مقالات

الثلج الروسي الحار الرابع يشكّل العالم

موفق محادين

في روايتَي إيكو (مقبرة براغ) وجاك لندن وآرثر كونان (لعبة الظلال)، التي تحولت إلى أحد أفلام شارلوك هولمز، وكتابَي أيكه (السرّ الأكبر) وهوبز باوم (عصر النهايات القصوى)، يُختصر المشهد العالمي وتحولاته على مدى قرن كامل، وتُدفَع إلى العلن أسرار اللعبة واللاعبين: الرأسمالية المتوحشة، اليهودية العالمية وعوالم روتشيلد، الأخويات الماسونية، المافيات، الجواسيس وتجار الحروب والأسلحة.

وفي كل ذلك، حضرت روسيا، في كل عهودها القيصرية والاشتراكية، عبر الثلج الحار: هزيمة نابليون، ثم هزيمة النازية في طبعتها الألمانية الأصلية، فكيف بالنازية الصغيرة في أوكرانيا؟

 كما تحولت روسيا إلى قاطرة تاريخية كبرى، بحيث اعتقدت أقلام الاستخبارات الأوروبية، ثم الأميركية، أن روسيا قاب قوسين أو أدنى من مغادرة مسرح التاريخ.

ولم يتَّعظ أحد بما كتبه أكثر من فيلسوف ألماني، مثل هيغل، عندما قسّم الأمم إلى ثلاثة أنماط:

– أمم لم تنتقل من حالة الطبيعة، أي ما قبل المجتمع والدولة والعقل، إلى حالة الحضارة، ويقصد “الثورة البرجوازية”.

– أمم ما إن تفشل في تخطي عتبات الحداثة حتى تغادر التاريخ إلى الأبد.

– أمم قد تُهزم أو تتراجع، لكنها قادرة على النهوض مجدداً، مثل روسيا.

إلى ذلك، بدأت القاطرة الروسية حضورَها الكبير في التاريخ مع أباطرة كبار، مثل بطرس الأكبر وكاترين الثانية، عندما زحفا إلى المياه الدافئة، وهزما العثمانيين في القرم. وكانت المرة الثانية، عبر ثورة أكتوبر الاشتراكية، التي هزّت العالم كله، وأظهرت أن العالم، لأول مرة، لم يعد أحادي القطب.

أمّا المرة الثالثة، فكانت خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، حين أبادت الجيوش الروسية فيالق كاملة من النازية الألمانية، ودخلت برلين قبل الإمبرياليين، وكان يمكن لأجراس ستالين أن تُسمع في أنحاء أوروبا الغربية، لولا مشروع مارشال الأميركي وأموال عائلة روتشيلد، التي انهمرت على أوروبا.

ومن المؤسف أن الترهّل البيروقراطي، واستنزاف موسكو في حرب النجوم التي أعلنها ريغان، واستثمارَ أقلام الاستخبارات الأطلسية في الدِّين السياسي، عبر البابا في بولندا والاختراقات اليهودية، والإسلام السياسي النفطي ومؤتمراته وأحلافه، ساعدت، مجتمعةً، على انكفاء موسكو، وصولاً إلى الانهيار السوفياتي، فاعتقدت مراكز الأبحاث وأقلام الاستخبارات الأطلسية أن روسيا انتهت إلى الأبد، قبل صحوة الدب الروسي على أيدي القائدين التاريخيين: بوتين ولافروف، الذي يوصف بـ”مترنيخ العصر الجديد”.

وتكمن أهميتهما، مع سائر الأوراسيين، في الإدراك العميق لكتابات الجغرافيين الكبار: راتزل، ماكندر وسبيكمان بشأن ما يُعرف بـ”الهارت لاند”، ودور أوراسيا فيه، فمن يسيطر على أوراسيا يسيطر على قلب العالم، وهو الأمر الذي تبنّاه فيلسوف الإمبريالية الأميركية، بريجنسكي، وركّز على ضرورة السيطرة الأميركية على أوكرانيا وإلحاقها بالناتو، كما انتبه أيضا لأهمية كازاخستان، وتوظيف الإسلام السياسي فيها.

بالإضافة إلى ذلك، كانت الصين تشقّ طريقها عبر مشروع تاريخي مكمّل للمشروع الأوراسي الروسي، وتطلق مع روسيا سلسلة من المشاريع الاستراتيجية، والتي من شأنها إعادة تشكيل العالم. ومن هذه المشاريع البريكس وشنغهاي.

وحيث بدا كما لو أن بحر الصين الجنوبي سيكون مساحة الاشتباك المتوقَّعه بالتزامن مع حركة الأساطيل الأطلسية في المحيط الهادي، ومع الحرب الاقتصادية على الصين، والمحاولة الأميركية للسيطرة على باب المندب، وإعادة عملاء المحميات النفطية إلى تلك المنطقة، إلاّ أن ما حدث هو أن أقلام الاستخبارات الأطلسية، وخصوصاً الأميركية والبريطانية، فضّلت فتح الملف الأوراسي عبر ساحتين، كازاخستان وأوكرانيا، الأمر الذي دفع موسكو  إلى التحرك سريعاً، ولم تتردّد لحظة في إحباط المخطَّط الأطلسي – الإسرائيلي – التركي في  كازاخستان، ثم قطع الطريق على السيناريو الأطلسي في أوكرانيا.

هكذا، وقبل أن تتمكن المجموعة النازية – المتصهينة، والحاكمة في أوكرانيا، من توفير الغطاء والذرائع للناتو للسيطرة الكاملة على هذا البلد، كان بوتين يتصرف كقيصر تاريخي غير مسبوق، ويقطع الطريق على الأطلسي وعملائه، ويمهد للمشروع الأوراسي الروسي، كما لطريق الحرير الصيني.

خلاصات واستنتاجات

1- إذا كانت القوى الصاعدة في أوروبا هي التي صاغت العالم الجديد في القرن السابع عشر، عبر اتفاقيه وستفاليا، وإذا كانت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية هي التي أعادت صياغة العالم في يالطا، فإن العالم الجديد اليوم يتشكل وفق الرؤية التي حذّر منها بريجنسكي، والتي تنطلق من الفكرة السابقة الذكر، وهي أن من يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم.

2- إن الجبهة الأوكرانية الساخنة اليوم، ليست وليدة أشهر أو سنوات، بل تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما أقرّ مجلس الأمن القومي الأميركي توصيات بريجنسكي المذكورة، والتي نشرها في كتابيه: “رقعة شطرنج” و”خطة لعب”.
وهناك من يرى أن استهداف روسيا أبعد من ذلك كثيراً، ويعود إلى صعودها في القرن الثالث عشر، كروما شرقية جديدة، أو بيزنطة الأرثوذكسية، في مقابل الغرب، سواء في القرون الوسطى أو لاحقا.

3- إن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أكبر من معركة روسية أوكرانية، فهي حلقة في سلسلة طويلة من حالة الصراع على العالم كله.

4- ليس بلا معنى أن نجد تحالفاً نازياً – يهودياً يحكم أوكرانيا، على الرغم مما يبدو من تعارض بين الطرفين. فالتحالف هنا لم يتشكّل، وفق حسابات داخلية، بل وفق إملاءات وتركيبة خارجية، من صنع الاستخبارات البريطانية والأميركية.

5- إن استنفار الغرب كله ضد روسيا ليس مُفاجِئاً، فالأخطار الاستراتيجية على الغرب، مثل المشروع الأوراسي الروسي وطريق الحرير الصيني، هي التي وحَّدت المتروبولات الرأسمالية، في كل تياراتها، بما في ذلك دولٌ، مثل ألمانيا واليابان وسويسرا والسويد. فالمصالح الإمبريالية أكبر من الامتهان الأميركي للكرامة القومية الجريحة لدى الألمان واليابان، منذ الحرب العالمية الثانية.

وبالمثل، فالسمسرة المالية والتستّر على أموال الفساد والمافيا والملاذات الضريبية أهم من كذبة الحياد عند دول، مثل سويسرا وأمثالها.

6- للخائفين على روسيا وعمليتها العسكرية الجراحية، من أجل استئصال النازية وعملاء الناتو في أوكرانيا، من المؤكَّد أنها ليست ردة فعل آنية، ولا اعتباطية. كما أن لروسيا تجاربها التي لا تغيب عنها، سواء المريرة في أفغانستان، أو الناجحة في سوريا. ومن المؤكَّد أن مناخات الحرب النووية مناخات سياسية وليست عسكرية، وسبق أن عاش العالم مثل هذه الأجواء أكثر من مرة، من دون أن تصل الأمور إلى حافة الهاوية.

7- على جورج فريدمان، وغيره من الباحثين في الدوائر الأطلسية والأميركية، أن يدركوا أن أميركا لم تعد سيدة العالم، وغير قادرة على تجديد هذه السيادة التي تعبّر عنها تجاعيد وجه الرئيس الأميركي، مذكِّرين بما كتبه بريجنسكي في كتاب آخر له، هو “أميركا بين عصرين”.

وبحسب الكتاب، فإن الثورة العلمية الهائلة والمتسارعة في أميركا، هي التي ستطيحها، ذلك بأن مجتمعاً صغيراً يقوم على الأتمتة سيجد نفسه محاصَراً بالمجتمع الصناعي الذي يُطرد من المنظومة سنةً بعد أخرى. كما يضيف بريجنسكي أن الحروب لن تستمر طويلاً كحل للأزمات الدورية للرأسمالية. فمع الثورة العالمية، لم تعد الحروب الحديثة احتكارا للغرب وحده.

8- أخيراً، وفيما يخص الهستيريا الإعلامية لحلف الأطلسي وأتباعه، من الرجعيين والعثمانيين والصهاينة، بشأن “الغزو الروسي”، فإن تاريخ الغزو الحقيقي مسجَّل باسم الإمبرياليين والصهاينة والعثمانيين.

فأميركا قامت على غزو أراضي الهنود الحمر وإبادة الملايين منهم، كما على غزو جيرانها في المكسيك وسرقة مقاطعات كامله منهم. ولم تترك بلداً واحداً في العالم من دون أن تغزوه وتنهبه.

ومثلها بريطانيا، التي استمدت “نشيدها الوطني” من غزو العالم “الإمبراطورية التي لم تَغِب عنها الشمس”، قبل أن تنحسر كثيراً وطويلاً. ومثلهما كل البلدان الرأسمالية. وكذلك تركيا العثمانية، بل إن مفردة “الغازي” مرافقة لكل سلاطينها. كما نعرف أن تركيا الحالية نفسها ليست سوى جغرافيا لشعوب أخرى تمّ غزوها من جانب القبائل البدوية العثمانية في القرن الثاني عشر.

أمّا الكيان الصهيوني، الذي تلقّى ضربة موجعة عبر تهاوي الفريق الإسرائيلي الحاكم في أوكرانيا، فهو أخطر تجسيد للغزو العنصري الإجرامي في التاريخ المعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى