مقالات

تقارب إيراني قطري.. أيّ أثر جيوسياسي متوقّع؟

عباس الجمري

حملت زيارة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إبراهيم رئيسي إلى قطر في 21 شباط/فبراير 2022 أهمية كبيرة، تستدعي الوقوف عندها في أكثر من زاوية؛ فهذه الزيارة كانت الأولى لرئيسي إلى دولة خليجية. وقد شملت توقيع اتفاقيّات تجارية مهمة توطد العلاقة بين البلدين، منها الاتفاق على إنشاء نفق بحري يربط بينهما، ما يمكن أن يكون منجزاً كبيراً على صعد عديدة في ما لو أُنجز.

وشارك رئيسي في منتدى الدول المصدرة للغاز الذي يضم 11 دولة، من بينها روسيا وفنزويلا ومصر والجزائر وإيران وقطر. وقد أُنشئ هذا المنتدى في بداية الألفية في طهران، واختيرت قطر مقراً له.

الاتفاق النووي والتوسّط القطري

قال أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيره الإيراني إنَّ قطر مستعدة لتقديم المساعدة في أيّ مسعى لتحقيق الاتفاق النووي بين إيران والغرب، وأضاف أنَّ قطر تريد التوصل إلى اتفاق، لأن ذلك سيساهم في حفظ أمن المنطقة.

إلى جانب ذلك، ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر دبلوماسية أنَّ وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني قام الشهر الماضي بزيارة غير معلنة لطهران، تخللتها مباحثات مع الرئيس الإيراني ووزير الخارجية. وأضافت الوكالة أنَّ جدول مهام إبراهيم رئيسي في قطر تضمن استكمال ما بحثوه في طهران بشأن إحياء الاتفاق النووي.

وتشهد مفاوضات فيينا أجواء إيجابية، بحسب تصريحات المشاركين، ويُتوقع أن يوقع الاتفاق قريباً جداً، لكن ثمة قراءات في المضمون الجيوسياسي لهذه الزيارة، سنتناول في هذه المقالة قراءتين:

الأول: التداخل الجيوسياسي في الخليج

انضمَّت قطر إلى عمان في حيادها الخليجي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وخرجت الدوحة من عباءة السعودية بعد الحصار الذي فرضته الأخيرة على جارتها، بالتعاون مع الإمارات العربية المتحدة، والذي امتدَّ من حزيران/يونيو 2017 إلى كانون الثاني/يناير 2021.

كان لإيران الفضل في تقليل مخاطر هذا الحصار، عبر فتح المجالين البحري والجوي للدوحة، ما ساعدها على التنفس. هذا التغير الدراماتيكي جعل قطر أكثر نضجاً في تعاملاتها الخارجية. وقد اتخذت مواقف أكثر هدوءاً في القضايا التي تشعل فيها السعودية والإمارات مراجن التهور، كما في القضية السورية سابقاً، والقضية اليمنية حالياً، فمن الواضح أنَّ سوء تقدير دول الخليج في تلك القضايا بيّن أبلج، لا يحتاج إلى تفسير، وهو ما اعترف به رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم أكثر من مرة.

وبناء عليه، اختارت قطر أن تنسج علاقة متينة مع كلٍّ من تركيا وإيران كدولتين كبيرتين في المنطقة، وكقوتين صاعدتين على مستوى الإقليم، من دون أن يعني ذلك أن الدوحة خرجت من العباءة الأميركية.

يقارب السياسيّ القطريّ علاقته بأميركا بالعلاقة الاستراتيجية التي لا غنى عنها، ولا يمكن أصلاً الخروج عن طوقها، لكن تصرفات الرئيس السابق دونالد ترامب أعطت القطريين ذريعة مريحة لمقاربات أخرى ومراجعات قد تكون حادة أحياناً، ولكنها ما كانت لتكون لولا التصرفات غير المدروسة من قبله. وقد استغلّت الدوحة الظرف آنذاك في موازنة العلاقة بين أميركا وإيران.

الأهم في تلك الموازنة أنَّ قطر فطنت إلى أمور منها:

1- الإيرانيون يحترمون وعودهم واتفاقياتهم.

2- يتعالون على صغائر المشكلات.

3- أهمية إتمام صفقة بين إيران وأميركا وبريطانيا تخصّ جواسيس محتجزين لدى طهران يحملون جنسيات أميركية وبريطانية، مقابل أصول مالية لطهران مجمدة في البنوك الأميركية والبريطانية. هذه الصفقة، إذا أنجزت، ستعني الكثير لكل الأطراف التي تراعي قطر الحظوة عندهم، لاستفادتها منهم في تموضعها الجديد.

الثاني: محاولة فصل الساحات الخليجية عن بعضها البعض

قد نفهم بطريقة مباشرة حاجة قطر إلى التوازن بين العلاقات، كما شرحنا، لكن ما حاجة طهران إلى العمق الخليجي؟

فضلاً عن أهمية العلاقة الطبيعية بين الجيران، سواء من ناحية اقتصادية أو أمنية، فإنَّ حيثية دول الخليج بالنسبة إلى إيران، وفي هذا الوقت بالذات، مختلفة، فحين هرول الخليجيون إلى التطبيع، بدءاً بما عرف بـ”صفقة القرن”، وليس انتهاءً بالاتفاقيات المخزية مع الكيان الصهيوني، تداعى الصهاينة إلى تموضع أمني وعسكري في هذه الدول، وخصوصاً البحرين والإمارات، ما يعني أنَّ تموضع الإسرائيلي سيمثل خطورة على الأمن القومي الإيراني، الأمر الذي دفع طهران إلى الاهتمام باستراتيجتها القديمة الجديدة وضخ الحياة فيها، وهي الاستراتيجية التي تقول: الجيران على رأس أولويات الجمهورية الإسلامية.

تتضمن هذه الاستراتيجية رؤى في الأمن والطاقة والاستثمار والسياسة، بما يمنح دول المنطقة استقلالها وسيادتها، وبما يقلّل من الهيمنة الغربية عليها، بما في ذلك هيمنة العقوبات والذراع الاقتصادية الطويلة، وهو ما ذكره إبراهيم رئيسي في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع الأمير القطري خلال أول يوم من زيارته، وفصَّله في كلمته أثناء انعقاد مؤتمر منتدى الدول المصدرة للغاز في اليوم الثاني من الزيارة.

ولأنَّ إيران صقلت تجاربها تحت مطرقة العقوبات وسندان تبعية دول المنطقة، وصهرت خبرتها بنار الصبر، فإنّها صارت خبيرة في تحويل أي تحد خطر إلى فرصة ناجحة. ومن التحديات الحالية الّتي تواجه طهران تزايد عدد الدول المطبعة مع الكيان الصهيوني، وتموضع الأخير في المجال الحيوي لطهران.

أعتقد أنّ هذا التحدّي سيضاعف من حاجة طهران إلى الانفتاح أكثر على دول الخليج بما هو متاح وممكن، لتعزيز حضورها على الأصعدة كافّة. ولتعزيز ذلك الحضور أيضاً، افتتحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مطار الإمام علي في جزيرة طنب الكبرى، المتنازع عليها مع الإمارات العربية المتحدة، بحضور قائد القوة البحرية لحرس الثورة، الأدميرال علي رضا تنكسيري، ورئيس منظمة الطيران المدني محمد محمدي بخش.

ورغم أنَّ ثمة تحليلات تذهب إلى أن هذه الخطوة ستزيد من التوتر بين طهران وأبو ظبي، فإنها، في اعتقادي، رسالة مزدوجة تقول إن الجزر جزء لا يتجزأ من إيران، وفي الوقت نفسه، نحن على مقربة منكم، وعيننا على التوغل الإسرائيلي في الخليج.

تذهب هذه القراءة إلى أنَّ طهران معنية جداً بفصل الساحات الخليجية عن بعضها البعض، على الأقل على مستوى تصنيفها من حيث الأهمية بالنسبة إليها، فالمطبّع مع “إسرائيل” بشكل وقح، والمتعاون مع “تل أبيب” أمنياً واستخبارياً، ليس كمن يفتح مكتباً تجارياً مع الكيان المؤقت، وإن كان كلّ تطبيع مرفوضاً، إلا أنَّ التّصنيف من حيث المستويات ضرورة جيوسياسية تحتاجها طهران لتحقيق أقصى استفادة من الواقع، على قاعدة اللعب على التناقضات والمشي على حواف المعادلات المتضاربة.

التواصل المحموم لحلّ القضايا العالقة

رغم كلّ ما ذُكر من قراءات، هناك اتصالات عديدة بين الخليجيين وإيران، سواء في ما يتعلق بالاتفاق النووي أو التطمينات التي يقدمها الخليجيون لطهران بشأن علاقتهم بالكيان الصهيوني، إضافةً إلى قضايا أخرى تخص اليمن وأمن إمدادات الطاقة.

وفي هذا الصّدد، وصل وزير خارجية عمان بدر بن حمد البوسعيدي إلى إيران في 23 شباط/فبراير في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقاً، والتقى نظيره الإيراني، وبحثا، كما أعلن، موضوع الاتفاق النووي، إذ تعد عُمان من الوسطاء الرئيسيين بين طهران وواشنطن قبل توقيع الاتفاق في العام 2015 وحتى اليوم.

إذاً، هناك مصلحة جيوسياسية لكلِّ من قطر وعمان من جهة، وإيران من جهة أخرى، في توطيد العلاقات مع بعضهما البعض، رغم الفوارق الجوهرية في سياساتها الخارجية في عدد من القضايا.

هذه الحاجة، إلى جانب توقع توقيع الاتفاق النووي، قد تدفع الكويت إلى تحسين علاقاتها أكثر مع طهران، لأنَّ رضا الغرب يعني رضا الدول التابعة له، إلا العلاقة مع السعودية. وبما أنها مرتبطة بالملف اليمني كثيراً، فمن المبكر القول إنَّها ستتحسن حتى مع العودة إلى الاتفاق النووي، فيما يفترض أن تنتعش التجارة بين إيران والإمارات، من دون أن يعني ذلك حلحلة الملفات الأخرى، لأنّ أبو ظبي متورطة بملفات صعبة، كالملفّ اليمني من جهة، والتعاون الاستخباري مع الكيان الصهيوني من جهة أخرى.

وبناءً عليه، تسعى قطر إلى أن تكون بيضة القبان بين إيران والغرب، وموئل المتخاصمين، ودوحة الحلول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى