مقالات

ريش النّسر الأميركيّ في السّودان

محمد المحجوب

منذ انحسار الوجود الاستعماري في القارة السمراء في ستينيات القرن العشرين، وحلول الولايات المتحدة الأميركية محل القوى الاستعمارية بشكل كبير، يمكن بوضوح تتبّع عمليات الاستخبارات الأميركية، وبشكل أوضح في أقطاب القارة الأربعة: مصر وإثيوبيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا.

علاقات قديمة وأطماع حديثة

منذ استقلال السودان في منتصف خمسينيات القرن العشرين، كانت التجاذبات الإقليمية بانتظار البلد الواقع في ملتقى طرق وتقاطع أخرى. محاور متضادة على طرفي نقيض؛ مصر الناصرية، إثيوبيا الإمبريالية، دول الخليج، أفريقيا الفرنسية، ودول الوادي المتصدع… لاعبون محوريون كانوا أقطاب اللعبة الجيوسياسية التي تجاذبت السودان، وكادت في مرات أن تجتذبه بالكامل.

في ذلك الجوّ المليء بالدعاية والتحريض، نسجت الولايات المتحدة أول خيوط علاقاتها مع السودان، وبدأت بمعونات اقتصادية وبعثات تعليمية وأمن معلوماتي، تباطأ تدريجياً حتى توقَّف بشكل شبه كامل عقب انقلاب أيار/مايو 1969، الذي استشرفت منه الدول المحيطة بالسودان انجراره نحو الكتلة الشرقية والمحور السوفياتي، وهو تقييم أثبت خطأه بعد فترة وجيزة.

خلال أقلّ من سنتين، وقع ما يُعرف بالحركة التصحيحية التي أعقبها فتور في العلاقات مع المعسكر الاشتراكي، مع الإبقاء على علاقات متوازنة مع دول “مشاكسة” داخل المعسكر نفسه، مثل رومانيا والصين، وصاحب ذلك دفء متقطّع مع المعسكر الآخر.

هذا الوضع استمر حتى مطلع الثمانينيات، وسط انخراط السودان في مغامرات نادي السفاري ومشغليه الغربيين، مقابل صفقات تسليح وتدريب استمرت طوال الثمانينيات حتى بعد سقوط نظام مايو.

هذه المساعدات لم توقف تدهور الأوضاع المعيشية، ولم تمنع تمدد ألسنة لهيب الحرب الأهلية التي خرجت من طورها المحلي في أحراج الجنوب، ووصلت إلى أعتاب العاصمة، ليقع انقلاب 30 حزيران/يونيو 1989، الذي تنبأت به المخابرات المركزية الأميركية في برقياتها المرفوع عنها السرية، كما لو أنها تستبشر به خيراً، منبهةً حلفاءها في المنطقة، نظام كامب دايفيد ودول الخليج، إلى الاستعداد لتقبل النظام الجديد، غير أنَّ هذا النظام لم يكشف سوى عن حلفاء الأمس المشاغبين الذين حظوا في أواخر الثمانينيات بزخم غير مسبوق، وهم الإسلاميون؛ التيار الحديث العهد بالسلطة، وصاحب السجل في معارضتها.

ورغم الأناشيد الجهادية المليئة بالهجاء للشرق والغرب، والتجييش الطلابي، والتبرعات الشعبية، والمؤتمرات الصاخبة، احتفظ نظام “الإنقاذ” طيلة 3 عقود بعلاقة مركّبة معقّدة تشبه في خطوطها العريضة علاقات أسلافه في كرسي السلطة، وتختلف في تردّد الأحداث وضجيج النهايات.

واشنطن: المكاسب أولاً!

لنلقِ نظرة فاحصة شاخصة على الخريطة، على موقع السودان تحديداً، في أقصى شمال شرق قارة أفريقيا، في نصف الطريق الذي يسلكه نهر النيل من منبعه في قلب القارة، وحتى مصبه في ساحل المتوسط المصري، وفي نصف العالم العربي والشرق الأوسط معاً.

وإذا أردت، فهو الحافة السفلى للهلال الخصيب، وآخر قطعة “دومينو” في دول الوادي المتصدع، وآخر عقبة كأداء تقف أمام خط افتراضي عرضي يصل جيبوتي بنواكشوط، أي خط الصحراء الكبرى الاستعماري الفرنسي. هكذا إذاً، كان في منتصف الطريق دائماً، في موقع جلب الكثير من المنافع، لغات وأدياناً وبضائع، ومعها الكثير من الضغط العالي والتوتر المزمن.

بدا ذلك مع مطلع الستينيات، فترة الحكم العسكري الأول مع نظام نوفمبر والجنرال عبود، الذي – رغم نزعته المحافظة وتكوينه العسكري البريطاني – تماهى مع مشاريع أزعجت الغرب في المنطقة، فكان موقف السودان في منابر الدبلوماسية، وفي ساحات القتال، مع الشرعية الدستورية لحكومة لومومبا المنقلب عليها إبان أزمة الكونغو، وكذلك في الشرق مع حركة الاستقلال الإريترية؛ المؤرق الأكبر لأحلام إمبراطور أديس أبابا المهووس بالغرب ومشاريعه.

كان الرد الغربي دعماً لوجستياً استخباراتياً لتمرّد الجنوب المسلح، تبعته تصعيد للأزمة وعسكرة توّجت بثورة أكتوبر 1964 وسقوط النظام العسكري. وبذلك، رحل الجنرال ونظامه، ورحل قبله في أقل من عام كينيدي الذي وضع مشروعاً مفرط التفاؤل لقارة أفريقية على الهوى الأميركي، وبقيت الأزمات المصطنعة التي تسبَّبت بها الغرب في الكونغو والقرن الأفريقي، وفي السودان كذلك، في مشهد يستدعي حفظه في الذاكرة، لأنَّ تكراره خلال العقود الخمسة القادمة من القصة هو الثابت في هذه المتغيرات.

كيف يرى النسر الأميركي “صقر الجديان”؟

ترى واشنطن في السودان كنزاً بين كنزين، وهي نظرة مقامر متمرس، فالسودان ومصر وإثيوبيا تماماً كدول النصف الشمالي من القارة الأميركية، كندا والولايات المتحدة والمكسيك، حيث الخزانات البشرية، والأنهار من الثروات الطبيعية، والإرث الهائل من التاريخ والحضارة، ما يجعل من الصعب اختيار حليف ووكيل موثوق ودائم بشكل مطلق.

في تلك الأثناء، كان حليف واشنطن الوحيد هو هيلاسيلاسي، الَّذي لم يبخل أبداً طوال 4 عقود من حكمه مرّ فيها باحتلالين وحربين أهليتين ومجاعتين رهيبتين على حلفائه اللحوحين. ولأنَّه كان مدمناً على أوهام العظمة، فقد كان يمنّي النفس بأسطول بحري يوازي أسطول نظيره وحليفه، النافذة الأخرى على جزيرة العرب، الشاه البهلوي، وكلاهما أقصاه الشعب والتاريخ في سبعينيات القرن العشرين، فمن المعلوم من السياسة بالضّرورة أنه لا يستوي أن تحكم بلداً من الشعوب القديمة في القرن العشرين بعقلية القرون الوسطى!

في تلك الأثناء، كانت لواشنطن أحلاف هامشية مع ليبيا الملكية وتشاد تامبالييه المتهور. وقتها، ظلّت واشنطن تقرأ من دليل الحلفاء الَّذي كتبته لها بريطانيا، ولم تعثر على حليف ووكيل معتمد، ولكن كلّ ذلك تغيّر، فمصر حليفة السوفيات انقلبت حليفةً للغرب، وإثيوبيا حليفة الغرب فعلت العكس وحالفت السوفيات.

في خضم ذلك، حافظ السودان على مصالح “أمنية” مع واشنطن فرضتها الضرورة، رغم دعم واشنطن لمشاريع جديدة هذه المرة في نيجيريا في أواخر الستينيات، عندما أطلقت ميليشيات البيافرا مغامرة طائشة في ما وصفها المستعمرون المجتمعون قبل ذلك بثمانين عاماً بـ”منجم الثروة الأعظم”، أي الهلال الساحلي بين حوض الكونغو وحوض النيجر، وهي منطقة خصبة غضة طافحة بالثروات الطبيعية المسيلة للعاب الاستعمار؛ حديثه وقديمه.

وقتها، أعاد السّودان الكرّة، كما في الكونغو، ودعم – إلى جانب مصر والجزائر وغيرهما – الحكومة المركزية، وقبلها وحدة البلاد، في وجه انفصال كان أقرب إلى قنبلة موقوتة منه إلى تحرر وطني.

تركّز الدعم الغربي على مجموعات مسلّحة تتبنى خياراً “أفروسنترياً” مفرطاً في بساطته المتطرفة. ومن بين تلك الجماعات قيادات سطت على تنظيم “أنيانيا 1” الذي قاتل في جنوب السودان منذ الاستقلال، بينما دعمت فرنسا قيادات معينة قبلية في البدء، ثم طلابية في دارفور.

وجاءت حادثة “شتاينر 1971″، المرتزق النازي السّادي الذي قاتل في جنوب أفريقيا ونيجيريا، وقبلها في الجزائر والهند الصينية، والذي انتهت مغامراته في أحراج جنوب السودان، لتعبّر بوضوح عن نيات الغرب، وواشنطن من خلفه، في الجنوب، في أداء دور تخريبي استخباراتي تبلور بدعم حركات انفصالية بهويات مزورة. وفي حال استولت هذه الحركات على الحكم بدلاً من الانفصال، كان الهدف سيتحول إلى دعمها كسلطة مركزية. وفي المقابل، قمع كلّ انتفاضة انفصالية موازية.

الغرب وواشنطن: ما الفرق؟

رغم التشابه في الجغرافيا والتاريخ والأهداف، فإنَّ دور واشنطن كان دائماً مختلفاً، فبخلاف لندن وباريس، كانت واشنطن تتصرف بطريقة توحي كأنها تواقة إلى أي إشارة إيجابية من نظام الخرطوم، وهو ما حدث في العام 1976، حين عاد التنسيق البارد/الناعم بين جهاز الأمن والاستخبارات الأميركية.

وقتها، كانت ثمة “مصلحة ملحّة” أدّت إلى عودة التنسيق. تلك المصلحة اقتضها التغييرات، بعد تحالف مصر وواشنطن، واستفحال عداء طرابلس الغرب للمعسكر الغربي، واندلاع الحرب الأهلية في كلٍّ تشاد وأوغندا، وتمترس كينياتا وسيسيسيكو وبوكاسا في كينيا والكونغو وأفريقيا الوسطى تباعاً، وانزلاق إثيوبيا نحو المعسكر الشرقي، وحرب التحرير الإريترية المستعرة فيها، إضافةً إلى تقلّبات المشهد الداخلي في السودان بعد إقصاء الجناح “اليساري الراديكالي” من السلطة في تموز/يوليو 1971، وتلاه القومي في 1973، ثم محاولة غزو 1976 الانقلابية الفاشلة، وبوادر استئثار النميري بالسلطة منفرداً.

كلّ ذلك دعا إلى تقارب، ولو جزئي، فيما ظلَّت الوعود الأميركيّة، تماماً كوعود بريطانيا للعرب بعيد الحرب العالمية الأولى، حبراً باهتاً على ورق متأكّل. وقد شملت إعادة السودان إلى النظام المالي والتعليمي الغربي، ثم جاء جفاف النصف الثاني من السبعينيات، وتغير الأوضاع السياسية في مطلع الثمانينيات، ليؤكّدا حقيقة أنَّ نظام الحكم في الخرطوم “لم يصل إلى الشّكل المطلوب” الّذي تستسيغه واشنطن، التي انشغلت بدورها في تحريك حروبها من أفغانستان إلى نيكاراغوا.

وفي غمرة جولاتها تلك، احتاجت إلى وكلاء محليين موثوق بهم، أو على الأقل يحكمون دولاً تتمتّع بشيء من الاستقرار. بكلمات أبسط، تحول المعيار في انتقاء الوكلاء من الثروات التي يعرضونها إلى الأمن الذي يتحكّمون فيه.

وفي هذا المعيار، سقطت الخرطوم من حسابات واشنطن، رغم مساعدة جهاز أمن النميري “القيّمة”، كما تصفها تقارير الاستخبارات المركزية الأميركية، وهي مساعدة جوهرية في دعم ضرب عصفورين بحجر واحد شرقاً، إذ إنه خلخل نظام مانغيستو الموالي للسوفيات، المنهمك في حروب مع جيرانه كافة، ودعم حسين حبري ونظامه الأمنوقراطي المنصّب فرنسياً، وليس انتهاءً بتسيير تهجير “الفلاشا” من إثيوبيا إلى الكيان الصّهيونيّ.

كلّ ذلك الأرشيف لم يشفع لنميري ورئيس منظومته الأمنيّة السيئة السمعة عمر محمد الطيب، اللذين انتهى بهما المطاف في المنافي عقب انتفاضة آذار/مارس التي أنهاها انقلاب السادس من نيسان/أبريل 1985، بدعم مصري/خليجي، لإعادة استنساخ النظام في مرحلة حسّاسة بلغ فيها التمرّد في الجنوب أوجه.

وقد اتخذ هذا التمرد – لسخرية القدر – اسم “أنيانيا 2″، في مشهد مبعثر متكرّر خلال دورة عقدية من الزمن، تماماً مثل مشهد استجداء النظم العسكرية المتتابعة في السودان أيّ تواصل أميركي، وهو تواصل تهدّده دوماً شهية السلطات العسكرية وشهوانيتها المفرطة للسلطة، ومناوراتها المكشوفة مع المعسكر الشرقي في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، مثلما ظلَّ نظام الإنقاذ يمنّي النّفس بخلطة سحريَّة من علاقات عسكرية وأمنية ممتازة مع كلا النقيضين؛ موسكو وواشنطن ولندن وبكين.

وبتكرّر المشاهد، تتكرّر السمات، وتختلف الأسماء، في دورة من الفتور والحماس أشبه بدورة بحياة طائر، لنقل النسر الأميركي، فهل ما زال ريش النسر الأميركي في الخرطوم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى