحرب الأوكرانية إلى تغيير قواعد الاشتباك وخرائط السيطرة والنفوذ، خصوصاً بعد تبيان أهمية قاعدة “حميميم” بالنسبة لموسكو في صراعها العالمي الحاليّ، وانكشاف النية الروسيّة في الذهاب بعيداً في الدفاع عن نفسها، والتي بلغت درجة الهجوم المضاد على مختلف المستويات، وإما لجهة احتمال إقدام الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، على تعزيز قوة أعداء موسكو في سوريا، وهو الأمر الذي بات يدغدغ عقول بعض قوى المعارضة السوريّة المسلحة والتنظيمات الإرهابية، خصوصاً تلك المنضوية تحت المظلة التركيّة، والتي بدأت بالصراخ في وجه الغرب لمساواتها بأوكرانيا في وجه العدو الواحد.

من جهتها، تحاول واشنطن استمالة أنقرة، بهدف إبعادها عن التنسيق مع موسكو في الساحة السورية، وربما إخراجها من “مسار آستانة”، وتقديم إغراءات تدفعها باتّجاه اتّخاذ موقف أقوى في الملفّ الأوكراني، وذلك من خلال دعوة أنقرة للمشاركة في اجتماع تشاوري لمبعوثي الدول الحليفة في الملف السوري، دعا إليه مسؤول الملف السوريّ في الخارجية الأميركية، إيثان غولدريش، الذي استضاف في مكتبه في واشنطن في الثالث من هذا الشهر عدداً من مبعوثي الدول العربية والأوروبيّة والاتحاد الأوربي، وذلك لاستنباط مدى تأثّر هؤلاء الحلفاء ومواقفهم وخططهم في سوريا  بالصراع الغربي ـ الروسيّ في أوكرانيا، وبحث إمكانيّة تطوير خطط ميدانية مشتركة لضرب الوجود الروسيّ هناك.

ولكنْ ميدانيّاً، لا يبدو أنّ باستطاعة واشنطن، حتى الآن، تقديم مكافآت مغرية لأنقرة، لأنّ جلّ المغريات المطلوبة تتعارض مع احتضان واشنطن للكرد في الشمال الشرقيّ للبلاد. لذلك، تلا الاجتماع بأيام إعلان الجيش التركي عن “تحييد” 12 عنصراً من مقاتلي قوات وحدات الحماية الكرية “قسد” في منطقة “درع الفرات” التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة المدعومة تركيّاً، وقصف مدفعيّ على عدة قرى في ريف حلب الشمالي، منها حربل والحصية وريف أعزاز، مصدره مناطق النفوذ التركي، بل استمر القصف المتبادل 3 أيام في منطقة أعزاز، في إشارة إلى عدم قدرة الأميركيين على تغيير أو تعديل الخطوط الحمر التركية، وإلى مراقبة أنقرة للوضع الأميركي في سوريا، خصوصاً أنّ الهجمات على القواعد والنقاط الأميركية في شرقي الفرات بدأت بالتصاعد، وكان آخرها سقوط صاروخ “مجهول المصدر” على القاعدة الأميركية في “حقل العمر” في ريف دير الزور، والذي أدّى إلى حدوث انفجار ضخم قرب المدينة السكنية التابعة للحقل، ويُعدّ هذا الهجوم هو الخامس على قاعدة “حقل العمر” منذ بداية هذا العام.

يأتي هذا إضافة إلى تزايد الهجمات على قوات “قسد” التي ترعاها واشنطن، حيث نفّذت فصائل المقاومة الشعبية المسلّحة المرتبطة بالدولة السورية، وبالتزامن مع الهجوم على قاعدة حقل العمر، هجوماً على حاجزٍ لقوات “قسد” في قرية “ماشخ” في ريف دير الزور الشمالي، وأدى الهجوم إلى مقتل وإصابة عدد من أفراد الحاجز.

وقد تزايدت الهجمات على مواقع وحواجز “قسد” في الأشهر الأخيرة، في إشارة جديدة إلى تصاعد المقاومة ضد الاحتلال الأميركي والمجموعات المرتبطة به في شرقيّ سوريا، وإلى خطط الدولة السورية والحلفاء، ومن ضمنهم روسيا، الرامية إلى طرد القوات الأميركية من البلاد بالقوة.

وفي موازاة ذلك كله، وفي خطوة لها مؤشّراتها أيضاً، سيّرت القوات الروسيّة والتركية دوريّتها رقم 92 منذ وقف إطلاق النار إثر عملية “نبع السلام” التركية شرقيّ الفرات في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2019، وانطلقت الدورية المشتركة المؤلّفة من 8 عربات عسكريّة روسيّة وتركيّة، ترافقها مروحيّتان روسيّتان، من قرية “آشمة” غربي عين العرب “كوباني”، وجابت ريف المنطقة وصولاً إلى قرية “زور مغار” الواقعة قبالة مدينة جرابلس على الضفة الشرقية لنهر الفرات. وفي هذا مؤشّر واضح على استمرار التنسيق الروسيّ ـ التركيّ في ريف حلب الشماليّ المتّصل بمنطقة سيطرة “قسد” في أرياف الرقّة والحسكة، والنتيجة التي يمكن الوصول إليها هنا، هي أنّ الجانب الأميركي والقوى التابعة له في الشرق السوريّ يقبعون في الجانب الأضعف واقعيّاً واستراتيجيّاً، ولا يبدو أنّ لديهم ما يقدمونه أكثر أو ما يغرون به أحداً.

وفي منطقة النفوذ التركي، خصوصاً إدلب وجبهتها العسكرية والسياسيّة، بثّت العملية الروسيّة، وموقف الغرب منها، بعض الروح في قيادات الفصائل المسلّحة والقيادات السياسية في “الائتلاف السوري المعارض”، لجهة مطالبة  القوى الغربية بتقديم السلاح النوعي لاستعادة زمام المبادرة والهجوم على القوات السورية والروسيّة في منطقة خفض التصعيد، ومحاولة احتلال أراض استعادتها الدولة السورية.

وثمّة معلومات صحافية تشير إلى أنّ هذه المطالبات جاءت نتيجة اقتراحات تركيّة لقادة الائتلاف، بهدف زيادة الضغط السياسيّ على روسيا بالدرجة الأولى، لأنّ أنقرة تعلم أنّ الغرب لا يستطيع الإيفاء بالتزامات كهذه أو الاستجابة لمثل هذه العروض، خوفاً من وقوع تلك الأسلحة في أيدي تنظيمات قد تخرج عن السيطرة في أيّة لحظة.

وبالتوازي مع ذلك، حاولت التنظيمات الإرهابية المسلحة التي تسيطر على الأرض في منطقة إدلب، تنفيذ عمليات عسكرية ضد مواقع الجيش السوري على جبهات جسر الشغور وجبل الزاوية وسهل الغاب، اعتقاداً منها بأنّ الروس مشغولون بعمليتهم في أوكرانيا، وبالتالي سيقلّ اهتمامهم بالجبهة السورية، لكنّ الجيش السوري والحلفاء ردّوا بقوة على هذه الهجمات، وكبّدوا المهاجمين خسائر فادحة، بينما لم يتغيّر أيّ شيء بالنسبة لعمليات الاستطلاع الروسيّة اليومية على تلك الجبهات.

وعلى جبهة حلب، حاولت التنظيمات والفصائل العاملة هناك، ومنها ما بات يُسمّى بـ”الجيش الوطنيّ” الذي شكّلته تركيا أواخر العام الفائت، استغلال اللحظة العالمية بدورها والهجوم على مواقع الجيش السوري على محور مدينة “تادف” في ريف مدينة “الباب” شرقيّ حلب، لتردّ القوات المسلّحة السوريّة على الهجوم بكثافة نارية عالية، وتتطوّر المعركة إلى قصف مدفعيّ متبادل استُخدمت فيه الأسلحة المتوسطة والثقيلة.

ويؤشّر دخول “الجيش الوطني” التابع لتركيا في هذه المعركة إلى وجود نيات تركيّة لإشعال جبهة حلب تحديداً، بل تتحدث بعض المعلومات عن وجود خطط تركيّة لإعادة الصراع على حلب إلى نقطة الصفر، ومحاولة السيطرة على مركز الثقل الاقتصاديّ في سوريا، وكذلك السيطرة على الطرق التجارية الاستراتيجية في المنطقة ما بين اللاذقية وحلب، وهو ما يتناقض تماماً مع التفاهمات التركية ـ الروسيّة و”مسار آستانة”، كما يتناقض مع الواقع الميدانيّ، حيث تسير الخطط السورية ـ الروسيّة باتّجاه الضغط على جبهة إدلب عسكريّاً، وذلك من خلال إرسال الطائرات الروسيّة المسيّرة إلى سماء إدلب، لتعود بصور دقيقة تليها تنفيذ هجمات صاروخية روسيّة أحياناً، أو قصف مدفعيّ سوريّ على الأهداف المنتقاة  في أغلب الأحيان، وهو ما حدث طوال الأشهر الماضية، وأدّى إلى تدمير مخازن أسلحة ومخازن وقود وغرف قيادة تابعة لعدة تنظيمات، ومقتل عدد من قادة الصف الأول فيها.

لكنّ توقيت البدء بعملية عسكريّة شاملة لم يُحدّد بعد، رغم أنّ معلومات رشحت حول نيّة الدولة السورية القيام بعملية كهذه بالتزامن مع الهجوم الروسيّ على أوكرانيا، لكنّ الروس اقترحوا على الحلفاء السوريين التريّث بعض الوقت، والأكيد هنا أنّ قوات الجيش العربي السوري والحلفاء تحافظ على حالة الجاهزية الكاملة على تلك الجبهات، وعلى وضع الاستعداد التام لأيّ حدث طارئ أو قرار عسكريّ بالهجوم.

من جهة أخرى، تواجه الفصائل المسلحة في إدلب، وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة) حالة من السخط الشعبيّ المتصاعد ضدها، حيث تشهد المحافظة وأريافها منذ أشهر وحتى اليوم تحرّكات شعبية رافضة لممارسات الجبهة العنيفة ضد السكان. وقد بلغ الأمر في الشهرين الماضيين حدّ إطلاق عناصر الجبهة النار أكثر من مرّة على تجمعات غاضبة في مخيّمات عدّة في المنطقة، أدت إلى سقوط ضحايا.

أضف إلى ذلك  وجود حالة من الغضب الشعبيّ حيال تضييق الجبهة الخناق على السكان معيشيّاً، فقد أدّى غلاء الأسعار ومصادرة المحاصيل الزراعية أو أخذها بأسعار زهيدة إلى ازدياد نسبة الفقر والعوز، كذلك أدى تأخير رواتب الموظفين (ومنهم المعلمون) إلى إضرابات وتجمّعات رافضة لسياسة الجبهة وما يسمى بـ”حكومة الإنقاذ” التابعة للائتلاف السوري المعارض الذي ترعاه تركيا. كلّ هذا أدّى إلى انخفاض نسبة التعاطف الشعبي مع تلك الفصائل، وعدم الثقة بالائتلاف وبالأتراك، وهو ما تراقبه دمشق جيّداً وتضعه في الحسبان، لجهة توقيت اتّخاذ قراراتها وتنفيذ خططها على تلك الجبهة.

وفيما تواصل قيادات المعارضة السوريّة رهاناتها على المتغيّرات الدولية والوضع العالميّ الجديد المنبثق عن الحرب الروسية الأوكرانية، وتحاول تركيا اللعب بين حبال السياسة والميدان من دون جدوى واقعيّة على الأرض، وتختبر واشنطن حالة اضطراب وتشويش في الشرق السوري، كما في جميع مناطق نفوذها الخارجي في العالم، تبدو دمشق الأكثر ثباتاً في ميدانها الوطنيّ، فهي جاهزة عسكريّاً على جبهات إدلب وحلب، بل يمكن القول إنها فاعلة استخباريّاً وسط وخلف صفوف العدو، ومبادرة على جبهات الشرق، حيث الهجمات المتزايدة على النقاط والقواعد الأميركية ومواقع سيطرة “قسد”، وفاعلة أيضاً على المستوى الشعبيّ في تلك المناطق، حيث استطاعت تشكيل فصائل مقاومة ضد الاحتلال وقوى الأمر الواقع الكردية، كما حققت وتحقق تقدّماً ملموساً على مستوى المصالحات الشعبية في أرياف دير الزور وحلب والرقة تحديداً، وهي أمور تشير إلى أنّ خطط دمشق وحلفائها تسير نحو تحقيق أهدافها بطريقة القضم حيناً، والهجوم المباشر أحياناً أخرى.

وفي دمشق والداخل السوريّ، يُنظر إلى العملية العسكرية الروسية بعين الأمل، إذ إنّ هناك شعوراً عاماً بأنّها سرّعت عملية التغيير في العالم، لجهة تراجع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لمصلحة قوى عالمية جديدة، بعضها متحالف استراتيجيّاً مع دمشق، وبعضها الآخر تربطها به علاقات جيدة، ويَنظر إلى المسألة السورية بعينٍ تُرضي دمشق. ولا ينسى السوريون هنا أنّ عملية التغيير العالمية هذه بدأت عمليّاً من سوريا، وأنّ دماء السوريين ورفاقهم في محور المقاومة هي أول من سقى هذا الزرع الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى