مقالات

لبنان وأزمة أوكرانيا.. أين النأي بالنفس؟

ريما فرح

لم يكن ينقص لبنان سوى الحرب في أوكرانيا، وكأنَّ اللعنة الكونية تهبط دفعة واحدة على رأسه، فتنال من كل مفاصله، بناسه وأرضه وبحره وأمنه الاقتصادي والاجتماعي والصحي والغذائي، وحتى الأمني، وكلّ الشرايين التي يمكن أن تبقي له متنفساً لاستنشاق الهواء الممتلئ بانبعاثات التلوّث في أقصى درجات مخاطره البيئية.

لا يستيقظ اللبناني كلّ صباح للبدء بنهار جديد يستكمل فيه دورة حياته العادية كباقي البشر، بل ليتبيّن الضربات المتتالية التي تنهال على رأسه كصاعقة يومية، في ظلِّ سلطة دخلت في غيبوبة بنيوية، حيث الأمل مفقود في أن تقوم لها أي قائمة.

حالة “الكوما” الميؤوس منها هذه لم تمنع لبنان من اتخاذ الموقف الأعلى سقفاً بين سائر الدول، بما فيها الدول العظمى والمعادية لروسيا، بإدانة “غزوها” لأوكرانيا، وطلب الانسحاب الفوري لجيشها منها، إلا أنَّ ما يُطمئِن هو أنّ موسكو اعتبرت ما عبّر عنه الموقف الرسمي اللبناني، سواء عبر بيان الخارجية أو عبر لبنان في الأمم المتحدة الذي أدان التدخل الروسي، مزحة سمجة لحسابات طفولية مرتبطة بأوهام رئاسية من هنا، وباستدرار ارضاءات أميركية من هناك، في لعبة “بيت بيوت” لا تستأهل عناء التعليق، فلم تبادر إلى إجراءات عقابية زاجرة بحق اللبنانيين، ما جنّب لبنان مآسي إضافية، وجنّب معه طينه الّذي لا يحتمل أيّ بلّة.

“المسامحة” الروسية لم تعنِ أبداً أنَّ العتب لم يكن موجوداً. وقد تقلّب على عدة جهات، وخصّ عدة شخصيات، شملت أيضاً إحدى الغرف في موسكو، وأيضاً وزارة الخارجية. موقف روسيا تجاه لبنان تطلَّب الحكمة والصبر، كيف لا وهي تُدرك أن الرياح اللبنانية لم تمل يوماً صوبها، والنزاع الداخلي، مهما علا شأنه، يبقى موقفه حيالها خجولاً. وبتفنيد للعتب والمعرفة، تقول أوساط سياسية على خطّ لبنان – روسيا أنّ نقاط ضعف كبيرة كشفتها الأزمة على مستوى بيروت، وأهمها:

أولاً: إنَّ مقولة النأي بالنفس وترجمة الورقة الكويتية التي تنصّ على ضرورة علاقة هذا البلد مع الجميع والابتعاد عن الاستفزاز والتزام الحياد سقطت عند أول مفرق اختبار أميركي – روسي، وأظهر لبنان مجدداً أن التوجه والخيار هما الغرب، سواء كان رغبة أو عنوة.

ثانياً: إنّ حجم الاعتراض من قبل وزراء الحكومة المنتمين إلى تيارات وجهات مناهضة للولايات المتحدة لم يكن بمستوى التحرك الذي سلكه زملاؤهم خلال أزمة الوزير جورج قرداحي والمملكة العربية السعودية، فالاعتراض كان أقرب إلى الاستعراض وتسجيل موقف، ولم يحمل جدّية أو استفساراً على الأقل.

ثالثاً: وهي النقطة الأهم التي تدور حول “المستشارين” الذين يحلّون مكان السفراء في البلاد المنوطة بها مهماتهم. في لبنان، يتحول المستشار إلى المتحدث الرسمي باسم الدولة، وهو المُعيّن بشكل شخصي من قبل رئيس أو رئيس حزب أو تيار، وهذا ما يحصل حصراً بالعلاقة مع روسيا التي يتم الاستعانة فيها “بمستشار”.

رابعاً: على مستوى الشركات الروسيّة التي قدمت عروضاً لوزارة الطاقة، تؤكد الأوساط السياسية أنَّ القرار الأميركي يقضي بعدم السماح لمشاريع كهذه بأن تمرّ. وقد أبلغها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إلى السيد حسن نصر الله الذي كاشف الرأي العام بها، كدلالة على تدخّل سفارة أميركا بشكل مباشر في العناوين والتفاصيل اللبنانية.

وما زاد من هذه الحملة هو التسويق الإعلامي القائل إنَّ الشركة التي قدّمت عرضاً نفطياً هي شركة وهمية تتلطى وراءها شركة محظورة أميركياً، وهو ما تقول وزارة الطاقة إنه خارج إطار الحقيقة، ما يتطلَّب منها توضيحاً وإثباتات علنية تدحض هذا التشويه الإعلامي الذي لا يبتعد عن دائرة سفارة عوكر.

أما في الموضوع الروسي والأخطاء المتراكمة، فتشير مصادر دبلوماسية إلى وجود خلل ما في هذا الجانب، يتمثل بكيفية استقبال إحدى الشخصيات في وزارة الخارجية للمستشارين وبناء الموقف اللبناني الرسمي ومناقشته عبرها. وهنا، تُسجّل نقطة إخفاق في موسكو، تحتاج أيضاً إلى توضيحات من مسؤوليها حيال المواطن اللبناني.

إنَّ أزمة روسيا – أوكرانيا ستخلط أوراق العالم، فكيف بأوراق الشرق الأوسط؟ وبناءً عليه، على لبنان اتباع سياسة المصلحة المستدامة الشاملة بعيداً عن الحسابات المحدودة. وإلا، فإنَّ مكانه في الخريطة سيتلاشى من محيطه الأقرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى