مقالات

الحرب في أوكرانيا.. الكنيسة أحد الأسباب

حسني محلي

مع أحاديث بعض الأوساط الغربية عن مساعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإحياء إرث الاتحاد السوفياتي، والذي قال سابقاً “إن انهياره كان بمثابة التفكّك لروسيا التاريخية”، يشير آخرون إلى حسابات بوتين الدينية/المذهبية من خلال تدخلّه العسكري في أوكرانيا.

تعود جذور هذه الحسابات إلى ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية (476 م)، وبعدها الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وما تبع ذلك من تنافس على إرثها السياسي والديني بين الإمبراطوريات التي خلّفتها.

وهنا، يحاول البعض الربط بين فلاديمير بوتين وفلاديمير الأول أمير كييف (978-1015)، الذي كان وثنياً واعتنق المسيحية بعد أن تزوّج ابنة الإمبراطور البيزنطي في القسطنطينية باسيل الثاني، وجعل المسيحية ديناً لمملكته وعاصمتها كييف.

وهنا أيضاً، يرى البعض أنَّ التدخل الروسي في أوكرانيا بمثابة “الحرب الصليبية لإنقاذ الأراضي الأرثوذكسية المقدسة من أصحاب البدع والردة الغربيين”، والمقصود بهم حكام كييف المدعومون من واشنطن وحليفاتها، فقد أعلن الرئيس الأوكراني بوروشينكو المدعوم أميركياً في 16 كانون الأول/ديسمبر 2018 إنشاء كنيسة أرثوذكسية أوكرانية مستقلة عن الكنيسة الروسية، وقال إن “الأمن الوطني الأوكراني يعتمد إلى حدٍ كبير على الاستقلال الديني عن روسيا”، معتبراً هذا القرار “انتصاراً للشعب المؤمن في أوكرانيا على شياطين موسكو”.

جاء إعلان بوروشينكو في اجتماع خاصّ للأساقفة في العاصمة الأوكرانية كييف. وقد تم خلاله انتخاب الأسقف الشاب إيبيفاني، الذي يبلغ من العمر 39 عاماً، رئيساً للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية المستقلة.

جاء انفصال هذه الكنيسة عن البطريركية الروسية في موسكو، التي كانت تابعة لها منذ العام 1686، بمثابة الصّدمة للرئيس بوتين الذي سعى لعرقلة ذلك من دون جدوى، وهو ما فشل به أيضاً رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية البطريرك كيريل، الَّذي دأب منذ استقلال أوكرانيا في العام 1991 على لملمة الصفّ الأرثوذكسي.

زيارة الأسقف إيبيفاني إلى إسطنبول في 5 كانون الثاني/ديسمبر 2019 لاستلام كتاب الاعتماد الكنائسي الَّذي تمنح بموجبه الكنيسة الأرثوذكسية في إسطنبول (القسطنطينية) كنيسة أوكرانيا الجديدة الاستقلال، زادت الطين بلة على صعيد العلاقة بين موسكو وكييف من جهة، وموسكو وإسطنبول من جهة أخرى.

وأدّى استقلال الكنيسة الأوكرانية إلى تعميق الانقسام على مستوى الكنائس الأرثوذكسية بعد إعلان الكنيسة الروسية انفصالها عن العائلة الأرثوذكسيّة الجامعة، احتجاجاً على دور برثلماوس الأول، بطريرك القسطنطينية المسكوني في إسطنبول، وهو معروف بعلاقاته الوطيدة مع واشنطن التي لا يملك من دونها أي دور أو تأثير، حتى في تركيا، وهو يراعي مصالحها من أجل ضمان تأييد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان له.

ويرى البعض أنّ انفصال الكنيسة الأوكرانية عن الكنيسة الروسية مثّل ضربة قوية لحسابات الرئيس الروسي، إذ كان الأوكرانيون الأرثوذكس يشكّلون حوالى 25% من مجمل المسيحيين التابعين للكنيسة الروسية، التي خسرت ملايين الأتباع وملايين الدولارات من أملاك الكنيسة التي سعت كييف للسيطرة عليها حتى شرق البلاد.

هذا الأمر أحرج الكنيسة الروسية، في الوقت الذي شهدت المسيحية الأرثوذكسية نهضة كبيرة في أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، سواء في روسيا أو في الدول المحيطة لها، إذ إن أكثر من 60% من السكان أرثوذكس.

ويشير عدد من المفكّرين إلى الصلات القوية بين الكرملين وبطريركية موسكو خلال فترات التاريخ المختلفة، إذ اعتمد الرئيس بوتين على الكنيسة “كقوة جامعة تعزّز مكانته كممثّل وحامٍ لمصالح الأمة الروسية الأصيلة، بعد أن تراجعت مكانة الكنيسة خلال فترة السوفيات”.

لذلك، بذل بوتين جهوداً كبرى في دعم الكنيسة مادياً ومعنوياً وسياسياً، ومن ذلك استعادة ممتلكات الكنائس التي بيعت خلال الحقبة الشيوعية، وبناء المئات من الكنائس والكاتدرائيات، إلى جانب إدراج تدريس الثقافة الأرثوذكسية في المناهج الدراسية. كما شيَّد الجيش الروسي بتوجيهات من بوتين كاتدرائية خاصَّة بالجيش في موسكو، تم افتتاحها في أيلول/سبتمبر 2020 خلال الاحتفالات بالذكرى الـ75 لانتصار روسيا في الحرب العالمية الثانية.

من جهته، يبادل بطريرك موسكو كيريل الكرملين والجيش الروسي مشاعر الفخر والاعتزاز ذاتها، ويتحدَّث في خطاباته عن “دور الكنيسة في ضمان وحدة الشعوب الروحية في الدول القائمة على أراضي روسيا التاريخية، وأهميتها في حماية منظومة القيم الأرثوذكسية التي تحملها الحضارة الروسية الأرثوذوكسية المقدسة للعالم”، وهو ما يجعل البطريرك كيريل حليفاً عقائدياً مهماً للرئيس بوتين.

ويتوزّع المسيحيون الأرثوذكس خارج روسيا بشكلٍ كبيرٍ في كلٍّ من البلقان والشرق الأوسط، ومعظمهم في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق وجنوب شرق تركيا. كانت هذه المناطق تحت الحكم العثماني منذ القرن الخامس عشر وحتى بداية الحرب العالمية الأولى.

وشهدت كلّ هذه السنوات صراعاً قوياً بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية المدعومة من كنيستها الأرثوذكسية التي كان لها اهتمام مباشر بالسكان المسيحيين في مناطق الحكم العثماني في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط. واعترفت اتفاقية “كوجوك كاينارجا” في العام 1774 لروسيا بالإشراف على حقوق هؤلاء المسيحيين، على اعتبار أنَّها كانت السلطة الأهم في تلك الفترة.

ويذكر التاريخ أنَّ أحد أسباب التوتر الروسي مع الدولة العثمانية كان إهانة السلطان العثماني للمسيحيين الأرثوذكس، إذ سلَّم مفاتيح كنيسة المَهد في بيت لحم للكاثوليك، متجاهلاً بذلك حقوق الكنيسة الأرثوذكسية في الأرض المقدَّسة.

ومِن المفارقات أنَّ الاهتمام الروسي بالأرثوذوكس في الشرق الأوسط استمرَّ في عهد الاتحاد السوفياتي الَّذي كان يمارس نفوذه في الشرق الأوسط مِن خلال الأرثوذكس الموجودين فيه، وهو ما يفسر وجود عدد كبير من اليساريين والشيوعيين العرب من المسيحيين.

وتوجد بطريركيَّتان في المنطقة. تشمل صلاحيات بطريركيَّة أنطاكيا سوريا ولبنان والعراق والمنطقة الشرقية من تركيا، بعد أن نصَّبَت نفسها ككنيسة الأرثوذكس العرب، ويتبَعها حوالى مليون مسيحي، نصفهم الآن في سوريا، بعد أن غادرها الكثيرون خلال السنوات العشر الماضية. أما ولاية بطريركية القدس، فتغطي كلّاً مِن فلسطين المحتلة والأردن والمناطق التابعة للسلطة الفلسطينية. وتتنافس كنيستا أنطاكيا والقدس منذ زمن طويل لبسط نفوذهما على المنطقة، وهو ما يفسّر تعاطف الأولى مع الكنيسة الروسية، وتحالف الثانية مع كنيسة القسطنطينية في إسطنبول.

وعِند هذه النقطة، يتطابق التوجُّه السياسي للكنيسة الأرثوذكسية الروسية مع سياسات الدولة الروسية التي ترتبط مصالحها ارتباطاً وثيقاً بوضع المسيحيين الأرثوذكس في سوريا ولبنان، وهو ما أشار إليه بوتين في خطابه في أيلول/سبتمبر 2015، إذ عبر “عن قلق بلاده إزاء وضع المسيحيين”، متهماً الغرب “بعدم اتخاذ التدابير الكافية لحمايتهم”.

ويرى البعض في موقف بوتين المدافع عن المسيحيين، والأرثوذكس بشكل خاص، “أحد أسباب التدخل الروسي لمنع مؤسَّسات الدولة السورية مِن الانهيار، ما دامت هذه الدولة تضمن حقوق المسيحيين وتدافع عنهم ضد مخاطر الإبادة الجماعية من قبل المجموعات الإرهابية المدعومة من الغرب”.

وقد أعلن الرئيس الروسي عدة مرات أنَّ روسيا لن تتخلى عن مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط وفي أي منطقة أخرى مِن العالم، وأن قضيَّة أوضاع المسيحيين تُعَدُّ واحدة من هذه المصالح.

وتؤدي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بصفتِها “رمزاً للقيم الثقافية المُميِّزة للشعب الروسي” دوراً كبيراً في السياسة الخارجية الروسية التي تولي الأقليات الدينية أهمية خاصة في أماكن وجودها، في الوقت الذي تجاهل الغرب المسيحي الكاثوليكي الجرائم التي تعرّض لها المسيحيون في سوريا والعراق على يد “داعش” والفصائل الأخرى.

هذا بالنسبة إلى الشرق الأوسط. أما في البلقان، فقد خسرت روسيا المعركة الجيوسياسيّة الَّتي تعتمد أساساً على حسابات دينية /مذهبية بعد أن ابتعدت بلغاريا وصربيا والجبل الأسود (بسكانها الأرثوذكس) عنها، رغم الروابط التاريخية الوثيقة ووحدة الدين والمذهب، وهو حال مسيحيي اليونان وقبرص الذين يشكلون امتداداً تاريخياً وعقائدياً بيزنطياً للكنيسة الأم في القسطنطينية التي تحظى بدعم كبير من واشنطن وباريس وعواصم أوروبية أخرى، وخصوصاً بعد أن توغلت أميركا ودول أوروبية بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة في هاتين الدولتين، كما هو الحال في بلغاريا وصربيا ومقدونيا والجبل الأسود وكوسوفو.

بدورها، نجحت “تل أبيب” في اختراقها جميعاً من دون أن تهمل، وبذكاء، استفزاز العداء المذهبي بين المسيحيين، وهو ما فعلته وتفعله بين المسلمين، وهو ما سعت وتسعى إليه واشنطن وحليفاتها في جورجيا وأرمينيا ذات المذهب الأرثوذكسي لإبعادهما هما أيضاً عن الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، من خلال خلق المشاكل السياسية في هاتين الدولتين عبر الثورات الملونة.

وجاء اعتراف بابا الأقباط في مصر تواضروس بالكنيسة الأوكرانية، بالتنسيق مع واشنطن، بمثابة الصدمة الثانية بعد اعتراف كنيسة إسطنبول بها، وهو ما استنكرته الكنيسة الروسية، مع التأكيد على استمرار علاقاتها مع المجلس الكنائسي المصري الذي لم يشارك البابا قراره.

في جميع الحالات، ومهما كانت نتائج الأزمة الحالية في أوكرانيا، بات واضحاً أن واشنطن وحليفاتها التي حرَّضت في بدايات “الربيع العربي” المجموعات الإرهابية ضد “الشيعة والعلويين”، واستمرت باستفزازها الشيعة ضد الشيعة، كما هو الحال الآن في العراق، خطَّطت منذ زمن طويل، وما زالت، لخلق المشاكل لروسيا، ليس سياسياً وعسكرياً واقتصادياً فحسب، بل دينياً ومذهبياً، وبالتالي اجتماعياً وثقافياً أيضاً.

البعض يرى في “الهوية الأرثوذكسية ارتباطاً وثيقاً بالهوية القومية الروسية، وبمشاعر الفخر والاعتزاز والتفوق الثقافي عبر جميع مراحل التاريخ”، وهو ما يسعى الرئيس بوتين لإثباته، وفق تصور العديد من المحلّلين والمؤرخين الّذين يعرفون جيداً تاريخ روسيا، والروس الذين ضحّوا بـ25 مليوناً من أبنائهم خلال الحرب العالمية الثانية، وسقط 6 ملايين منهم فقط في الدفاع عن أوكرانيا ضد النازية الهتلرية وأتباعها الجدد الذين يقاتلون بوتين الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى