مقالات

آخر معارك واشنطن في بيروت: “تفريغ البيئات الحاضنة”

غسان سعود

ما كاد حزب الله يسيطر جزئياً على تبعات اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، حتى أشعلت “إسرائيل” عام 2006 الجبهات الحدودية. ومع فشلها في تحقيق أهدافها، استُحدثت ألف جبهة وجبهة في المنازل والأحياء السنية – الشيعية. ومع فشلها في تحقيق أهدافها، انطلقت جيوش التكفيريين باتجاهه من كل أنحاء المعمورة. ومع انهزام هؤلاء، كان الحزب قد تحول على الرادار الأميركي من قوة لبنانية رادعة لـ”إسرائيل” إلى قوة إقليمية تعرقل المشاريع الأميركية في المنطقة.

جغرافياً وبشرياً ولوجستياً وقتالياً، كان الحزب قد تجاوز خطوطاً حمراً كثيرة، ليس أهمها امتلاك الرؤوس الذكية التي تخوّله الاستفادة بدقة من كل الصواريخ في ترسانته، فيما باتت خطابات الأمين العام السيد حسن نصر الله تركّز على الأميركي أكثر بكثير من الإسرائيلي.

تحوّل الحزب من “مشكلة إسرائيلية” إلى “مشكلة أميركية”؛ يرفع الأميركيون معنويات أنصارهم عبر وعدهم بنتائج عظيمة من الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق وسوريا، فيما النتائج معاكسة بالكامل. يعِدونهم بتدفيع حزب الله ثمناً باهظاً عند فرض العقوبات على إيران ومحاصرتها، ثم يعِدونهم بالأمر نفسه لجهة تدفيع حزب الله ثمناً باهظاً عشية رفع العقوبات وإعلان فشل الحصار.

غباء واستغباء. نتائج “حرب الاستنزاف” السورية أتت عكسية بالكامل، حيث شهدت مؤسسة الحزب الجهادية في العقد الماضي تدفقاً هائلاً للمتطوعين، حتى عجزت مؤسسات الحزب الدينية عن مواكبة المؤسسة العسكرية – بالسرعة المطلوبة – في تجهيز المقاتلين روحياً، في وقت كانت فيه جثامين الشهداء العائدين من سوريا تحقق معجزات خيالية في توطيد تماسك المجتمع خلافاً لما كان يعتقد الأميركي. ويُروى في هذا السياق عن بلدة كان لحروب أمل وحزب الله جراحها النافرة فيها بعد كل سنوات السلم، حتى عاد جثمان أحد أبنائها من القصير ملفوفاً بعلمي الحزب والحركة، فهرعت البلدة من خلفه وأمامه، كأنها لم تعرف الحزن من قبله، لتكرّ من بعده الجثامين الملفوفة بالعلمين، محوّلة جبهات التكفيريين من نقمة منتظرة إلى نعمة.

وخلال السنوات القليلة الماضية، كان يُفترض بالغزو التكنولوجي وتحول المجتمع الشيعي من مجتمع قروي تقليدي إلى مجتمع استهلاكي تحيطه المتاجر والمطاعم من كل حدب وصوب، أن يكون لهما تأثيرهما السلبيّ على حزب الله،  لكن الماكينة الحزبية تظهر تأقلُماً هائلاً مع التطور الطبيعي للمجتمع، مع ذكاء هائل في تحويل كل ما يُفترض أن يضعف العقيدة الدينية – القتالية إلى مصدر قوة إضافية لها. وهو ما راكم الاستنفار الأميركي، تزامناً مع وجود من أقنعهم بأن أحد أسباب صمود حزب الله كان البيئات الحاضنة، فابتدأ الحديث في أروقة التمويل في البنتاغون عن مصطلح جديد هو “تفريغ البيئات الحاضنة”، ضمن ثلاث دوائر:

·      الدائرة الشيعية، حيث ابتدأ اللعب بأدوات كثيرة على خلق شروخ شيعية – شيعية.

·      دائرة الطوائف الأخرى، حيث تكثفت الجهود داخل البيئات المسيحية والدرزية بعد السنية، ميدانياً وإعلامياً وسياسياً.

·      دائرة ما كان يوصَف ببيئة الأحزاب الوطنية، من الناصريين إلى الشيوعيين، مروراً بكل القوى والشخصيات التي حافظت لسنوات على تأييدها للمقاومة، بمعزل عن التفاصيل الصغيرة التي تذرّع بها آخرون لمناصبتها العداء.

ومن الأدوات التي استخدمها الأميركي، برز: 1. تحميل الحزب مسؤولية الأزمة الاقتصادية. 2. تفجير مرفأ بيروت. 3. مقولة إن الحزب هو من يحمي النظام السياسي الطائفي الفاسد ويثبته ويمنع تغييره. 4. تحميل الحزب مسؤولية تهريب المازوت إلى سوريا قبل أن يصبح التهريب هو سبب انقطاع المحروقات. 5. تحميل الحزب مسؤولية تهديد أرزاق اللبنانيين في الخارج عبر تهديده الدائم للعلاقات اللبنانية – الخليجية. 6. التحريض على المتفرّغين في الحزب باعتبارهم يحصلون على رواتبهم بالدولار، وكأن مَن خطّط ونفّذ لتدمير العملة الوطنية قد تفاجأ بالموضوع.

الهدف هو “تفريغ البيئات الحاضنة”، والأدوات لتحقيق هذا الهدف كثيرة جداً للوصول إلى موعد الانتخابات بمستوى هائل وغير مسبوق من الشعور العارم بالنقمة على حزب الله. كان يُفترض بكمين خلدة (بكل ما يمثله من اعتداء على جنازة لم تشهد الحرب الأهلية مثيلاً له) أن لا يكون مجرد يوم آخر في أجندة من 365 يوماً، ويوم الطيونة يوم آخر، وشويّا مجرد يوم ثالث، ويوم الاعتداء على القاضي داخل قصر العدل لمجرد أنه من الطائفة الشيعية يوم رابع، ويوم الاعتداء الكلامي على المحامي لمجرد قبول حزب الله بالاحتكام إلى القضاء مجرّد يوم خامس.

كان يُفترض أن لا يمر يوم من دون تعليق بضعة متظاهرين لمشنقة هنا وهناك؛ كان الأميركي ينتظر عشرات التحركات اليومية لبعض أهالي الشهداء في تفجير مرفأ بيروت، وعشرات “مرسيل غانم”، وعشرات شهود الزور من سائقي الكميونات وغيرهم، وعشرات الاعتصامات اليومية ضد “الاحتلال الإيراني” ممّن يمتهنون تكذيب الكذبة وتصديقها، وكان يُفترض أن يتحمل حزب الله وحده مسؤولية الانهيار، وأن يهرع الجائعون والأمهات والمرضى إلى منازل مسؤوليه لمطالبتهم بحليب الأطفال والدواء والطعام، بحيث يتقوقع الحزب على نفسه في موازاة تشتت حلفائه بين مَن يقطع علاقته به ومَن يعجز عن وضع عينيه في عيني ناخبيه.

كان السيناريو الأميركي محكماً هذه المرة، مع غرفة عمليات ذكية وسريعة وبعيدة عن الأنظار، لكن مقياس النجاح ليس الـ”لايكات” أو حجم الفجور، بل صناديق الاقتراع: كان يُفترض بالحزب أن يعاني الأمرّين، داخل البيئة الشيعية ثم مع الطوائف الأخرى، وفي دائرة ما يوصَف بالأحزاب الوطنية. لكن ها هو التجوال في هذه الدوائر الثلاث يوحي بفشل الأميركيين الذريع مرة أخرى وجديدة:

·      على مستوى المقاعد الشيعية، لا انتخابات تُذكر. وكما كان الاستنزاف التكفيري المفترض سبباً للتدافع صوب الجهاد، سيكون الاستنزاف السياسي – الاقتصادي سبباً للتدافع صوب مراكز الاقتراع. وللمرة الأولى، لن ينتخب جمهور المقاومة لرفع العتب أو حياءً أو نتيجة تكليف شرعي أو وفق حسابات مناطقية أو عشائرية أو طائفية أو حتى سياسية؛ بل سيهرع إلى مراكز الاقتراع للقول إن كل الحملات وكل الاستفزاز والابتزاز لم تزدهُ إلا تمسّكاً بحزب الله، وهو ينتخب هذه المرة لإسقاط مشروع أميركي. ومن يعمل في الماكينة الانتخابية للحزب اليوم يعلم أنه – للمرة الأولى – ليس أقل شأناً ممّن ينكبّ على تزويد صواريخ الترسانة بالرؤوس الذكية، أو يرابط في نقطة العمليات في انتظار “أنصارية 2″، أو يتأمل خلف حاسوبه كل ما تظهره الطائرات المسيّرة من نقاط حساسة ما بعد بعد حيفا.

ولعلّ الترجمة الأوضح لما سبق تتمثل في حتمية فوز الثنائي في الانتخابات المقبلة بسبعة وعشرين مقعداً شيعيّاً من أصل سبعة وعشرين، بعد ضمان المقعد الجبيلي الذي خسره في انتخابات 2018، نتيجة التحالف مع التيار الوطني الحر. وفي بعلبك – الهرمل يستعد هؤلاء الناخبون لصناعة المعجزات في صناديق الاقتراع هذه المرة، عبر تحقيق نصر استثنائي بنتيجة عشرة لصفر، رغم النظام النسبيّ الذي يجعل من ذلك أمراً مستحيلاً. وهو ما سيتكرر حصوله في دائرتي الثنائي في الجنوب. فحين تكون المعركة عسكرية يكون الرد عسكرياً، وحين تكون أمنية يكون الرد أمنياً، أما وقد أرادها الأميركي معركة انتخابية فإن الرد سيكون على المستوى نفسه في صناديق الاقتراع. وهل ينسى جمهور الحزب ترداد أمينه العام: “حيث يجب أن نكون سنكون”.

·      على مستوى الطوائف الأخرى، تتطلع ماكينة الحزب إلى فوز التيار الوطني الحر  والمردة والطاشناق والحزب السوري القومي الاجتماعي ومسيحيي كتلة “التنمية والتحرير” والبيوتات السياسية المتحالفة مع هؤلاء بنصف عدد المقاعد المسيحية زائداً أكثر من واحد، بعد كل هذا التحريض ورغماً عنه. أما درزياً، فيعلو نديب النائب السابق وليد جنبلاط، رغم حرص الحزب على عدم إحكام القبضة، والاكتفاء بإثبات حضور حلفاء داخل الطائفة الدرزية في أكثر من دائرة حساسة جداً، مع العلم بأن حشد السوريين القوميين الاجتماعيين في بلدة بيصور في عاليه أخيراً يكفي وحده لإيصال أكثر من رسالة إلى من يفهم معنى استعادة القوميين الدروز لأنفاسهم في الجبل، ليبقى الإنجاز الأهم هو توسّع حلفاء الحزب وأصدقائه في البيئة السنّية، من عرسال أولاً إلى عكار فالمنية والضنية وطرابلس؛ تراكم مفاجآت يمكن أن يلامس المستحيل من صيدا إلى الإقليم فبيروت، التي كان خصمه فيها سعد الحريري، فيما الخصم المفترض اليوم هو فؤاد مخزومي في مشهدية كاريكاتورية خيالية.

·      على مستوى ما يوصَف بالأحزاب الوطنية، أسهمت العاصفة الأخيرة في تساقط الكثير من الأوراق اليابسة؛ أولئك الذين كانوا “لا معلّقين ولا مطلّقين”، الذين تفعل المقاومة كل ما في وسعها منذ سنوات لاسترضائهم وهم لا يرضون. تساقط الحائرون المنفصمون المنتقدون لمجرد الانتقاد، الذين يريدون الشيء وعكسه، وبقي الحاسمون الذين يمكن البناء معهم، مع تحرر الحزب من علاقات قديمة كانت تمنع الاستثمار كما يجب في المجموعات الشبابية الناشئة، كما يحصل في الأشهر القليلة الماضية.

وفي النتيجة لن يرى الأميركيون الناخبين يهرعون إلى مراكز الاقتراع لمحاسبة حزب الله على ما لم يقترفه؛ لن يأخذوا بالسلم ما عجزوا عن أخذه بالحرب، لن تكون نتيجة المعركة الانتخابية مغايرة لنتيجة المعركة الأمنية والعسكرية. لا بل أكثر من ذلك: ستكتشف الإدارة الأميركية أن عشرات الشبان والشابات اللبنانيين قد ضحكوا عليها حين أوهموها أن في وسعهم تغيير المعادلات السياسية في البلد، فأنفقت عليهم وعلى جمعياتهم عشرات المليارات، لتظهر نتائج الانتخابات أن أكثرهم حضوراً لا يستقطب أكثر من بضعة أصوات. ستكتشف الإدارة الأميركية وقوعها ضحية بضعة مخادعين تدرّبوا في مدارسها على التضليل، فإذا بهم يضلّلونها هي بدل تضليل الناخبين. ستكتشف أن الحزب الذي لم تهزمه الآلة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية وكل المال الخليجي وجيوش التكفيريين والانقسام السياسي والطائفي العمودي لأكثر من ثلاثة عشر عاماً بين 2005 و2018 لن تهزمه ثلاثة “تلفزيونات” وعشرات المهرّجين. ستكتشف أن في هذه المعركة أيضاً، كما في كل ما سبقها، سيخرج الحزب أقوى وحلفاؤها أضعف بكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى