مقالات

استقلاليَّة الأمن الأوروبي.. أولى ضحايا الأزمة في أوكرانيا

وسام إسماعيل

لا يمكن مقارنة الأوضاع الحالية في أوروبا بتلك التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي شكلت في تلك الحقبة الأرضية المناسبة لتكريس تبعية الدول الأوروبية للولايات المتحدة الأميركية عبر مشروع مارشال وحلف شمال الأطلسي، فالتفوق الأميركي في تلك المرحلة قابله ضعف أوروبي سببته نتائج الحرب المدمرة على القارة الأوروبية.

لذلك، إنَّ الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي جورج مارشال في جامعة هارفرد في العام 1947، والذي عرض خلاله مساعداتٍ لتعزيز الانتعاش الأوروبي وإعادة الإعمار، قوبل بإيجابية أوروبية بالغة، نتيجة الكساد والبطالة وفقدان البنى التحتية الصناعية والخدماتية.

وإذا كان الرئيس السوفياتي في تلك الحقبة جوزيف ستالين رفض العروض الأميركية، ليقينه بأنها ستُؤثر في قرار الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا واستقلاليتها، فإنَّ الولايات المتحدة الأميركية لم تتردّد بعد حوالى سنتين في استكمال مشروعها للهيمنة العالمية، بتمتين علاقاتها الأمنية مع دول أوروبا الغربية من خلال اتفاقية حلف الناتو، عبر إقناعهم بضعفهم وعدم قدرتهم على ضمان استقلالية قرارهم وتحقيق أمنهم بشكل مستقل في مواجهة التمدد السوفياتي نحو الغرب.

وبذلك، تكرَّس في فترة الحرب الباردة توازن القوى بين المحورين الأميركي والسوفياتي، وتكرَّست التبعية الأوروبية للولايات المتحدة، التي استطاعت أن تفرض رؤيتها وقرارها على القارة الأوروبية طيلة فترة الحرب الباردة.

وحيث كانت المحاولات الفرنسيّة للتحرّر من القبضة الأمنية الأميركية قد بدأت باكراً، حين انسحب شارل ديغول من قيادة حلف الناتو في العام 1966، ليعبر عن احتجاجه على الدور الأميركي المهيمن وامتعاضه من العلاقة البريطانية الأميركية، فإنَّ المحاولات الأوروبية لبناء إطار أمني مستقل تأخّرت إلى ما بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، إذ يمكن تصنيف عملية برشلونة وسياسة الجوار التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في العام 1995 أولى المحاولات الجدية ألتي أسَّست لفكرة الاستقلال الأمني الأوروبي، على الرغم من تباين الآراء حول نجاحها أو فشلها.

وإذا أردنا التعمّق في جدية المحاولات الأوروبية للاستقلال الأمني، فإنَّ جملة من القضايا يمكن التدليل من خلالها على النزعة الأوروبية لتعزيزها، فالقرار الأميركي باحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين لم يحظَ بدعم أوروبي، إذ إنَّ الدولتين الفرنسية والألمانية نجحتا بدفع الاتحاد الأوروبي إلى رفض أيّ تدخل عسكري خارج إطار الشرعية الدولية.

بعد ذلك، شكّلت الأحداث التي عصفت بشرق أوروبا، والتي شكَّل استعادة شبه جزيرة القرم أبرزها، إضافةً إلى الهجمات الإرهابية التي تعرَّضت لها بعض المدن الأوروبية، وأزمة اللجوء التي أنهكت الأمن الأوروبي، معطوفةً على الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، دافعاً لتعزيز الإصرار الأوروبي على التمايز عن الاستراتيجيات الأمنية الأميركية، إذ وقّعت 23 دولة من الاتحاد الأوروبي على اتفاقية التعاون الهيكلي الدائم “PESCO” في العام 2017، ثم تبلور هذا الموقف واتّضح مع رفض الاتحاد الأوروبي انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلاميّة، ورفض نقل سفاراتهم إلى القدس أسوةً بالحليف الأميركي.

أما إذا أردنا القفز فوق تاريخية هذه المحاولات، فيفترض الإشارة إلى الاختلاف في الاستراتيجيات والرؤى بين ضفتي الأطلسي. وفي هذا الإطار، تبرز الرؤية الفرنسية الألمانية المشتركة، من حيث الإصرار على إعادة تحقيق حلم شارل ديغول ببناء جيش أوروبي يستند إلى قدرات دفاعية أوروبية مستقلة عن أي آلية أميركية.

وفي تحليل هذا الاتجاه، فإنّ الهدف الأوروبي لا يرتبط بطموح الانفصال والاستقلال عن الولايات المتحدة فحسب، كتدبير يشبع رغبة الاتحاد الأوروبي في تحسس قدرته على إدارة أموره وتقرير مصيره بنفسه، إنما يرتبط باختلاف الرؤية إلى مستقبل الاتحاد وكيفية مقاربة الأزمات التي يواجهها.

بعد احتلال العراق، تيقَّن الاتحاد الأوروبي بأنّ الظروف الدولية اختلفت عما كانت عليه في زمن الحرب الباردة. وبناءً عليه، فإنَّ تقديره للدور العسكري والأمني لحلف شمال الأطلسي، ومن خلفه الولايات المتحدة الأميركية، شكل انعطافة عن المسار الذي دأبت الولايات المتحدة على المحافظة عليه.

وإذا كان الاهتمام الأميركيّ محكوماً بإطار المحافظة على القطبيّة الأحادية الأميركية، عبر منع أيّ محاولة لتغيير التوازن القائم، ومن دون إقامة أيّ اعتبار لمتطلبات الحلفاء الأمنية وظروفهم، فإنَّ التحديات الأمنية التي ألقت بثقلها على الواقع الأوروبي دفعت أقطاب الاتحاد إلى مقاربة ملف استقلالية القرار الأمني والدفاعي بتضامن وجدية.

لكن، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا الإطار، لم يستطع الاتحاد الأوروبيّ تحقيق أيّ نتيجة عملية، إذ إنَّ جملة من الأسباب شكّلت عاملاً للانقسام وعدم التوافق. وإذا كانت السنوات الأخيرة، وخصوصاً في فترة رئاسة دونالد ترامب، شهدت دعوات فرنسية مكثّفة للنأي بالنفس عن توجهات دونالد ترامب، فإن الانقسام الأوروبي حول قضايا أمن الطاقة وموقف دول أوروبا الشرقية من دعوات الاستقلال عن حلف شمال الأطلسي فرملت هذا التوجه.

إنّ الخيار الألماني لم يكن متوافقاً مع موقف دول شرق ووسط أوروبا حول “نورد ستريم”؛ فتَحْتَ ستار الخوف من التبعية للغاز الروسي، مارست دول أوروبية، تحت غطاء أميركي، ضغوطاً على ألمانيا واتهمتها بتعريض أمن الطاقة الأوروبي للخطر، في ظلِّ إصرارها على انعدام الحاجة له في تأمين حاجاتها.

وإذا كان هذا الخلاف قد هيمن على الساحة الأوروبية منذ العام 2011، فإنَّ قضيّة التزام دول أوروبا الشرقية بتوجهات الاتحاد الأوروبي احتلَّت مساحة مهمة في دوائر النقاش، إذ كان جلياً موقف هذه الدول الرافض للتخلي عن المظلة الأمنية الأميركية.

وإذا كان الاتحاد الأوروبي نجح بخلق مساحة من الاستقلالية، عبر تبني سياسة تعتمد على الحوار والإقناع بجدوى هذا الخيار، فإنَّ الولايات المتحدة الأميركية، عبر أذرعها الطويلة في حلف شمال الاطلسي، نجحت في جذب دول الاتحاد الأوروبي الشرقية إلى تبني خياراتها، فالقرار الأميركي، المصبوغ بلون أطلسي، بالتوجه شرقاً والتمركز على الحدود الروسية، بغية الحدّ من آثار الانكفاء الأميركي، وعدم المبالاة بما طلبته الإدارة الروسية من ضمانات أمنية على حدودها، دفع إلى رفع مستوى التوتر في المنطقة الفاصلة بين روسيا من جهة، والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من جهة أخرى. ونتيجة الإصرار الأميركي على السير في خطة ضم أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، وجدت الدول الأوروبية نفسها في مواجهة حرب روسية على حدودها.

 وعلى الرغم من تخلّي روسيا الحديثة عن عقيدة الاتحاد السوفياتي، وسعيها الدائم لتوطيد علاقاتها مع الدول الأوروبية، تحت شعار التكامل الاقتصادي والأمن الجماعي، لم تنجح دول الاتحاد الأوروبي في التخلّص من عقدة ما تفترضه خطراً قادماً من الشرق، إذ إنَّ الأزمة التي تفاقمت بين أوكرانيا وروسيا أدت، حين تحوَّلت إلى حرب، إلى تخلي الدول الأوروبية القصري عن مسعاها بالاستقلال الأمني، وانتظمت خلف المخطِط الأميركي في مشروعه لإعادة الساعة في القارة الأوروبية إلى 30 عاماً خلت؛ ففي تلك الفترة، كانت العلاقات الدوليّة في أوروبا محكومة لحتميتين: سيادة أوروبيّة غير مكتملة في ظلّ هيمنة أميركيّة، ومرجعيّة أمنية أطلسيّة تلغي ما سواها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى