مقالات

بوتين يستشرف المستقبل.. حافة الهاوية

محمد حسب الرسول

في كلمته التي ألقاها عشية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، قدّم رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين سرداً تاريخياً لعلاقة بلاده بأوروبا (الغربية) وبأميركا، وتوقف عند عِبر تلك العلاقة التي أكدت عنده طبيعة التوجهات الأطلسية بصفة عامة، وتوجهات ما سمّاه إمبراطورية الكذب الأميركية بشكل خاص، لكونها توجهات تعمل على تحقيق مصالح طرف واحد على حساب مصالح بلاده. وقد عرض المواقف التي خذلت فيها دول حلف الأطلسي بلاده خلال ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته وثمانينياته، وأثناء انهيار الاتحاد السوفياتي، وما تلى تلك الحقبة.

وأسهب بوتين في الحديث عن العلاقات الروسية الغربية خلال ثلاثين عاماً هي عمر الاتحاد الروسي الذي نشأ عقب تفكك الاتحاد السوفياتي، وقال: “من المعروف أننا على مدى 30 عاماً نحاول بإصرار وصبر التوصل إلى اتفاق مع دول الناتو على مبادئ الأمن المتكافئ وغير القابل للتجزئة في أوروبا. وفي مقابل مقترحاتنا، واجهنا باستمرار إما الخداع والأكاذيب الساخرة، أو محاولات الضغط والابتزاز، في حين أن حلف شمال الأطلسي، في هذه الأثناء، رغم كل احتجاجاتنا ومخاوفنا، توسّع باطراد. آلة الحرب تتحرك، وأكرّر أنها تقترب من حدودنا، رغم وعودهم لبلدنا بعدم توسيع الناتو ولو شبراً واحداً إلى الشرق. أكرّر، لقد خدعونا، إنهم يعملون على تدمير قيمنا التقليدية، وفرض قيمهم الزائفة علينا، والتي من شأنها أن تفسدنا من الداخل”.

وقال بوتين: “في أراضينا التاريخية، يجري إنشاء كيان مناهض لروسيا، والذي تم وضعه تحت السيطرة الخارجية الكاملة، ويجري تعزيزه بشكل مكثف من قبل القوات المسلحة من دول الناتو، ويُمنح أحدث الأسلحة، ويزعمون أيضاً أنهم سوف يطوّرون أسلحة نووية. هذه سياسة احتواء لروسيا، وهي تمنح الناتو مكاسب جيوسياسية واضحة. وبالنسبة إلى بلدنا، هذه في النهاية مسألة حياة أو موت، وهي مسألة مستقبلنا التاريخي كشعب، وهذه ليست مبالغة، هذا صحيح. هذا تهديد حقيقي، ليس فقط لمصالحنا، بل لوجود دولتنا وسيادتها. هذا هو الخط الأحمر الذي تم الحديث عنه مرات عديدة”.

وبهذا، حدّد بوتين مخاطر سياسة احتواء روسيا التي تنتهجها دول حلف الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وحدّد طبيعتها لكونها تمثل تهديداً وجودياً لبلاده التي شنّت عملية عسكرية واسعة على دول المنظومة الغربية التي تقودها أميركا على الأرض الأوكرانية دفاعاً عن وجودها وحاضرها ومستقبلها، كما يقول الخطاب الإعلامي الروسي.

يرى الدكتور زياد الحافظ، الخبير الاقتصادي الدولي، إن ما يجري في أوكرانيا ليس حرباً بالمعنى المألوف، وإن كان طابعها عسكرياً، فهي أقرب إلى عملية عسكرية واسعة لتحقيق أهداف محدّدة، لا إلى تغيير معالم جغرافية ولا إلى تغيير نظام حكم، وإن كانت نتيجتها ستؤدّي إلى ذلك. العملية العسكرية التي تقوم بها روسيا هي خطوة دفاعية لا هجومية، رغم ما يظهر من أنها لاحتلال بلد مجاور. والخطوة العسكرية أتت في سياق طويل، بدأ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتولّى الحلف الأطلسي خلال التسعينيات من القرن الماضي التوسّع شرقاً، رغم الوعود بأن الأطلسي لن يتقدّم “بوصة” تجاه الشرق. فوجود قواعد عسكرية ومنصّات صاروخية في دول كانت ضمن حلف وارسو أصبح أمراً يهدّد مباشرة الأمن القومي الروسي. وقد حذّر الرئيس الروسي تكراراً ومراراً منذ 2007، في خطاب شهير له في مؤتمر الأمن الذي عُقد في مدينة ميونيخ، من أن القطبية الواحدة ليست مقبولة، وأن الأمن في أوروبا أمن مشترك لا يمكن تجزئته. تجاهل الأطلسي ذلك التحذير، وقام بالثورات الملوّنة التي أطاحت حكومات قريبة من موسكو. وفي مؤتمر بوخارست في 2008، كان القرار لدول الأطلسي بفتح باب انتساب جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف. ففي ذلك القرار، تمّ زرع جذور الأزمة الحالية، وتم تعزيزها عبر الانقلاب الذي دفعت به في أوكرانيا عام 2014، والإتيان بحكومة شديدة العداء لروسيا تسيطر عليها أقلّية نيو نازية. ثم حاول الأطلسي في أواخر 2021 تغيير النظام في بيلاروسيا، وفي 2022 تكرر السيناريو في كازاخستان لاستكمال محاصرة روسيا، فنجحت الأخيرة في وأد التمرّد والقضاء عليه في البلدين بسرعة فائقة.

يتصل كل ما سبق بالوقائع والحيثيات التي حملت الاتحاد الروسي ورئيسه فلاديمير بوتين على اتخاذ قرار كبير، دخلت عبره روسيا في مواجهة استراتيجية مع أميركا وحلفائها في حلف الناتو على التراب الأوكراني، لحماية أمنها القومي وكيانها السياسي، ومصالحها الاستراتيجية التي لن يحققها غير انتصار سياسي بأداة عسكرية وأخرى اقتصادية ينتج خرائط نفوذ استراتيجي جديدة، وواقعاً جيوسياسياً جديداً.

وهنا يمكن الحديث عن مشهدين مستقبليين؛ المشهد الأول هو مشهد الانتصار الروسي الذي يمنح روسيا القدرة على إعادة رسم الجغرافيا السياسية لأوكرانيا بالقدر الذي يؤمن انفصال القرم ودونيستك ولوغانسك، وغيرها من المناطق المتاخمة للحدود الروسية، ويؤمن نزع سلاح أوكرانيا ويمنع امتلاكها للأسلحة الاستراتيجية بشكل عام والسلاح النووي بشكل خاص، ويضمن إعادة الهندسة السياسية فيها لتصبح دولة محايدة، إن لم تكن موالية لروسيا، ولتصبح محررة من وجود النازية الجديدة وتأثيرها.

ويتصل بهذا المشهد توسع نفوذ روسيا والصين على المسرح الدولي، من خلال وضع حدّ للأحادية القطبية على المستوى الكوني، وفتح الأفق على تعددية قطبية تقوم على أنقاض الهيمنة الغربية على القرار الدولي في أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية.

أما المشهد الثاني فهو مشهد التسوية بين روسيا ودول الأطلسي، والذي يضمن أمن روسيا في مجالها الحيوي مع مقدار ما من التوازن الدولي بين الأطراف.

ثمة مشهد ثالث هو مشهد الانكسار الروسي، وهو مشهد يضع روسيا في مرمى القوة الغربية، وهو مشهد دونه حياة الروس وحياة خصومها، والحال في ظل المعطيات بالغة التعقيد، فإن بلوغ أحد المشهدين يتطلب زمناً ليس أقصر من زمن آخر حرب كونية سبقت هذه التي لاحت أوزارها، وهي فترة زمنية ستكون مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية، يضع خلالها بوتين الكون على حافة الحرب الكونية الجديدة، ليستشرف مستقبل علاقات دولية جديدة، ونظاماً دولياً جديداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى