مقالات

تركيا الحائرة بين انتمائها إلى الناتو ومصالحها الحيوية

هدى رزق

الأزمة مع أوكرانيا بالنسبة إلى روسيا هي أزمة أمن قومي كبرى، أرجعها بوتين إلى الأخطاء التاريخية التي أنتجت بدورها انكشافاً أمنياً لم يعد بالإمكان التسامح معه، وتشكل عبئاً كبيراً على روسيا. أكثر جوانب العبء، وفقاً للرئيس بوتين، تمثلت في انكشاف أمن بلاده نتيجة اقتراب الناتو من حدود البلاد، وانتشار القواعد العسكرية التابعة للحلف بالقرب من الجغرافيا الروسية، ما يتيح لتلك القواعد توجيه الصواريخ الاستراتيجية إلى كل الأراضي الروسية في غضون أربع دقائق، وهو عبء بحسب موسكو يجب تصحيحه من خلال وقف تمدّد الناتو، وعدم ضمّ أوكرانيا تحديداً. فالاعتراف بجمهوريتى دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين، وتوقيع اتفاقيتي تعاون وصداقة معهما، يعنيان عملياً تقزيم أوكرانيا جغرافياً، ووقف تمدّد الناتو.

ماذا عن الموقف التركي تجاه ما يحصل؟ بوتين يريد أن يرى شخصاً قريباً من موسكو بدلاً من فولوديمير زيلينكسي الموالي للغرب في كييف. فما هو موقف تركيا العضو في حلف الناتو، وهي التي عمّقت علاقاتها مع كلا الطرفين، الروسي والأوكراني؟

الموقف التركي الحائر

ترى تركيا أن الولايات المتحدة أظهرت بالفعل أنها لن تقاتل من أجل أوكرانيا من خلال سياسة العقوبات الخاصة بها، والتي لن يكون لها أي معنى. من الواضح أن معظم أعضاء الناتو، الذين هم أيضاً أعضاء في الاتحاد الأوروبي، ليس لديهم نية لخوض حرب مع روسيا، وخاصة ألمانيا وفرنسا، وهما القوة القاطرة للاتحاد الأوروبي، وواضح اعتماد معظم دول الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة على روسيا.

لقد اعترفت الأمم المتحدة بعجزها عندما قال أنطونيو غوتيريش لبوتين أمام الكاميرات، “باسم الإنسانية، أرجوك اسحب قواتك”، كما أن دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن للعالم كله إلى الصلاة من أجل الشعب الأوكراني كانت مفاجِئة، أكثر من اعتراف غوتيريش بعجز الأمم المتحدة.

أنقرة راقبت توقيع حزمة من العقوبات التي أعلنها الرئيس الأميركي جو بايدن على بنكيْن روسييْن، وعلى عدد من المسؤولين الروس، وهي عقوبات أقل كثيراً ممّا تمّ التحذير منه والتهويل بشأنه. الشق الأهم فيها هو القرار الألماني بتجميد التعامل مع خط “نورد ستريم 2” الناقل للغاز الروسي الطبيعي إلى ألمانيا ومنها إلى بلدان أوروبية أخرى. لكنها عقوبات لألمانيا واقتصادها بالقدر نفسه كما هي عقوبات لروسيا، التي يمكنها أن تصدّر الغاز إلى أسواق أخرى، في مقدمتها الصين التي يشهد اقتصادها قدراً كبيراً من الانتعاش بعد نجاحها في احتواء الآثار المختلفة لوباء كوفيد.

كانت وزارة الخارجية التركية قد أعلنت، بعد فترة وجيزة من اعتراف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستقلال دولتي دونيتسك ولوغانسك، في الـ21 من شباط/ فبراير، أن تركيا لن تعترف بالقرار، واعتبرته “انتهاكاً واضحاً لوحدة أوكرانيا السياسية وسيادتها وسلامة أراضيها”. ومع تصاعد التوتر بين روسيا وأوكرانيا، زادت تركيا أيضاً من إجراءاتها العسكرية. قرار زيادة الإجراءات مرتبط بالقرارات التي تم اتخاذها في اجتماع وزراء دفاع الناتو الذي عُقد في بروكسل في الـ17 من شباط/ فبراير بحضور وزير الدفاع الوطني خلوصي أكار. أكد الرئيس رجب طيب إردوغان، في الـ22 من شباط/ فبراير، أن أهم ما يشغل تركيا هو عدم تصعيد التوتر في البحر الأسود وتحويله إلى حرب. لقد ندّد معظم حلفاء الولايات المتحدة بخطوة بوتين، من “إسرائيل” إلى اليابان، تماماً مثل معظم أعضاء الناتو والاتحاد الأوروبي، لكن عملياً ليس هناك من تحركات جدية.

كان موقف تركيا أنها ستعمل مع الناتو… حتى زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو قال إنه إذا وصلت المعارضة الى السلطة، فستظل تركيا موالية لحلف شمال الأطلسي، وستعمل تركيا جنباً إلى جنب مع الناتو في سياستها الخارجية، وهي لديها أيضاً اتفاقية قوية للغاية لا تملكها الدول الأخرى، وهي حقوقها في المضيق والبحر الأسود، بموجب اتفاقية مونترو لعام 1936 وقد كرّرت أوكرانيا، من خلال سفيرها في أنقرة، فاسيل بودنار، دعوتها تركيا في الـ23 من شباط/ فبراير إلى إغلاق المضيق أمام مرور السفن الحربية، عندما بدأ الغزو رسمياً.

من الواضح أن زيلينسكي كان يريد من إردوغان اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد روسيا. المادة 21 من اتفاقية مونترو لعام 1936، وهي أهم سلاح سياسي لتركيا في هذه الأزمة، تسمح لتركيا بمنع مرور السفن الحربية عبر مضيق الدردنيل وإسطنبول “إذا اعتبرت تركيا نفسها معرّضة لتهديد وشيك بالحرب”، حتى لو كانت هي غير مشاركة في الحرب.

من الناحية القانونية، الجواب هو “نعم، يمكن إغلاقه”، لكنه مفتوح للنقاش سياسياً. تم التوقيع على “مونترو” قبل الحرب العالمية الثانية وقبل إنشاء الناتو وانضمام تركيا إلى عضويته (1952) . إغلاق المضيق سوف يؤدي إلى وقف مرور السفن الحربية بما فيها مرور سفن دول الناتو أيضاً.

تركيا عضو في الناتو، ولها علاقات يمكن اعتبارها استراتيجية مع روسيا عكستها صفقة إس 400 وإنشاء محطة أكويو للطاقة النووية. وقوفها إلى جانب الناتو دونه صعوبات، ويمكن أن ينعكس عليها في سوريا. فالعلاقة يمكن أن تتدهور أكثر شمالاً، علاوة على ذلك، قد يؤدي إلى زيادة دعم بوتين لحزب الاتحاد الديمقراطي/ حزب العمال الكردستاني وإلى موجات هجرة جديدة إلى الداخل التركي، ويمكن أن يؤدي إلى تعقيد وضع إردوغان قبل انتخابات عام 2023.

مشكلة إردوغان هي اقتصادية في الأساس. هل سيكون هناك سيّاح من روسيا وأوكرانيا؟ فعائدات السياحة تمثّل حوالى 5 في المئة من الاقتصاد التركي، والأهم من ذلك أنها تعني السيولة.
أصبحت السياحة في تركيا معتمدة على السيّاح الروس في السنوات الأخيرة، وعلى السيّاح الألمان في المرتبة الثانية، والسيّاح الأوكرانيين في المركز الثالث. وصول السيّاح الروس يعتمد على كلام بوتين. استوردت تركيا من روسيا ما يمثّل حوالى 40 في المئة من إجمالي استهلاكها. يُستخدم نصف هذا الغاز في توليد الكهرباء. رفعت الحكومة أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء في بداية العام، الأمر الذي تسبّب في احتجاج الجمهور.

كما أن الشركات التركية للمقاولة في روسيا تحتل المرتبة الأولى بحصة تقارب 20 في المئة. عندما حدثت أزمة طائرة السوخوي عام 2015، قامت روسيا فجأة بمنع أنشطة الشركات التركية. هذا يمكن أن يمثّل تهديداً خطراً للاقتصاد. للأزمة أيضاً تأثير متزايد على سعر الصرف، وهذا أيضاً يمثّل خطراً على الحكومة وعائداتها، لأن البرنامج المالي الجديد الذي اعتمده إردوغان يعتمد في الأساس على حسابات الودائع المحمية بالعملة الأجنبية، وهو ينتهي في شهر آذار/ مارس المقبل، وقد يؤدّي بدء العقوبات الأميركية على البنوك الروسية إلى تحويل بعض الأموال من روسيا إلى تركيا عبر بورصة إسطنبول، وهو موضوع مهم بالنسبة إلى تركيا لأنه يقوّي اقتصادها.

جميع هذه الخدمات تؤثر في معيشة الأسر التركية وفي خزينة الدولة التي تمر بمحنة اقتصادية مع ارتفاع التضخم وأزمة العملة. اتفق كل من الرئيس رجب طيب إردوغان وزعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كيليجدار أوغلو على المواقف السياسية التي يجب اتباعها في ظل الأزمة الروسية الأوكرانية، للحفاظ على مصالح تركيا السياسية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى