مقالات

هل يحرق النفط أوراق أربيل في بغداد؟

عادل الجبوري

يدلّ القرار الأخير للمحكمة الاتحادية العراقية العليا، القاضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز في إقليم كردستان، على جانب مهم من طبيعة الأزمة الشّائكة والمعقَّدة والمتداخلة في خيوطها وخطوطها بين فرقاء السياسة، أكثر من كونها قائمة بين مكونات المجتمع.

كان قرار المحكمة الاتحادية صادماً ومفاجئاً من جهة، ومربكاً وخالطاً للأوراق من جهة أخرى. ومن جهة ثالثة، كان نقطة تحوّل وانعطاف لتصحيح سياقات خاطئة استمرَّت بضعة أعوام، كما يرى الكثيرون.

وبحسب رئيس المحكمة الاتحادية العليا القاضي جاسم محمد عبود، إنَّ “القرار يلزم وزارة النفط الاتحادية باستخدام صلاحيتها الدستورية بشأن استكشاف النفط وإنتاجه وتصديره، وبطلان التعاقدات التي أبرمتها حكومة إقليم كردستان مع الأطراف الخارجية (دول وشركات). وكذلك، ألزم القرار حكومة الإقليم بتمكين وزارة النفط الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي بمراجعة كلّ العقود النفطية المبرمة بخصوص تصدير النفط الخام والغاز لغرض تدقيقها، بما يتيح للجهات المشار إليها تحديد الحقوق المالية المترتبة بذمة الحكومة المحلية في أربيل، وتحديد حصة الإقليم من الموازنة العامة الاتحادية السنوية”.

استند قرار المحكمة الاتحادية إلى دعويين رفُعتا إليها؛ الأولى رفعها وزير النفط في العام 2012 ضدّ وزير الثروات الطبيعية في حكومة الإقليم، والأخرى رفعها عضو مجلس النواب الحالي، ورئيس لجنة النفط والغاز السابق في مجلس محافظة البصرة المنحل، علي شداد الفارس، ضد رئيس حكومة الإقليم ورئيس برلمانه في العام 2019. وقد طالبتا بإلغاء قانون النفط والغاز الخاص بإقليم كردستان، والذي صادق عليه رئيس الإقليم السابق مسعود البارزاني في 9 آب/أغسطس 2007.

ومنذ اليوم الأول لصدوره، أثار قانون النفط والغاز المتعلّق بإقليم كردستان جدلاً واسعاً، وكان بحكم طبيعة مخرجاته عاملاً رئيسياً في تأزيم العلاقة بين حكومتي المركز والإقليم وبلوغها في بعض الأحيان مستويات خطرة جداً، تمثّلت بتعليق حصة الإقليم من الموازنة البالغة 17% في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، بسبب امتناع حكومة الإقليم عن تحويل العائدات المالية للنفط الذي تصدّره إلى الحكومة الاتحادية، الأمر الّذي تسبّب بتلكؤ الأولى عن دفع رواتب موظفي الإقليم، متهمةً الثانية بقطعها عنهم.

وفي توضيحه هذا الجدل والسّجال، صرّح المالكي في ذلك الحين قائلاً: “ليس هناك شيء في الميزانية يُسمى رواتب موظّفي إقليم، بل هناك حصة 17% من الميزانية للإقليم، وتمّ قطعها لعدم التزام حكومة إقليم كردستان بالاتفاقيات النفطية. وليس معقولاً أن تمتنع حكومة الإقليم عن إرسال إيراداتها النفطية إلى المركز، وتطالب بحصتها من نفط البصرة… وعندما يأخذ الإقليم حصّته، لا نكون مسؤولين عن كيفية صرفها، كرواتب أو خدمات أو أمور أخرى، أو إذا كانت تسرق”.

في مقابل ذلك، لم يتوقّف الساسة والمسؤولون الكرد منذ العام 2014 عن تكرار مقولة أنَّ الحكومة الاتحادية أقدمت على قطع رواتب موظفي الإقليم، معتبرين أن “حجب حصّة الأخير من الموازنة الاتحادية هو تصرف غير مسؤول وغير دستوري، وهو ما دفع حكومة الإقليم إلى استخدام صلاحياتها التي نصَّ عليها الدستور العراقي بتصدير النفط وفق المادتين 112 و115، اللتين تمنحان إقليم كردستان الحقّ في تصدير النفط، للاستفادة من عائداته في معالجة جزء من الأزمة الاقتصادية”.

ولكنّ المسؤولين في الحكومة الاتحادية وخبراء القانون الدستوري يؤكّدون أنَّ الصّلاحيات التي يحتجّ بها الإقليم بتصدير النفط مقيّدة بشروط تضمَّنتها المادة 112 من الدستور الاتحادي، والتي تنصّ على أن “تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكلٍ منصفٍ يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصّة لمدةٍ محددة للأقاليم المتضررة، والتي حُرمت منها بصورةٍ مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضررت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد”.

كما تنصّ الشّروط على “أن تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معاً برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقّق أعلى منفعةٍ للشعب العراقي، معتمدةً أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار”.

وجاء قانون النفط والغاز لإقليم كردستان متقاطعاً في بعض مواده وفقراته مع الدستور الاتحادي، وهو ما أشارت إليه المحكمة الاتحادية بوضوح في قرارها الأخير في إحدى فقراته القائلة بـ”الحكم بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان رقم 22 في العام 2007، وإلغاء مخالفته أحكام المواد 110 و111 و112 و115 و121 و130 من دستور جمهورية العراق في العام 2005″.

في واقع الأمر، تمحورت أزمة ملف النفط بين بغداد وأربيل على مدى 15 عاماً أو أكثر حول 3 نقاط جوهرية، هي:

– إقرار قانون للنفط والغاز خاصّ بالإقليم، من دون التشاور والتنسيق الكافي مع الحكومة الاتحادية، إذ أبصر ذلك القانون النور وهو يفتقد عنصر الانسجام والتوافق مع الدستور الاتحادي والتقيّد الكامل بمضامينه، حتى بدا كأنَّ الإقليم كيان مستقل، أي دولة مستقلّة.

– الافتقار إلى الشفافية المطلوبة في تعاقدات حكومة الإقليم مع الشركات النفطية العالمية في ما يتعلَّق بالتنقيب والإنتاج والتصدير، ومقدار العائدات المالية المتحصلة من استخراج النفط وتصديره وموارد إنفاقها. وتتداول بعض وسائل الإعلام العربية والكردية معلومات مفادها أنَّ حكومة الإقليم صدّرت خلال 8 أعوام ما يقارب ملياراً و100 مليون برميل من النفط، بعائدات بلغت حوالى 25 مليار دولار، بينما يفترض أن تكون العائدات الحقيقية أكبر من هذا الرقم، ناهيك بأنَّ ديون الإقليم تجاوزت ما يربو على 30 مليار دولار، وبعضها ديون داخلية مستحقّة لشركات ومؤسَّسات ورواتب للموظفين الحكوميين، إذ تشير بعض المصادر إلى أنّ كلّ موظف في الإقليم، كمعدل عام، له في ذمة الحكومة ما بين 30 و40 راتباً، جزء منها لم يسدد بالكامل، وجزء آخر استقطع بنسب معينة تحت عنوان الادّخار الإجباري.

– وجود شبهات بأنَّ الوجهة النهائية لمعظم النفط الذي يصدره الإقليم هي “إسرائيل”، وهو ما يتقاطع تماماً مع سياسات الدولة العراقية وثوابتها الوطنية، المتمثلة بمنع كلّ أشكال التعامل المباشر وغير المباشر مع “إسرائيل”، باعتبارها كياناً غاصباً ومحتلاً.

وقبل عدّة شهور، أجابت شركة تسويق النفط الوطنية العراقية (سومو) التابعة لوزارة النفط في الحكومة الاتحادية عن تساؤل للنائب في البرلمان العراقي عدي عواد عن صحة المعلومات القائلة بتصدير النفط المستخرج من الحقول الواقعة ضمن الحدود الإدارية لإقليم كردستان إلى “إسرائيل”، إذ وثّقت الشركة عبر قائمات إحصائية بالتواريخ والأرقام حقيقة ذلك، إلا أنَّها أكَّدت “أنَّ مسألة إلزام إقليم كردستان بالقانون والدستور العراقي ليست من اختصاص شركة تسويق النفط… وأنّ الشّركة وجّهت كتباً رسمية إلى الشركات المتعاملة معها”، مشددةً عليها “عدم شراء النفط من إقليم كردستان، لكونه يعتبر نفطاً مهرباً، ولم يتمّ تصديره بصورة شرعية”.

وتذهب أوساط سياسيّة وإعلامية واقتصادية إلى “أنَّ 70% من احتياجات إسرائيل النفطية تحصل عليها من إقليم كردستان العراق، وبأسعار منخفضة”، مشيرة إلى “أن نفط الإقليم المصدَّر إلى إسرائيل، تقوم السفن بتحميله. وعندما تصل إلى البحر الأبيض المتوسط قبل دخولها مياه إسرائيل، يتمّ تغيير الاسم حتى يكون رصد السفينة صعباً جداً”.

ولا تنكر الأوساط والمحافل السياسية الكردية – ولا سيما الرسمية – وصول النفط المصدّر من الإقليم إلى “إسرائيل”، بيد أنَّها تنفي مسؤوليتها عن ذلك. وفي وقت سابق من العام 2020، أدلى مسعود حيدر، مستشار رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، بتصريحات صحافية قال فيها “إن النفط في كلِّ دولة يُباع لشركات عالمية، ويدخل عبر هذه الشركات إلى السوق العالمي، وإن إقليم كردستان العراق يعرض نفطه في هذا السوق، وإن اتهامات بيع نفط إقليم كردستان العراق لدول معينة تعود لأغراض سياسية، والإقليم يتعامل مع إسرائيل أو أي دولة أخرى وفقاً لسياسة العراق الخارجية، لكون إقليم كردستان ضمن العراق الاتحادي الفيدرالي”، معتبراً “أنَّ هناك العديد من الدول العربية التي تجمعها علاقات تجارية واتفاقيات مع إسرائيل”.

قد لا تكون مسألة تصدير النفط إلى “إسرائيل” هي جوهر المشكلة، لكنَّها ساهمت في تعقيدها، ولا تزال، مثلما ساهم في ذلك مشروع الاستفتاء على انفصال الإقليم عن العراق في 25 أيلول/سبتمبر 2017، إذ تسبَّب بإحداث المزيد من التأزم في العلاقة بين بغداد وأربيل، وبالتالي تفاقم المعاناة الاقتصادية والحياتية لمعظم فئات المجتمع الكردي.

ولم تفضِ المرونة التي أبداها رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي والحالي مصطفى الكاظمي في التعامل مع الملف الكردي إلى إنهاء الأزمة أو تطويقها وتحجيمها إلى أقصى قدر ممكن. ومع كلِّ تصعيد في المواقف بخصوص ملف النفط، كانت تتصاعد وتيرة المطالبات من مختلف الأطراف بضرورة إقرار قانون النفط والغاز الاتحادي الذي قُدم مشروعه إلى البرلمان في العام 2007، بيد أنّه ظلَّ على الرف ارتباطاً بطبيعة الظروف السياسية وحسابات الفرقاء.

واليوم، إنَّ قرار المحكمة الاتحاديّة الَّذي رأت فيه مختلف القوى السياسية والمجتمعية خطوةً في الاتجاه الصحيح ربما يؤدي إلى خلط الأوراق بدرجة أكبر، سواء في إطار المكون الكردي أو على صعيد الفضاء الوطني العام؛ ففيما يتعلّق بالكرد، بينما قوبل برفض قاطع من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني، لقي قبولاً وترحيباً من قبل القوى والكيانات السياسية الكردية الأخرى، ومن قبل قسم كبير من قطاعات المجتمع الكردي الذي لطالما دعا إلى ربط القضايا المالية للإقليم بالحكومة الاتحادية مباشرة، كما هو الحال مع حركة التغيير (كوران)، التي قال العضو القيادي فيها، فرمان حسن، “إنَّ قرار المحكمة الاتحادية العليا بشأن نفط كردستان ملزم التطبيق من قبل الحكومة الاتحادية، وإنَّ واردات النفط والغاز في الإقليم تذهب إلى جيوب الأحزاب الحاكمة ومسؤولي كردستان”.

أما المتحدّث باسم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني أمين بابا شيخ، فقد قال: “لا ينبغي انتهاك الدستور لأيِّ أغراض سياسية ضيقة، ويجب أن تُطبق النصوص الدستورية في سبيل حماية النظام الاتحادي وإنجاح العملية السياسية في العراق. ندعو كلّ الأطراف إلى حلّ المشاكل من خلال الحوار والتفاهمات السياسية”.

للوهلة الأولى، قد يبدو أنَّ الحزب الديمقراطي بزعامة البارزاني هو الطرف المستهدف بقرار المحكمة الاتحادية الَّذي جاء بعد وقت قصير من قرارها بقبول دعوى منع القيادي في الحزب الديمقراطي هوشيار زيباري من الترشّح إلى رئاسة الجمهورية، على خلفية قيام البرلمان بإدانته في العام 2016 بتهم الفساد وسوء استغلال المال العام، حين كان يشغل منصب وزير الخارجية (2004-2014).

وإن كان الأمر كذلك فعلاً، فإنَّ رفض القرار والمماطلة في تنفيذه سيزيدان الأمور تعقيداً وتأزماً، وربما يؤديان إلى تأخّر تشكيل الحكومة الجديدة. أكثر من هذا، ليس مستبعداً أن يفضيا إلى إحداث تغيير في خارطة التحالفات والاصطفافات السياسيّة.

وفي الوقت ذاته، إنَّ تنفيذ القرار يتطلَّب تفاهمات سياسية وسقوفاً زمنية قصيرة ومتوسطة المدى. وإذا كان قانون النفط والغاز الاتحادي يمكن أن يكون مفتاح الحلّ، فإنَّ إقراره والعمل به لن يكون سهلاً ويسيراً ومتاحاً خلال وقت قريب، لأنَّ مفاتيح حلول الأزمات في العراق غالباً ما تكون ضائعة بين الفرقاء والخصوم، وربما بين الآخرين!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى