مقالات

مع روسيا أَمْ مع أوكرانيا؟ ليست هذه المسألة

أليف الصباغ
قرأت مواقف بعض الأصدقاء الفلسطينيين ممن عبّروا عن دعمهم الكامل للخطوات العسكرية التي تقوم بها روسيا في أوكرانيا، “دفاعاً عن أمنها القومي”، ومواقف أخرى تعبّر عن الموقف “الإنساني”، “المناهض للحرب”، ويدعو إلى “وقف الحرب على أوكرانيا فوراً!”. وآخرون يفسّرون موقفهم المناهض للموقف الروسي، بأنهم “كفلسطينيين”، لا يستطيعون مطالبة العالم بمناهضة الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته يؤيدون “الاحتلال الروسي لأوكرانيا”، أو أنهم يؤيدون “سيادة الدول وحقها في اختيار حلفائها”، وأن “ذريعة الدفاع عن الأمن القومي التي تستخدمها روسيا هي الذريعة ذاتها التي تستخدمها “إسرائيل” ضدنا”. فهل امتزج النقاء السياسي بالسذاجة السياسية، فاختلط الحابل بالنابل؟
لماذا نسرع في اتخاذ موقف مع وضد؟
لسنا ملزمين بأن ندافع عن أمن روسيا، ولا أن نكرر الذرائع الأمنية الروسية لحملتها العسكرية على النظام الفاشي في أوكرانيا. وفي الوقت ذاته، لسنا ملزمين بالتحيّز للموقف الأميركي المنافق، والذي زجّ بأوكرانيا في حرب عبثية خاسرة مسبّقاً، تلبية لحاجات أميركا الاستراتيجية في صراعاتها الدولية، بل نحن في حاجة أن نذكّر بأن هذا النظام، الذي جاء إلى الحكم في أوكرانيا عام 2014، عبر انقلاب عسكري ضد رئيس منتخَب، وبدعم كامل من “إسرائيل” وأميركا والدول الغربية جميعاً، هو نظام تحكمه طغمة صهيونية بانتمائها المفضوح، ويحمل فيها رئيس الدولة ورئيس الحكومة وعدد من الوزراء جنسية إسرائيلية، وأنهم أول من دعم نقل السفارة الأميركية إلى القدس الشرقية المحتلة، وأول من دعم الحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة ضد أبناء شعبنا، وأنهم، في كل مواقفهم، معادون لحقوق شعبنا في الحرية والاستقلال والسيادة.
لسنا في حاجة إلى التذكير بذلك، لكن من واجبنا أن ننتهز الفرصة، فنذكّر العالم الغربي وأبواقه العربية بأن الحق لا يتجزأ. ومن واجبنا أن نضع في جدول اعمال العالم، الذي يدّعي حماية “حقوق” الشعوب، والدفاع عن “سيادة” الدول، أن شعبنا هو الأحق في ممارسة حقوقه المشروعة، وأن الاحتلال الإسرائيلي لا بدّ من أن يواجَه بالعقوبات الاقتصادية بدلاً من توجيهها ضد الشعوب المظلومة. وإذا تذرّع أحد بذرائع أمنية إسرائيلية، مقارنة بالذرائع الروسية، فعلينا أن نسأله: أين هي الطائرات الحربية الفلسطينية؟ أين هي الدبابات الفلسطينية، أو السلاح النووي الفلسطيني؟ أين هي القواعد العسكرية في الأرضي الفلسطينية؟ هل توجد حكومة فلسطينية استدعت، أو تستدعي قوة عسكرية أجنبية، من أجل تهديد “الأمن القومي الإسرائيلي”؟ لكن، قبل كل شيء، علينا أن نذكّر العالم بأن “إسرائيل” هي كيان مغتصِب وطنَنا، احتلالاً واستعماراً، وأنها من صُنع الغرب الاستعماري، وأن العصابات الصهيونية احتلّت بلادنا وشردت شعبنا، ولسنا مسؤولين عن أمنها، بل من حقنا أن نحاربها. ونذكّر أصحاب شعار “القانون الدولي” و”حرية الشعوب”، بأن القانون الدولي، هو مع مجموع الدول في العالم، مَن أعطانا هذا الحق. وقبل أن تتحدثوا عن شعاراتكم هذه تفضّلوا لتجسيدها في فلسطين.
رسالة إلى الديموقراطيين العرب!
لا تضَعوا أنفسكم في زاوية الدفاع عن النفس، ولا تسمحوا لأي أميركي أو متأمرك، أو أوروبي، أو متصهين، بأن يضعكم في الزاوية بحجة أن مطلبكم من أجل التحرّر من الاحتلال يستدعي أن تقفوا ضد “الاحتلال الروسي لأوكرانيا”.
لا، لن نسمح لأحد بأن يطلب منا موقفاً، فنحن أحق الناس في المُطالَبة. أين كنتم، يا أذناب أميركا و”إسرائيل”، خلال الأعوام الـ 74، من الاحتلال الصهيوني لفلسطين؟ أين أنتم، خلال الأعوام الـ 74، من تشريد الشعب الفلسطيني من وطنه؟ أين أنتم من عذابات أمّهات الشهداء وزوجاتهم وأبنائهم وبناتهم؛ الشهداء الذين قُتلوا على أيدي العصابات الصهيونية؟ أين أنتم من عذابات الأسرى والمعتقلين من دون محاكمة؟ ومن مصادرة الأراضي الفلسطينية وإحراق المزروعات منذ عام 1948 حتى اليوم؟ ألستم من يموّل هذا الاحتلال مادياً، ويدافع عنه عسكرياً وسياسياً؟ ويمدّه بكل الأسلحة القاتلة والمدمّرة للبشر والحجر؟ هل يحق لكم أن تتحدثوا بلغة حقوق الإنسان؟
رسالة أخرى إلى الحكّام العرب، التابعين لأميركا، أو الذين يزجّون بأنفسهم في صراعات إقليمية لحساب أميركا و”إسرائيل”، وهم يطمحون إلى حماية أميركية من شعوبهم، فأقول: ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي تخون فيها أميركا تابعيها وخدّامها وتتركهم لمصيرهم المحتوم. يقول المثل الشعبي إن “الحمار إذا دق أول مرة، ثاني مرة بحيّد”. إذا كان الحمار يتعلم من الخطأ الأول، فلماذا لا تتعلمون من أخطاء متتالية؟ هل أصبح الحمار أكثر ذكاءً منكم؟
رسالة أخرى في العلاقات الدولية
سقط القناع، وليس لأول مرة، بل مرة بعد أخرى، عن مفاهيم العلاقات الدولية واستخدام القانون الدولي في الصراعات الدولية والإقليمية. لا بد من تأكيد ما يؤكده أساتذة القانون الدولي الكبار، ومفاده أن القانون الدولي لم يأتِ لحماية الشعوب الضعيفة، وإنما جاء لموازنة مصالح الدول الكبرى فيما بينها، وضمانها. من هنا، اتفق الكبار على أن يكونوا هم وحدهم أصحاب حق الفيتو في مجلس الأمن. أما الشعوب المحبّة للحرية والاستقلال، فلم تكن يوماً إلاّ أداة مساعدة لهذا الطرف أو ذاك على توازن القوى الكبرى.
 لقد كانت المبادرة إلى إقامة منظمة دول عدم الانحياز محاولة ناجحة في حينه، من أجل رفع الوزن النوعي للشعوب المتحررة من الاستعمار، لكن سرعان ما تراجع هذا الوزن، ضمن موازين القوى الدولية والإقليمية. أمّا إعادة تنظيم هذه الدول وقواها الشعبية الحرة، فهي المهمة الأكثر إلحاحاً في أيامنا، حتى تستطيع الشعوب المتحفزة أن تنهض فعلاً من دون شروط استعمارية تقزّم نهضتها وتحدّ حريتها وسيادتها واستقلالها.
سقط القناع عن فاعلية الاتفاقيات الدولية، حين تختلّ موازين القوى أو تتبدل الظروف الدولية أو الإقليمية. فأميركا لم تحترم يوماً اتفاقية مكتوبة وموقَّعة، لا مع إيران، ولا مع فرنسا، ولا مع أيّ طرف. فكيف تحترم اتفاقيات غير موقّعة، كانت عبارة عن تفاهمات بين دول الناتو وروسيا، يوم كانت برئاسة يلتسين (الذي قصف البرلمان الروسي)، وقبلتها روسيا شفاهية، بسبب ضعفها أو سوء قياداتها السياسية، آنذاك؟ القوة هي التي تنص القانون، أو تفسّره، في نظر أميركا، و”الأمم المتحدة هي أميركا”، كما قال جون بولتون، بكل غطرسة وتكبّر.
سقط القناع عن الحدود المقدَّسة. عندما يتقدم حلف الناتو إلى حدود روسيا بهدف واضح، هو التهديد المباشر لأمن روسيا، وعندما يصل الأسطول الأميركي إلى بحر قزوين ليرسوَ على بُعد كيلومترات قليلة عن الأسطول الروسي، وتصبح موسكو على مرمى النيران الأميركية، وتصبح روسيا كلها مهدَّدة بالرؤوس النووية الأميركية على طول حدودها الغربية، فماذا تتوقع من روسيا أن تفعل؟ هل تقول لهم أهلاً وسهلاً، فنحن نحترم حق أوكرانيا السيادي في استدعاء قوات الناتو المعادية لروسيا؟
هل فعلاً يحق لأوكرانيا أن تستدعي قوات الناتو إلى أراضيها وشواطئها بحجّة أنها دولة ذات سيادة، ويحق لها أن تحالف من تشاء؟ وماذا عن الاتفاقيات الموقَّعة بين الدول الأوروبية وروسيا ضمن اتفاقيات التعاون والأمن الأوروبيَّين؟ والتي تمنع أوكرانيا من ذلك؟ وإذا كانت القوة هي التي تفسّر الاتفاقيات، فلماذا نلوم روسيا إذا استخدمت القوة من أجل تطبيق الاتفاقيات الموقَّعة؟
لكنّ اللافت للنظر هو موقف الشعوب الأوروبية!! أين هي الشعوب الأوروبية؟ غريب عجيب غياب هذا الصوت الذي يدفع ثمن الحرب الأميركية، بعد أن دفع ثمن حربين عالميتين؟ أين أنتم أيها الأوروبيون؟ كنت أحسب أن الشعوب العربية خاملة، ويبدو أنكم لا تختلفون عنها وإن كنتم أوروبيين.
إلى دعاة احترام القانون الدولي
تريدون منّا، نحن الفلسطينيين أو السوريين أو اللبنانيين أو العراقيين أو اليمنيين.. إلخ، أن نحترم القانون الدولي وسيادة الدول؟ لماذا لا تحترمونه أنتم أولاً؟ فأنتم من صاغ هذا القانون ولسنا نحن، فلماذا لا تطبّقونه أنتم أولاً؟
لماذا تستخدم أميركا سلاح الفيتو من أجل منع الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية على 22% فقط من الوطن الفلسطيني؟ لماذا تمنع تنفيذ قرارات مجلس الأمن بحق المشرَّدين الفلسطينيين وتَحُوْل دون عودتهم إلى وطنهم وبيوتهم؟
لماذا تصمتون عن كل المجازر التي ينفّذها التحالف السعودي الرجعي، بتسليح أميركي وفرنسي وبريطاني، ضد الشعب اليمني الفقير؟ فهل يغيب القانون الدولي الإنساني هنا؟
أيّها الفلسطينيون، أيّها اليمنيون الأحرار، أيّها العراقيون الشرفاء، أيّها السورين الأبطال، لا تضعوا أنفسكم في الزاوية! فأنتم أصحاب الحق الذي تنتهكه أميركا و”إسرائيل” وكل دول الاستعمار الغربي، والتي تتشدّق بحقوق الإنسان والشرعية الدولية.
لسنا ملزَمين بأحد، وإنما العالم كله ملزَم بنا؛ ملزَم برفع الحماية والرعاية عن المحتل الإسرائيلي، وبوقف التمويل لهذا الاحتلال المستمر منذ 74 عاماً. العالم ملزَم أيضاً برفع الحماية عن القاتل السعودي، وعن المنتهك الأول والأكبر لحقوق الإنسان، وهو البيت الأسود الأميركي.
رسالة ثانية إلى الرئيس بوتين
كنتُ في العشرين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي بعثتُ إليكم برسالة عنوانها “من الجولان إلى موسكو: طفح الكيل!”، لكنها لا تكفي، كما يبدو، وبناءً عليه، أرسل إليكم هنا هذه الرسالة الثانية:
مَن اعتقد، في روسيا، أن العلاقات “الإيجابية” بـ”إسرائيل” الصهيونية، والتنسيق الأمني معها في سوريا؛ أي السماح لها بقصف مواقع سورية أو إيرانية، شرط ألاّ يصيب ذلك القوات الروسية، سيقرّب “إسرائيل” من روسيا، أو أنها ستوازن بين العلاقات بروسيا والعلاقات بأميركا، خاب ظنه. “إسرائيل” لن تكون محايدة إلاّ شكلياً، في إطار البحث الخبيث عن مصالحها. “إسرائيل” لن تكون إلاّ مع أميركا في صراعها الدولي ضد روسيا والصين. لقد انفلت وزير خارجية الاحتلال، يائير لابيد، في موقفه الواضح، لكن صمت نفتالي بينيت لا يعني شيئاً آخرَ. إنها لعبة تاريخية تميّزت بها الحركة الصهيونية: تقاسُم أدوار ليس إلاّ. وفي إمكانكم أن تروا ذلك من خلال تفلّت وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتجنّدها ضد روسيا، وشيطنة رئيسها، بصورة خاصة.
السيد الرئيس فلاديمير بوتين
لقد سقطت سياسة الاسترضاء مرة بعد أخرى. فكما سقط الاتحاد السوفياتي في نهاية أربعينيات القرن الماضي، في فخ التضليل الصهيوني، وسرعان ما جهّز الصهاينة سمومهم ضد ستالين. هكذا هي الحال اليوم. فأميركا، منذ أن حصلت على خطاب خروتشوف السري عام 1956، بواسطة عميل “الموساد”، وحتى اليوم، تعتمد استخباراتها على العملاء الصهاينة، عملاء “الموساد” في روسيا. لن يطول الوقت حتى تكتشف، أيها السيد الرئيس، أن الخنجر الصهيوني جاهز للطعن في خاصرتك. لقد كانت لهم محاولة سابقة في جورجيا، هل تذكر؟
بالمناسبة نفسها، وليس سابقاً لأوانه، لن يطول الزمن حتى تشعر بالخنجر العثماني في الخاصرة الأخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى