مقالات

هل حان الافتراق الروسي الإسرائيلي في سوريا؟

احمد الدرزي

أثارت العلاقات التنسيقية الروسية الإسرائيلية في سوريا، بعد الدخول الروسي في الحرب، دفاعاً عن أمنه القومي، امتعاضاً واسعاً وغير مُفسَّر بين السوريين، بفعل تتالي الهجمات الصاروخية الإسرائيلية على مواقع الجيش السوري وحلفائه، على الرغم من وضوح الموقف الروسي منذ البداية، والذي حدّد دخوله الحرب في مسألتين فقط: الحرب على الإرهاب، والمحافظة على شرعية الدولة السورية. فهل حانت لحظة الافتراق الروسي الإسرائيلي في سوريا، بعد بدء الحرب في أوكرانيا، وخصوصاً بعد انتهاء الزيارة القصيرة لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بينيت لموسكو؟

تميّزت العلاقات الروسية الإسرائيلية بالتباين، منذ لحظة إعلان قيام “الدولة” الإسرائيلية، وقيام موسكو السوفياتية بالاعتراف بـ”الدولة” الوليدة وغير الشرعية، أملاً في احتوائها، توهُّماً  بشأن انتماء قادة “إسرائيل” إلى الاشتراكية الدولية، وتأسيسهم التعاونيات الزراعية، ليتبيّن فيما بعدُ خطأ الرهان السوڤياتي، الأمر الذي أدّى إلى قطع العلاقات بـ”تل أبيب”، بعد حرب عام 1967، بعد أن أظهرت نفسها، بصورة واضحة، كدور وظيفي للولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً، وهو ما دفع موسكو إلى الاصطفاف على نحو كامل مع سوريا ومصر، ورعايتها منظمات المقاومة الفلسطينية.

وعاد زخم العلاقات بالاتحاد الروسي، بعد انهيار الاتحاد السوڤياتي عام 1991، على الرغم من الدور الإسرائيلي الكبير في انهياره، وخصوصاً دور المواطنين اليهود الروس الموالين لـ”إسرائيل”، والذين سيطروا على مفاصل الاقتصاد الروسي، وأنشأوا مافيات، الأمر الذي أدّى إلى كوارث اجتماعية واقتصادية، وانتشار المافيا والجريمة المنظَّمة، في خطة متكاملة مع المشروع الأميركي لتحطيم روسيا، وجعلها دولة من العالم الثالث.

وعلى الرغم من استلام فلاديمير بوتين السلطة فعلياً عام 1999، ونجاحه في إعادة بناء الدولة الروسية من جديد، فإن حسابات العلاقة بـ”إسرائيل” لم تتباين خلال العقدين الماضيين، على الرغم من التدخل الإسرائيلي المستمر في الداخل الروسي، وفي الفناء المحيط بروسيا. فعلى الصعيد الداخلي، كان واضحاً دورُ المال اليهودي الموالي لـ”إسرائيل”، والذي استحوذت عليه شخصيات مالية يهودية منظَّمة، وسيطرتُه على التيار الليبرالي الروسي، الأكثر عداءً لتوجهات السياسة الروسية، العائدة إلى أن تتبوّأ مكانتها العالمية، وكذلك الأمر في الفناء المحيط، الذي لم يغب عنه الدور الإسرائيلي السلبي، إن كان في أوكرانيا عام 2004، أو في جورجيا عام 2008، أو في أذربيجان عام 2021، أو أخيراً في أوكرانيا من جديد، والتي حكمها زيلينسكي الحامل للجنسية الإسرائيلية، وفي حكومتها عدد أكبر من اليهود الحاملين للجنسية الإسرائيلية، وكانت واضحة في توجهاتها الإسرائيلية، بعد النداء الذي وجهه زيلينسكي إلى يهود العالم من أجل الدفاع عن أوكرانيا.

على الرغم من كل ذلك، فإن الحسابات الروسية، بشأن العلاقة الجيدة بـ”إسرائيل”، كانت هي المهيمنة على عقل صانع القرار السياسي الروسي، إن كان بسبب وجود أكثر من مليون روسي في “إسرائيل”، أو نتيجة المراهنة على دور إسرائيلي ضاغط في الولايات المتحدة، يمكن استثماره لمصلحة روسيا، أو تفادياً لإثارة عشّ الدبابير الإسرائيلية داخلها، وهم يمتلكون الإعلام والمسرح والمال ومفاتيح العلاقات بالغرب.

انعكست حسابات العلاقة الروسية الإسرائيلية سلباً على سوريا، الأمر الذي أتاح الفرص غير المحددة لجيش الاحتلال الإسرائيلي من أجل ضرب مواقع الجيش السوري وحلفائه، شرط التنسيق المسبّق بدقائق مع موسكو لتخفيف عدد ضحايا الاعتداءات، في مقابل امتناع الجيش السوري وحلفائه عن الرد بالمثل على هذه الهجمات، الأمر الذي أفقد سوريا قدرة الردع في مقابل تَمادٍ إسرائيلي.

قد تكون منطلقات السياسة الروسية متباينة عن متطلبات الردع السوري واحتياجاته، فهي تستند إلى تصور شامل  لكل منطقة غربي آسيا، وتتعاطى مع اللوحة السورية كجزء من لوحة أكبر، تمتد من آسيا الوسطى، مروراً بإيران وتركيا، وصولاً إلى دول الخليج والبحر الأحمر، ومنها إلى شمالي أفريقيا. وهذا يفترض أن يكون المشهد الميداني في سوريا مرتبطاً باللوحة الكلية العالمية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن موسكو تحاول أن تؤكد لجميع دول هذا الإقليم الواسع، أنها تتعاطى مع كل دوله بصورة مغايرة للإدارات الأميركية المتلاحقة، والتي عملت على تقسيم المنطقة إلى استقطابات متصارعة، بينما تحاول الإدارة الروسية تأكيد قدرتها على تحويل الاستقطابات إلى إطار واحد منسجم ومتناغم ومتعاون، وقابل لتعاطي بعضه مع البعض الآخر بصورة طبيعية، ضمن صيغة إقليمية جديدة تحت إدارتها، على الرغم من كل التناقضات غير القابلة للجمع، وخصوصاً مع كيان مخالف لنسيج المنطقة، يعمل على التحكم فيها خدمة لمركز القرار المالي العالمي في نيويورك.

وعلى الرغم من كل نتائج الحضور الإسرائيلي السلبي على السياسات الروسية العامة، وخصوصاً بعد وضوح التدخل الإسرائيلي غير المباشر في الحرب الأوكرانية، فإنَّ من المبكّر جداً التنبؤ بتغيير السياسات الروسية نحو “إسرائيل”، بما يتعلق بسوريا  بصورة خاصة، حتى بعد العودة إلى الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة، على الرغم مما سيتركه من آثار عميقة في مجمل بنية غربي آسيا، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. فما زالت العوامل التي حكمت الموقف الروسي تجاه “إسرائيل” باقية، ولا يمكن لموسكو أن تُغيِّر محاولاتها الجمع بين المتناقضات، ما دام التيار الليبرالي الاقتصادي اليهودي الموالي لـ”إسرائيل”، هو صاحب الدور الأساسي اقتصادياً في روسيا، في ظل الحرب الأوكرانية وما ترتّب عليها من عقوبات اقتصادية، الأمر الذي يدفع إلى تأجيل النظر في العلاقة بـ”إسرائيل” في سوريا إلى حين انتهاء الحرب في أوكرانيا، التي ستستمر تداعياتها أعواماً حتى لو حُسمت لمصلحة موسكو خلال فترة قصيرة. والشيء الوحيد الذي قد يدفع موسكو إلى تغيير سياساتها حالياً، هو نتائج العودة إلى الاتفاق النووي، وتحررُّ إيران من العقوبات، على نحو يجعلها في وضعية أفضل من أجل ردع “إسرائيل” وقرار سوري أكثر قدرة على استثمارالحرب الدائرة في أوكرانيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى