مقالات

خلاف مستعر بين مكوّنات 14 آذار.. كل الأدوات مباحة

غسان سعود

منذ العام 2005، كان الانقسام المسيحيّ يتمثل بالتيار الوطني الحر والمردة والطاشناق والحزب القومي في جهة، وما كان يوصف بمسيحيي قوى 14 آذار في الجهة الأخرى. المجموعة الثانية كانت تضمّ أحزاب القوات اللبنانية، والكتائب، والوطنيين الأحرار، والكتلة الوطنية، وحركة الاستقلال، وحركة التجدد الديمقراطي، وتجمعاً هائلاً من رجال الأعمال والمصرفيين وأصحاب وسائل الإعلام وشركات الإعلانات والاستيراد والتصدير وأصحاب الوكالات، وغالبية المديرين العامين والموظفين المسيحيين في الإدارة اللبنانية والقضاة، ومطرانية بيروت للروم الأرثوذكس بشخص المطران إلياس عوده، والأمانة العامة لقوى 14 آذار التي كان يترأسها النائب السابق فارس سعيد، والتي تضم أكثر من 200 ناشط سياسي وإعلامي وأستاذ جامعي، تحول كل منهم منذ بضع سنوات إلى “NGO” قائمة بذاتها، والبطريركية المارونية التي يمكن أن يتغير بطاركتها لكنها تحافظ على تموضعها، والقيادات العسكرية والأمنية المتعاقبة منذ العام 2005، والبيوتات السياسية التي توارثت التمثيل الإداري والسياسي في المناطق المسيحية منذ العهد العثماني، والوزراء السابقين مثل إلياس المر وميشال فرعون، وعدد كبير جداً من رؤوساء وأعضاء المجالس البلدية الفاسدين، والنواب السابقين بطرس حرب ونايلة معوض وسمير فرنجية وغيرهم، إضافة إلى مسيحيي تيار المستقبل والحزب الاشتراكي والمجموعات اليسارية.

عملياً، كان كل هؤلاء يجدون ما يوحّدهم جنباً إلى جنب الرئيس سعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط، وغالباً الرئيس نبيه بري، في مواجهة التيار الوطني الحر. ورغم وسع مروحتهم وكثرة التناقضات، فإن المايسترو الأميركيّ ضبط مع الممول الخليجي إيقاع الخلافات ضمن هذا الفريق لأكثر من 10 سنوات، لكن مع يأس الأميركي والخليجي من غالبية هؤلاء وقرفهم منهم، وتعدد الجهات الممولة لهم، وكلّ ما رافق 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 من حب للظهور، يسود اليوم في أوساط مسيحيي 14 آذار هرج ومرج حقيقيان، وتعصف بهم فوضى هائلة، تصل إلى حد التقاتل الانتخابيّ والتشهير ببعضهم البعض، نتيجة التداخل الهائل لجنون العظمة مع شهوة السلطة.

أعلى الهرم

في أعلى هرم 14 آذار، يحتدم القتال اليوم على وراثة صولجان الحريري. يعتقد سمير جعجع أنَّه الأحق بالقيادة، فيما يعتقد جنبلاط الأمر نفسه، وكذلك بهاء الحريري، وسامي الجميل الذي يفترض أنه سيخرج بالكتلة الأكبر تحت مسمى “كتلة المعارضة”، ونعمة افرام الذي يعتقد أنه المرشح الأوحد لرئاسة الجمهورية، وميشال معوض الذي يعتقد أن الإدارات الأميركية تعتبره “كيسنجر” الشرق وأم المجتمع المدنيّ وأباه، والسفير نواف سلام الذي يعتقد أنَّ السعودية قادرة على تطويبه خليفة للحريري، إذ ينشغل هؤلاء ببعضهم البعض عن كل شيء آخر.

جبهات الاقتتال الداخلي

التدقيق في المشهد يبيّن أنّ ماكينة القوات التي كانت تتفرغ في مثل هذه الأيام لمقارعة التيار، تنشغل اليوم عن جبهة التيار بالجبهات المفتوحة مع مسيحيي 14 آذار، فتواجه القوات حزب الكتائب و3 لوائح أو أكثر من المجتمع المدني على جبهة المتن الشمالي، وتواجه رجل الأعمال أنطون الصحناوي ونديم بشير الجميل والنائب بولا يعقوبيان وأكثر من لائحتي مجتمع مدني على جبهة الأشرفية، وتواجه رجل الأعمال نعمة افرام والنائب فريد الخازن وحزب الكتائب والأمين العام السابق لقوى 14 آذار فارس سعيد على جبهة كسروان – جبيل، وتواجه تيار المستقبل ولائحتين ثوريتين على الأقل على جبهة عكار، وتواجه رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض ومجد بطرس حرب وحزب الكتائب وأكثر من لائحتي مجتمع مدني على جبهة بشري – البترون – زغرتا – الكورة.

واللافت أنَّ جميع هؤلاء الأفرقاء يتبنون الخطاب السياسيّ نفسه، ويتوجهون بالتالي إلى الجمهور نفسه، من دون أية قدرة على مخاطبة الجمهور الآخر، نتيجة كل ما اعتمدوه من إساءة وإهانة منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، إذ تصرفوا على أساس أنَّ الجمهور العوني هو عدوهم، وليس قيادة التيار أو شخصيات محددة فيه. وفي حال كان هناك نسبة من الناخبين تتأثر بالمال السياسي أو الخدمات الانتخابية، فإن كل من سبق تعدادهم يتزاحمون على أبواب هؤلاء. وبالتالي، بدلاً من أن يصوت المؤيدون لهذا الخيار السياسي أو المتأثرون بالخدمات للائحة واحدة، سيوزعون أصواتهم في كل دائرة لثلاث لوائح أو أكثر.

تشققات القاعدة

رجال الأعمال، كما المديرون العامون والقضاة والأساتذة الجامعيون وغيرهم من “المفاتيح” الانتخابية الأساسية جداً في تركيبة “مسيحيي 14 آذار”، كانوا يتحمسون في السابق للمشروع السياسيّ، ويخلقون ما يمكن وصفه بالجو العام المؤيد مسيحياً لـ 14 آذار، من دون تدخل في التفاصيل. أما اليوم، فيتوزع هؤلاء على مجموعات ولوائح، ويستعر الخلاف بين بعضهم البعض، من دون أية ضوابط أو خبرة سياسية حقيقية.

وعلى مستوى القاعدة الحزبية، تتراكم التشققات، مبينة أن ما كان يُسوّق بوصفه قبضة تنظيمية قواتية حديدية تمنع تسرب المحازبين، ما هو في الواقع إلا قبضة كرتونية؛ ففي البيت القواتيّ، أعلن منسق القوات السابق عبدو أبي خليل ترشحه في واحدة من لوائح المجتمع المدني في جبيل. وفي كسروان، يواصل الناشط السياسي فادي فياض الذي يعتبر ركيزة القوات في مدينة جونية العمل مع المرشح المناوئ للقوات نعمة افرام. وفي بشري، معقل القوات، بدأت التشققات تطال القلعة، مع إعلان نجل رئيس البلدية السابق الإعلامي رياض طوق ترشحه بخطابه المزايد على القوات، وإلى جانبه قزحيا سياسين الذي شنت عليه ماكينة القوات حملة شعواء استخدمت فيها فيديو قديماً جداً له يشكر فيه النائب ستريدا جعجع خلال زيارتها منزل عائلته، حيث ظهر بوضوح توتر الماكينة القواتية.

 وفي عاليه والشوف، يتعاظم التململ من فرض معراب للمرشحين من دون استشارة أحد. وفي الكورة أيضاً، ترشح أديب عبد المسيح، وهو من عائلة قواتية بامتياز، في لوائح المجتمع المدني. وكان قد سبق كلّ هؤلاء نزوح مريب لمديرة الماكينة الانتخابية في القوات شانتال سركيس من قلعة معراب إلى بيوتات المجتمع المدني، في وقتٍ أخرج النائب الزحلي سيزار المعلوف معه، حين رحل عن القوات، عدداً كبيراً من الناشطين الذين كانوا يعتبرون القوات عيناً، والمعلوف العين الأخرى، لكنهم اختاروا المعلوف بوظائفه الكثيرة ووجوده الدائم إلى جانبهم حين اضطروا إلى الاختيار. وبدوره، يواصل النائب الزحلاوي ميشال ضاهر عمله الممنهج المدروس والناجح في تصيد أبرز “مفاتيح” القوات الانتخابية في دائرته.

وقد تمثلت فضيحة القوات في أكثر من قضاء بسقوط كل الادعاءات القواتية عن المدرسة الحزبية وتخريج “الكوادر” وغيره من إشاعات ماكينة التسويق القواتية، إذ يتبيَّن أنّ القوات لم تجد في أكبر الأقضية المسيحية (المتن الشمالي) منتسباً واحداً إليها يصلح لتقديمه إلى الناخبين كمرشح، وكذلك في عكار.

وفي توجهها إلى الأصدقاء أيضاً، تبدو خيارات القوات ضئيلة جداً؛ ففي انتخابات 2018، وجدت معراب الكثير من المرشحين المستقلين غير الحزبيين الذين رفدوا لوائحها بأصوات عائلاتهم وأصدقائهم ومعارفهم غير المؤيدين لها، لتتمكَّن من تأمين الحاصل الانتخابي للفوز بمقعد نيابي في كل قضاء. أما اليوم، فهي لا تجد أياً من هؤلاء، لتفضيلهم الترشح مع المجتمع المدني بدلاً من القوات، فهم سيكونون مجرد ملحقين سخفاء “كمالة عدد” في لائحة القوات، فيما سيكونون “القصة كلّها” في لائحة المجتمع المدني، إذ يتمتع الحزبيون بالنجومية في لائحة القوات، فيما ستلتفت إليهم الأضواء في لوائح المجتمع المدني بوصفهم “شيئاً جديداً”.

وما ينطبق على القوات ينطبق على الكتائب دائماً، إذ تعصف المشاكل الداخلية بما تبقى من بيت كتائبيّ، من زحلة التي قرّر رئيس الحزب سامي الجميل إقفال الأبواب فيها في وجه وزير سياحة 14 آذار سابقاً إيلي ماروني ومدير مكتبه شارل سابا، فيما عجز في البترون عن احتواء النائب الكتائبيّ السابق سامر سعاده، كما خلع المرشح السابق في كسروان شاكر سلامة عنه عباءة الكتائب، ومثله فعل رئيس ندوة المهندسين السابق في حزب الكتائب بول ناكوزي، الّذي يترشّح مع واحدة من لوائح “17 تشرين”، مع وجوب التذكير دائماً بأنّ سمير جعجع يقدم نفسه كبديل من التيار الوطني الحر تارة، وتيار المستقبل تارة أخرى، فيما يتبيَّن اليوم أنّه عجز عن احتواء حزب الكتائب وإقناع الكتائبيين بأنه البديل الأفضل عن حزب الكتائب، رغم كلّ الانتفاضات والحروب والمال والنفوذ، تماماً كما فشل في احتواء جماهير 17 تشرين الأول، رغم كل المزايدة والقدرات والضغوطات، فإذا كان عاجزاً عن استقطاب الكتائبيين وجماعة الـNGO’s”، فما حاله مع العونيين وغيرهم!

ومع ذلك، هناك من يواصل التسويق عن قصد أو عن غير قصد، وعن حسن نية غالباً، لأكاذيب القوات التسويقية، مع العلم أنَّ كل ما يخوضه هؤلاء ضد بعضهم البعض، وكلّ ما تشهده بيوتهم الداخلية، إنما يعتبر ثانوياً جداً مقارنة بما يعصف بأفرقاء المجتمع المدني الذي ينهشون بعضهم البعض، أفراداً ومجموعات، إذ تحوَّل المال بالنسبة إلى ما كان يعرف بمسيحيي 14 آذار من نعمة إلى نقمة، بعد أن تعدّدت مصادر التمويل، وتغيّرت طريقة الدفع، فبات كلّ منهم يسعى للقول إنه الرقم الأصعب في قضائه، ويفترض أن ينال القسم الأكبر من التمويل، أو أنّهم لا يستطيعون تجاوزه لتوحيد اللوائح، ويفترض بهم استرضاؤه والوقوف على خاطره. وإذا كانت المسألة تحلّ سابقاً عبر التنسيق مع رئيس الحزب، فإن تفريخ الجمعيات والنجوم والناشطين يجعل ذلك مستحيلاً اليوم.

وبناء عليه، تستطيع وسائل الإعلام المحلية أن تواصل التركيز على أدنى شجار عونيّ – عونيّ هنا أو هناك، أو تصوير المعركة بأنها ضد العهد وحزب الله، لكن على أرض الواقع تبدو الأمور مختلفة بالكامل.

على أرض الواقع، لا أحد يزاحم التيار الوطني الحر على ناخبيه الأساسيين أو يحاول اللعب في ملعبه، فيما ينهش مسيحيو 14 آذار بعضهم البعض، ويُشهّرون ببعضهم البعض، ويتسابقون على المرشحين والناخبين، وينشرون الغسيل المتسخ في جميع الاتجاهات، وهم إذ يستبيحون جميع المحاذير بحقّ بعضهم البعض، فإن كل ما يحصل اليوم هو مجرد بروفا لما سيفعلونه ببعضهم البعض مع اقتراب موعد الانتخابات، في حال حصولها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى